اكتشاف أثري يقلب موازين التاريخ في واحة الداخلة.. كيف غيرت وثائق “تيسوس” و”تابيبوس” فهمنا لحضارة الواحات الغربية؟ منذ نحو عامين، وتحديداً في رحلة استكشافية إلى واحة الداخلة، كنت أقف فوق تلال “عين السبيل” دون أن أدري أن تحتي مدينة كاملة. يومها، قال لي أحد الحراس المحليين، واسمه “عم حسن”، مشيراً إلى الأرض: “هنا يا بيه، الرملة بتتكلم لو عرفت تسمعها”. ضحكت وقتها، لكن اليوم، وبعد الإعلان الرسمي لوزارة السياحة والآثار، أدركت أن الرملة كانت تتحدث بالفعل. فما كشفت عنه الحفائر تجاوز كل تصور: منزل الشماس “تيسوس”، ومنزل آخر يُحتمل أنه كان كنيسة منزلية باسم “تابيبوس”، وأكثر من مائتي وثيقة فخارية مدوّنة باللغتين القبطية واليونانية، وعملات ذهبية تعود إلى الإمبراطور قسطنطيوس الثاني. المدهش في الأمر أن هذه المدينة لم تكن مجرد سكن عابر، بل مجتمعاً منظماً يؤكد أن الواحات الغربية لم تكن هامشية كما ظن الكثيرون، بل كانت نابضة بالحياة والاقتصاد والإيمان. ومع أن البيان الرسمي لوزارة السياحة والآثار قد أعلن تفاصيل الكشف، إلا أن دلالته تتجاوز مجرد الإعلان عن مدينة متكاملة العمران؛ إذ يُلقي الضوء على دور الواحات الغربية كمراكز حضارية مستقرة، ناقضاً بذلك الفرضيات التي كانت تختزلها في مجرد محطات عبور مؤقتة.
وفقاً للبيانات الصادرة عن المجلس الأعلى للآثار، كشفت الحفائر في موقع عين السبيل عن نسيج عمراني منتظم، يضم شوارع رئيسة تمتد من الشمال إلى الجنوب، تتقاطع مع شوارع عرضية شرق-غرب، مؤلفة شبكة من الساحات والميادين. وفي صميم هذا التصميم، تقع كنيسة بازيليكية تطل على الشارع الرئيسي، وهو ما يشير -وفقاً لقراءة الدكتور ضياء زهران، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية- إلى أنها احتلت مركز الثقل الديني والاجتماعي للمجتمع. ومن بين أبرز عناصر هذا الموقع، احتواؤه على مكون دفاعي متكامل تمثل في بقايا حصن عسكري وأساسات أبراج مراقبة، وهو ما يعكس دوره المحتمل في تأمين طرق القوافل القديمة التي كانت تعبر الصحراء الغربية خلال تلك الحقبة. في تطور يضفي عمقاً نوعياً على الاكتشافات الأثرية، لم تقتصر اللقى على الجانب المعماري، بل تجاوزته إلى نقوش وأسماء ما زالت محفورة على عتبات المنازل. فالعثور على منزل “تيسوس” الشماس، ومنزل “تابيبوس” الذي يُحتمل استخدامه ككنيسة منزلية، يقدم للباحثين لمحة نادرة عن التسلسل الهرمي الاجتماعي والديني داخل المجتمع المحلي في القرن الرابع الميلادي. كما أن العثور على حوالي 200 قطعة من “الأوستراكا” (شظايا فخارية مدون عليها كتابات) باللغتين القبطية واليونانية، يمثل إضافة علمية جوهرية. فهذه الوثائق، التي ما زالت قيد الدراسة، من المتوقع أن تكشف تفاصيل دقيقة حول المعاملات الإدارية، وأنماط الملكية، والممارسات اليومية، مما يجعل الموقع أشبه بأرشيف طيني متكامل. على الصعيد الاقتصادي، عُثر على مجموعة نقدية متنوعة ضمت عملات برونزية بحالة حفظ جيدة، تحمل نقوشاً لأباطرة بيزنطيين ورموزاً مسيحية وكتابات لاتينية. غير أن أبرز ما تم انتشاله هو العملات الذهبية التي تعود إلى الإمبراطور قسطنطيوس الثاني (337-361م)، وهي تفاصيل وردت في البيان الرسمي للوزارة. وتشير هذه المكتشفات النقدية، في ضوء القراءة الأثرية الأولية، إلى