لم تكن استقالة القيادي الإخواني عمرو دراج، من مناصبه القيادية في جماعة الإخوان في ديسمبر 2016، مجرد خطوة إدارية كما صُورت حينها، بل بدت في سياقها التاريخي كعملية "تجميد" تكتيكية لامتصاص غضب الشارع المصري بعد انكشاف أوراق التنظيم في أعقاب ثورة 30 يونيو. حين أعلن دراج اعتزاله العمل العام وتفرغه "للأكاديميا"، بدا للكثيرين أنها طي لصفحة سياسية مضطربة، خاصة مع اعترافاته الصريحة التي سبقت استقالته حول تورط الجماعة في رفض الحلول السلمية إبان اعتصام رابعة، وتأكيده على وجود انقسامات داخلية وشرخ في بنية التنظيم الذي فقد ظهيره الشعبي إلا أن الوقائع في عام 2026 تعيد طرح تساؤلات ملحة حول مصداقية تلك "الاستقالة"، فالمتابعون لتحركات دراج اليوم يجدون أنفسهم أمام مشهدٍ ينسف ادعاءات القطيعة مع الجماعة، إذ تشير المعطيات إلى نشاط محموم لإعادة إحياء التنظيم دولياً، في تناقضٍ صارخ مع بيان عام 2016 الذي ادعى فيه الانكفاء على الذات، فهل نحن أمام محاولة جديدة لـ "غسيل السمعة" سياسياً؟ أم أن "الإخواني" لا يعتزل عقيدته، بل يُغير جلده فقط ليتسنى له العمل في الخفاء مستغلاً تلاقي المصالح؟ لم يكن دراج بعيداً عن أزمات التنظيم، بل كان دائماً في قلب العاصفة، ففي 15 أغسطس 2014، فاجأ دراج المتابعين بتصريحات عبر قناة "الجزيرة" اعترف فيها بأن القيادة السياسية المصرية حينها، وعلى رأسها الرئيس عبد الفتاح السيسي، كانت تميل للحل السلمي لفض اعتصام رابعة، بينما تعنتت قيادات الإخوان ورفضت خيار الحوار، وهو ما فضح آنذاك تضليل الجماعة لقواعدها الشعبية توالت محاولات دراج لتقديم نفسه كوجه "عاقل" داخل تنظيم متصلب، ففي أغسطس 2015، تسبب بيان أصدره حول وجود لجان للهيئة الشرعية وشباب الجماعة في إشعال حرب داخلية، بعد أن كشف عن حقائق صادمة بأن 75% من كوادر الإخوان لم يشاركوا في المظاهرات، مما عزز الاعتقاد بأن الرجل كان يستخدم "الشفافية" كأداة لتصفية الحسابات داخل أروقة التنظيم المتآكل، وفي 2019، وصل به الحال إلى حد إعلان القطيعة التامة، مؤكداً أنه لا توجد أي علاقة تربطه بالتنظيم لم تعد تحركات الدكتور عمرو دراج في أوروبا تقتصر على الطابع الأكاديمي أو البحوث السياسية التي تذرع بها عند إعلان اعتزاله في 2016، بل تحولت مؤخراً إلى نشاطٍ مكثف يهدف إلى إعادة تسويق "الإخوان المسلمين" كطرفٍ سياسي مقبول في المنظومة الغربية ففي الآونة الأخيرة، رُصد دراج في سلسلة من الاجتماعات المغلقة والمؤتمرات التي تستهدف مراكز الفكر وصناع القرار في بعض العواصم الأوروبية، وتتركز تحركاته حول محورين أساسيين بناء شبكات نفوذ جديدة: محاولة اختراق المؤسسات الحقوقية والسياسية الغربية تحت ستار "الخبراء الأكاديميين"، لتقديم قراءات مشوهة عن الوضع الداخلي في مصر، مستغلاً خبرته السابقة كوزير سابق لإضفاء "شرعية زائفة" على خطابه إعادة تجميع أشتات التنظيم: تشير الدلائل إلى أن دراج يعمل كحلقة وصل بين قيادات التنظيم المشتتة في أوروبا وبعض القوى الإقليمية التي تسعى لاستخدام أوراق الجماعة للضغط السياسي، في محاولة لإعادة إنتاج التنظيم بشكل هيكلي أكثر مرونة، وبعيداً عن الأضواء الكاشفة التي طاردت قادة الإخوان بعد 2013 إن هذه التحركات ليست "عملاً سياسياً طبيعياً"، بل هي "إعادة تموضع استراتيجي" تهدف إلى غسل السمعة السياسية للتنظيم، مستغلين حالة السيولة الدولية، وبذلك، ينتقل دراج من مرحلة "الاستقالة التكتيكية" التي قدمها في 2016 إلى مرحلة "الهجوم الناعم" في 2026، مما يؤكد أن الرجل لم يغادر قط مقعد القيادة، بل كان ينتظر اللحظة المناسبة لإعادة ترتيب أوراق التنظيم الدولي سيبقى السؤال الأهم: هل سينجح دراج في إقناع الدوائر الأوروبية بـ "وجهه الجديد"، أم أن تاريخه الذي لا يُنسى سيظل يلاحق كل محاولاته لإنكار انتمائه الذي لا يزول؟ لقد أثبتت الوقائع أن "الأخوانة" داءٌ متمكن لا يُشفى منه أصحابه إلا بالعودة إلى نقطة الصفر؛ وهي التنظيم، والسمع، والطاعة، مهما اختلفت العواصم ومهما تلونت البيانات
منذ 19 ساعة
أخبار متعلقة
الأهم قراءة
أمطار رعدية ورياح قوية تضرب الإسكندرية.. واستعدادات مكثفة لمواجهة الطقس
0
1
ترامب: لا أريد وقفا لإطلاق النار في الحرب على إيران
0
2
حبيب باي: قرار سحب كأس إفريقيا من السنغال غير مفهوم.. واللقب حُسم في الملعب
0
3
خلال احتفالات العيد.. مصرع وإصابة 7 أطفال في انقلاب عربة كارو بمصرف دمياط - صوت الأمة
0
4
فيس بوك