تختتم اليوم مراسم تشييع علي خامنئي في مشهد، بعد وداع امتد بين طهران وقم، وسط حضور رسمي وشعبي واسع ومشاركة وفود حليفة لإيران. في عهد خامنئي، أصبح الحرس الثوري الإيراني قوة عسكرية وسياسية واقتصادية كبرى، تضم قوات برية وبحرية وجوفضائية، وتشرف على قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة. وله أيضاً ذراع خارجية هي فيلق القدس، الذي يتولى بناء العلاقات مع حلفاء طهران في المنطقة، وتقديم الدعم المالي والعسكري والتدريب لهم. كذلك قوات الباسيج، التي تأسست عام 1979 كتنظيم تعبوي شبه عسكري، بات لها حضور واسع في مختلف المحافظات والمدن والجامعات والمؤسسات. وتؤدي وحدات منها مهام أمنية داخلية، وقد برز دورها في قمع الاحتجاجات، خصوصاً منذ انتخابات عام 2009. رئيس الجمهورية في إيران هو أعلى مسؤول منتخب في البلاد، وصاحب ثاني أعلى منصب رسمي بعد المرشد الأعلى، ولكن تبقى صلاحياته محدودة، ولا سيما في الملفات الأمنية والسياسات الاستراتيجية. فقيادة الحرس الثوري وقوات الباسيج والشرطة، ترتبط مباشرة بالمرشد وتخضع لسلطته.كما يستطيع البرلمان تقييد هامش حركة الرئيس من خلال التشريعات والرقابة السياسية، بينما يمتلك مجلس صيانة الدستور، القريب من مراكز النفوذ المرتبطة بالمرشد، سلطة مراجعة القوانين والموافقة عليها أو رفضها. لذلك ظل موقع المرشد مركز القرار الحاسم في النظام طوال فترة حكم خامنئي. على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وسّع خامنئي شبكات الموالين له داخل مؤسسات الدولة، من مجلس الشورى والقضاء إلى الأجهزة الأمنية والإعلام والمؤسسة الدينية. واستند نفوذه إلى تحالف وثيق بين رجال دين متشددين وقادة نافذين في الحرس الثوري. كما عمل على ترسيخ صورة عامة تقوم على الولاء للمرشد، في ظل قمع سياسي وحملات اعتقال طالت معارضين ونشطاء. في عام 1989، اختاره مجلس خبراء القيادة خلفاً للخميني، في قرار أثار جدلاً بسبب مكانته الدينية المحدودة مقارنة بسلفه. وفي أول كلمة له بعد توليه المنصب، أقرّ خامنئي بأنه يحمل "عيوباً ونقائص كثيرة" و"طالب حوزة صغير"، لكنه قال إن مسؤولية ثقيلة ألقيت على عاتقه. وجاء اختياره في ظل غياب الهالة الدينية والشعبية التي تمتع بها الخميني، ما دفع خامنئي في سنواته الأولى إلى التحرك بحذر لبناء قاعدة نفوذ خاصة به داخل النظام. امتلأت الشوارع المحيطة بمرقد الإمام علي الرضا التاريخي في مدينة مشهد، مسقط رأس المرشد علي خامنئي، بانتظار وصول النعش ليوارى الثرى في اليوم الأخير من التشييع. في يونيو/حزيران 1981، نجا خامنئي من محاولة اغتيال بعدما انفجرت قنبلة كانت مخبأة في جهاز تسجيل قربه أثناء إلقائه كلمة في مسجد بطهران. أصيب بجروح خطيرة طالت ذراعه اليمنى وأحباله الصوتية ورئتيه، واستغرق أشهراً للتعافي. ترك الهجوم ضرراً دائماً في قدرته على استخدام يده اليمنى. وفي وقت لاحق من العام نفسه، اغتيل الرئيس محمد علي رجائي، فترشح خامنئي لخلافته وفاز بالرئاسة بدعم من الخميني. ورغم أن السلطة العليا في إيران بقيت بيد الخميني، منح المنصب خامنئي موقعاً سياسياً