Desktop
Poster Image

"إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلاً: قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر، وكن هناك حتى أقول لك. لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه. فقام وأخذ الصبي ليلاً وانصرف إلى مصر" (مت 2: 13-23)، بهذه السطور الموجزة دون تفاصيل، ذكرت بشارة (إنجيل) القديس متى رحلة العائلة المقدسة إلى أرض مصر، وهي رحلة تجاوزت الحيز الديني والتاريخي، لتلهم الرسامين في الشرق والغرب، فأثمرت عن إبداعات فنية لا حصر لها على اختلاف المدارس الفكرية وعصورها. تمثل رحلة العائلة المقدسة إلى أرض مصر أحد أعمق الفصول الروحية في تاريخ المسيحية، وقد حفظت الكنيسة القبطية هذا الحدث بكل ما فيه من تفاصيل ومواقع ومشاهد مقدّسة، تحوّلت عبر القرون إلى أيقونات حيّة في ذاكرة الإيمان، تلك الرواية القبطية لم تكن مجرد وثائق دينية فحسب، بل شكّلت نبعاً فياضاً ألهَمَ خيال رسامين، وجدوا في تفاصيلها مادة بصرية وروحية غنية تجسّد لحظات الألم، والحماية الإلهية. وعلى الرغم من أن حياة يسوع المسيح بكل أحداثها ومشاهدها تناولها الفنانون في لوحاتهم محاولين الوصول بخيالهم الفني إلى تجسيد مناظر من العهدين القديم والجديد (الكتاب المقدس)، تجلّى أثر رحلة العائلة المقدسة إلى مصر في لوحات كبار رسامي العصور الوسطى وعصر النهضة تحديداً، لا بوصفها مجرد مشهد بيبليوغرافي، بل كحدث لاهوتي وإنساني في آن واحد، استُخدم فيه الرسم والنقش على جدران الكنائس والبرديات وعمل الأيقونات لتوثيقها، حتى ذاع صيت فنانين من خلال لوحات رسموها عن الرحلة، أمثال الفنان الإيطالي غيوتو في أوائل عصر النهضة، والبلجيكي روبنزو والإيطالي أنييل كاراتشي. لعبت المصادر القبطية، بما فيها من سردية وروحانية محلية متجذّرة، دوراً جوهرياً في تشكيل خيال هؤلاء الفنانين، الذين انفتح أمامهم عالم مفعم بالرموز والتجليات، إذ ظهرت العذراء في ثياب بسيطة تحمل طفلها، وسط نخيل مصر ونيلها، بما يكشف عن قداسة الأرض التي احتضنت ابنها الصغير يسوع المسيح. وتحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية سنوياً بتذكار رحلة العائلة المقدسة إلى أرض وادي النيل، التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من تاريخ مصر وتراثها، في 24 بشنس (وفقا للتقويم القبطي) أول يونيو/حزيران، كما يذكر السنكسار القبطي، وهو كتاب يضم سير القديسين وتواريخ الأعياد والأصوام، مرتبة بحسب التقويم القبطي. وعندما يُذكر موضوع رحلة العائلة المقدسة في مصر، سرعان ما يتبادر للذهن على الفور ذلك المشهد المألوف للرحلة في الأعمال الفنية الغربية، المكوّن في أغلب الأحيان من شيخ يسير على قدميه، القديس يوسف النجار، عليه ملامح الحزن والحيرة من مصير مجهول، ترافقه بتواضع وهدوء فتاة جميلة، القديسة العذراء مريم، تمتطي حماراً وتحتضن بين ذراعيها وهي متعبة رضيعها، يسوع المسيح، في صحراء قاحلة هرباً من بطش الملك هيرودس الكبير، الذي كان يريد قتل المسيح في مدينة بيت لحم ضمن مذبحة الأطفال الذكور دون سن عامين، والتي عُرفت باسم "مذبحة الأبرياء". تحدث الكتاب المقدس عن القصة باقتضاب شديد من خلال أمر سماوي تلقاه القديس يوسف النجار في حلم تحقيقاً لنبوءات في العهد القديم، كما يشير السنكسار القبطي، في سفر أشعياء (19 :1) "وحي من جهة مصر: هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر، فترتجف أوثان مصر من وجهه، ويذوب قلب مصر داخلها"، وفي سفر هوشع (1:11) "من مصر دعوت ابني". بذل كثيرون ممن كتبوا وأرخوا للرحلة جهوداً دؤوبةً استعانوا فيها بمصادر تاريخية أو مخطوطات محفوظة في الأديرة المصرية أو المكتبات في شتى أرجاء العالم، في مسعى لرسم صورة تفصيلية أقرب إلى ما حدث بالفعل، كان القاسم المشترك بينها تحديد أماكن حلت بها العائلة المقدسة في مصر، بُنيت فيها كنائس وأديرة تاريخية تذكاراً لمحطات الزيارة، وفقا لما ذكرته الميامر، (جمع ميمر، كلمة سريانية بمعنى سيرة قديس)، التي تحدثت تفصيلا عن الرحلة. شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

Time Icon

منذ 3 ايام

Comma Icon
أخبار متعلقة
Facebook فيس بوك