استمرار النشاط الاقتصادي والتبادل التجاري في الواحة خلال تلك الفترة، وتُعتبر دليلاً مادياً على ارتباط الواحات الغربية بالاقتصاد النقدي للإمبراطورية البيزنطية، متجاوزةً بذلك اقتصادات المقايضة المحلية البحتة. لتقدير أهمية هذا الكشف، لا بد من وضع واحة الداخلة في سياقها التاريخي المعروف. فمنذ العصر الروماني، كانت الداخلة واحدة من أهم محطات طرق القوافل القديمة التي تربط وادي النيل بمناطق غرب أفريقيا. ومع انتقال مصر إلى الحكم البيزنطي، تحولت هذه الواحات إلى مراكز للاستقرار المسيحي المبكر، حيث ازدهرت الرهبنة والكنائس. ويتميز موقع عين السبيل بأنه يقدم نموذجاً متكاملاً يعكس هذا التحول؛ إذ يجمع بين الوظائف الدينية (الكنيسة البازيليكية والاستخدام المنزلي للعبادة)، والدفاعية (الحصن وأساسات الأبراج)، والسكنية (التخطيط الشبكي المنتظم)، مما يجعله حالة دراسية فريدة مقارنة بالمواقع الأخرى التي غالباً ما تنفرد بوظيفة واحدة كالأديرة المعزولة أو الحصون العسكرية فقط. من منظور أكاديمي، يُسهم هذا الاكتشاف في تعزيز الفرضيات التي ترى أن الصحراء الغربية لم تكن هامشية في العصر البيزنطي، بل كانت فاعلة في الإنتاج الزراعي (عبر نظم الري) والتجارة البعيدة المدى. كما أن وجود وثائق مكتوبة باليونانية (لغة الإدارة والكتاب المقدس) والقبطية (اللغة المحلية المتطورة) يعكس ازدواجية لغوية مثيرة، ويوفر مادة غنية لعلماء البرديات والنقوش لدراسة التحولات اللغوية والثقافية في تلك الفترة الانتقالية. بعيداً عن الأهمية الأكاديمية، يُترجم هذا الاكتشاف إلى فرص تنموية وسياحية ملموسة. فإخراج مدينة بيزنطية متكاملة من تحت الرمال يعني أن واحة الداخلة -التي طالما كانت مقصداً للباحثين عن الهدوء- ستتحول إلى وجهة سياحية ثقافية عالمية، مما يساهم في خلق فرص عمل مباشرة لأهالي محافظة الوادي الجديد في مجالات الإرشاد السياحي، والترميم، والضيافة. إضافة إلى ذلك، فإن وجود مدينة بهذا الحجم والتخطيط يثبت أن المصريين القدماء -مسيحيين وبيزنطيين- كانوا رواداً في العمران وإدارة المجتمعات، وهو ما يعزز الشعور بالفخر الوطني ويؤكد أن مصر كانت دوماً حاضنة للحضارات، وليست مجرد أرض تمر بها الجيوش. إن استثمار هذا الكشف بالشكل الأمثل لا يقتصر على حفظ التاريخ، بل يمتد لصناعة مستقبل اقتصادي واعد لأبناء الوادي الجديد. أثناء كتابتي لهذه السطور، توقفتُ طويلاً عند سؤال واحد: كيف استطاع الطوب اللبن أن يصمد كل هذه القرون في وجه الرياح والعوامل الجوية؟ الجواب -كما يفسرها المختصون- يكمن في جفاف مناخ الداخلة، لكن الجزء الأكبر، برأيي المتواضع، يعود إلى براعة المصري القديم في اختيار مواد البناء المحلية، وهي مهارة ما زلنا نرى امتدادها في بيوت الواحات حتى اليوم. ومع تواصل أعمال الحفائر في الموقع، يظل هذا الكشف شاهداً على أن مساحات شاسعة من صحرائنا لا تزال تحتفظ بفصولها المفقودة. مدينة “عين السبيل”، بمنازلها التي تحمل أسماء ساكنيها كأنهم عائدون للتو، وبحصنها وكنائسها وعملاتها المتنوعة، لم تخرج إلى النور كحجارة صامتة، بل كقصة إنسانية متكاملة، تهمس بتفاصيل دقيقة عن مجتمع كامل. ويبقى السؤال الأهم: كم مدينة أخرى مماثلة لا تزال تنام تحت أقدامنا، في انتظار من يوقظها؟
منذ 2 ايام
فيس بوك