بارزاً خلال الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات (1980-1988) ، وساهمت في ترسيخ نظرته المتوجسة إلى الولايات المتحدة والغرب. بعد الثورة الإسلامية عام 1979، انضمّ خامنئي إلى مجلس الثورة، أحد أبرز مراكز السلطة في المرحلة الانتقالية. وفي عام 1980، عيّنه الخميني إماماً لصلاة الجمعة في العاصمة طهران. وكانت خطبه السياسية تُبث أسبوعياً في أنحاء البلاد، ما رسّخ مكانته سريعاً داخل القيادة الجديدة للجمهورية الإسلامية. كما أصبح خامنئي نائباً لوزير الدفاع، وارتبط مبكراً بالحرس الثوري الإيراني، ليسهم في ترسيخ موقعه داخل النظام، قبل أن يتحول لاحقاً إلى واحدة من أقوى مؤسسات الدولة. في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1979، بعد أشهر من انتصار الثورة الإسلامية، اقتحم طلاب إسلاميون موالون للخميني السفارة الأمريكية في طهران، واحتجزوا عشرات الدبلوماسيين وموظفي السفارة رهائن. دعم قادة الثورة، ومن بينهم خامنئي، الطلاب الذين كانوا يحتجون على قرار الولايات المتحدة استقبال الشاه المخلوع للعلاج. واستمرت الأزمة 444 يوماً، وأسهمت في تكريس القطيعة بين طهران وواشنطن، وفتحت مرحلة طويلة من العزلة الدولية والعداء المتبادل. لم يكن مسار خامنئي دينياً فحسب، إذ إنه انخرط مبكراً في العمل السياسي. وعُرف كخطيب مؤثر منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، وانضم إلى منتقدي شاه إيران، الذي أطاحت به الثورة الإسلامية لاحقاً. اضطر خامنئي إلى العمل السرّي لفترات، وتعرّض للسجن أكثر من مرّة، واعتقلته الشرطة السرّية للشاه (السافاك) ست مرات. كما تعرض للتعذيب والنفي الداخلي، وهي تجربة ساهمت في ترسيخ مكانته داخل التيار الثوري المناهض للشاه. لم يعرف كثير من الشباب الإيرانيين الحياة السياسية في ظلّ قائد غير خامنئي. فقد غطت وسائل الإعلام الرسمية ظهوره وتحركاته على نحو منتظم، وانتشرت صوره على اللوحات الإعلانية وفي الشوارع والمتاجر والأماكن العامة. ومن خلال هذا الحضور الدائم، ترسخت صورته بوصفه الشخصية المركزية في الجمهورية الإسلامية. فهو لم يكن مرجعية دينية فحسب، بل صاحب سلطة سياسية وأمنية وعسكرية في نظام معقد تتداخل فيه مؤسسات الدولة مع مراكز النفوذ. وُلد علي حسيني خامنئي في مدينة مشهد شمال شرق إيران عام 1939، ونشأ في عائلة دينية من ثمانية أبناء. كان والده رجل دين من الطائفة الشيعية، المذهب الغالب في إيران، عاش حياة متواضعة، تركت أثرها في نشأة العائلة. وصف خامنئي لاحقاً طفولته بأنها كانت "فقيرة لكن متدينة"، وقال إنه كان يكتفي أحياناً بتناول الخبز والزبيب. تركز تعليمه المبكر على دراسة القرآن، قبل أن يبدأ مساره مبكراً ويرتدي الزي الديني في سن الحادية عشرة. مع تشييع آية الله علي خامنئي، تُطوى مرحلة أحد أطول الزعماء بقاءً في السلطة في العالم. فقد تولى منصب المرشد الأعلى للجمهورية عام 1989، بعد وفاة مؤسسها آية الله روح الله الخميني، وبقي منذ ذلك الحين الشخصية الأقوى في النظام الإيراني. كان خامنئي رأس السلطة في إيران والقائد الأعلى للقوات المسلحة، بما في ذلك الحرس الثوري الإيراني. ورغم أن الرؤساء الإيرانيين كانوا غالباً في الواجهة الدبلوماسية والإعلامية، إلا أن خامنئي كان صاحب الكلمة الحاسمة في السياسات العامة ومراكز القوة داخل الدولة. شهد عهد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (1989-2026) موجات احتجاجية واسعة، شكلت في محطات عدة أكبر تحدٍ داخلي للنظام منذ قيام الجمهورية الإسلامية. ومن أبرز تلك المحطات احتجاجات عام 2009، التي اندلعت بعد إعلان فوز محمود أحمدي نجاد بولاية رئاسية ثانية. واتهم منافساه، مير حسين موسوي ومهدي كروبي، السلطات بتزوير الانتخابات، في حركة احتجاجية عرفت لاحقاً باسم "الحركة الخضراء". وغالباً ما تنحصر المنافسة الانتخابية في إيران بين تيارين رئيسيين: إصلاحي ومحافظ، ضمن نظام يخضع فيه المرشحون لتدقيق مجلس صيانة الدستور قبل السماح لهم بخوض الانتخابات. وبعد سنوات، اندلعت موجات احتجاج جديدة لأسباب اقتصادية ومعيشية، أبرزها احتجاجات ديسمبر/كانون الأول 2017، ثم احتجاجات نوفمبر/تشرين الثاني 2019، التي جاءت بعد رفع أسعار الوقود وشهدت حملة قمع واسعة. وفي سبتمبر/أيلول 2022، أثارت وفاة الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني، البالغة من العمر 22 عاماً، بعد توقيفها من قِبل شرطة الأخلاق بسبب ما قيل إنه عدم التزامها بقواعد الحجاب، احتجاجات واسعة في أنحاء إيران، رفعت شعار "المرأة، الحياة، الحرية". وبعد أشهر من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، شهدت إيران موجة احتجاج جديدة بين ديسمبر/كانون الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026، في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة وضغوط داخلية متزايدة. وغالباً ما واجهت السلطات الإيرانية هذه الاحتجاجات بالقوة، إلى جانب الاعتقالات والملاحقات القضائية وأحكام السجن والإعدام بحق معارضين وناشطين. مظاهرات من أجل الثورة الإيرانية طغت عليها مشاعر السخط والتحدي نشر مكتب المرشد الأعلى الإيراني مشاهد قال إنها تُظهر أضراراً لحقت بمجمع المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي في طهران، عقب الضربات الجوية الإسرائيلية والأمريكية التي استهدفته. وتُظهر اللقطات، التي نُشرت في 8 يوليو/تموز، ضرراً في جزء من مبنى داخل المجمع، بحسب ما قال مكتب خامنئي. ولم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من تاريخ تصوير الفيديو، لكن رويترز قالت إن موقعه تأكد من خلال مطابقة أضرار المبنى ولون القماش الظاهر في اللقطات مع صور الأقمار الصناعية. وأظهرت صور أقمار صناعية ملتقطة في 28 فبراير/شباط أضراراً في مجمع خامنئي في طهران، وهو اليوم الذي أكدت فيه وسائل إعلام رسمية إيرانية مقتله في ضربات أمريكية-إسرائيلية. وقالت رويترز إنها لم تعثر على نسخ قديمة من الفيديو منشورة على الإنترنت قبل 8 يوليو/تموز، لكنها أشارت إلى أن تاريخ تصوير اللقطات لم يتم التحقق منه. تصل مراسم تشييع المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي إلى مسقط رأسه في مدينة مشهد، بعد أيام من مواكب وفعاليات رسمية وشعبية امتدت بين إيران والعراق، وشاركت فيها حشود كبيرة من المشيعين. وبدأت المراسم في طهران في 3 يوليو/تموز، حيث شارك مسؤولون إيرانيون وشخصيات دينية وسياسية في مراسم وداع رسمية، قبل أن يُفتح مصلى الإمام الخميني الكبير أمام المشيعين في 4 و5 يوليو/تموز لإلقاء النظرة الأخيرة على جثمان خامنئي وجثامين عدد من أفراد عائلته الذين قُتلوا معه. وقالت رويترز إن عشرات الآلاف احتشدوا في المصلى الكبير في طهران، فيما تحدثت وسائل إعلام رسمية إيرانية عن مشاركة "ملايين" في موكب 6 يوليو/تموز الذي تحرك عبر العاصمة من ساحة الثورة باتجاه ساحة آزادي. وبعد طهران، انتقل موكب التشييع إلى قم، إحدى أبرز المدن الدينية في إيران ومركز الحوزات الشيعية، حيث أقيمت مراسم وداع إضافية قبل نقل الجثمان إلى العراق. وفي 8 يوليو/تموز، وصل الموكب إلى العراق، حيث أقيم استقبال رسمي في مطار النجف، قبل أن تسير حشود في النجف وكربلاء. وقالت رويترز إن الآلاف شاركوا في النجف مع عبور الموكب إلى العراق، بينما نقلت وكالة مهر الإيرانية عن برس تي في تقديرات من الحشد الشعبي تحدثت عن نحو 3.8 مليون مشيع في النجف وأكثر من أربعة ملايين في كربلاء.ووصلت المراسم إلى محطتها الأخيرة في مشهد، مسقط رأس خامنئي وأحد أهم المراكز الدينية في البلاد. أدت الغارات الجوية التي استهدفت مقر إقامة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران، في 28 فبراير/شباط، إلى مقتل عدد من أفراد عائلته وإصابة آخرين. وبحسب وسائل إعلام إيرانية، قتل في الضربة نفسها أربعة من أفراد عائلة خامنئي، هم: ابنته بشرى حسيني خامنئي، وحفيدته زهرا محمدي كلبايكاني، وصهره مصباح الهدى باقري كني، وزوجة ابنه زهرا سادات حداد عادل. وتضاربت الأنباء بشأن مصير زوجة خامنئي، منصورة خجسته باقر زاده. فقد تحدثت وسائل إعلام إيرانية في البداية عن مقتلها، قبل أن تقول وكالة فارس، المرتبطة بالحرس الثوري، إن التقارير عن وفاتها غير صحيحة. وفي بيان صدر في 12 مارس/آذار، لم يذكر مجتبى خامنئي، المرشد الجديد للجمهورية الإسلامية، مقتل والدته، واكتفى بالإشارة إلى مقتل عدد من أفراد عائلته. وتقول رويترز إن مجتبى خامنئي أصيب بجروح خطيرة في الضربة التي قتلت والده، وإنه لم يظهر علناً منذ بدء الحرب، رغم صدور بيانات مكتوبة باسمه. ومن المقرر أن تُعرض جثامين أفراد عائلة خامنئي الذين قتلوا معه إلى جانب جثمانه خلال مراسم التشييع، قبل دفن المرشد الراحل في مدينة مشهد. 2026 بي بي سي. بي بي سي ليست مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية. سياستنا بخصوص الروابط الخارجية.
منذ 13 ايام
أخبار متعلقة
الأهم قراءة
اعتبارًا من 1 أبريل.. الخرطوم تخفض رسوم استخراج الجوازات بنسبة 30% لتسهيل عودة السودانيين للوطن - صوت الأمة
0
1
غوارديولا يلاحق فيرغسون.. أكثر المدربين تتويجا بالألقاب في تاريخ الكرة
0
2
هل يجوز الجمع بين صيام الست من شوال والقضاء؟.. الأزهر للفتوى يجيب - صوت الأمة
0
3
نتنياهو يستدعي قادة الائتلاف الحكومي لاجتماع عاجل
0
4
فيس بوك