Desktop
Poster Image

"مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (مت 4:4)، كلمات قالها يسوع المسيح بعد أن "صام أربعين نهاراً وأربعين ليلة" في البريةّ (الصحراء)، أثناء التجربة على الجبل، بحسب إنجيل القديس متى، تسلط الضوء على ضرورة ارتقاء النفس البشرية من "الماديات" إلى "الروحيات"، وتبرز الجوهر الذي تتأسس عليه الحياة والطقوس الدينية في الإيمان المسيحي، والتي من أبرزها الصوم الكبير. والصوم الكبير أو "المقدّس" واحد من أهم وأطول الأصوام وأقدسها في حياة المؤمنين في مختلف الطوائف المسيحية التقليدية، الشرقية والغربية، إذ يمثل رحلة روحية خاصة تبدأ بما يعرف بـ "الصوم الأربعيني"، نسبة إلى 40 يوماً صامها المسيح نفسه في البريّة، يعقبه "أسبوع الآلام"، وصولاً إلى عيد "القيامة المجيد"، الذي يمثّل تذكار قيامة يسوع المسيح من بين الأموات، بحسب الإيمان المسيحي. وتزداد خلال فترة الصوم الكبير الصلوات وحضور القداسات، فضلاً عن ألحان ذات طابع حزين (في الطقس القبطي)، كما يحرص فيه المؤمنون على قراءات يومية للكتاب المقدس لكل ما يبرز مفاهيم روحية عن التوبة والرجوع إلى الله. وتنبع أهمية الصوم الكبير من كونه "وسيلة تغيير وتجديد داخلي للنفس البشرية"، لا تركز على الامتناع عن تناول أطعمة لفترة زمنية فحسب، بل تشمل صوماً للحواس والفكر والقلب، والسعي وراء أعمال الرحمة والمحبة تجاه الآخرين، فيها يتهيأ المؤمن لعبور "أسبوع الآلام" بقلب متواضع، وصولاً إلى اختباره ما يعرف بـ "فرح القيامة". ويصف القمص بيشوي وديع في دراسته "الصوم الكبير كنيسة ملتهبة" أهمية هذه الفترة الخاصة بأنها: "حياة روحية بالدرجة الأولى، يتجمّل فيها الصائم بفضائل وجهادات روحية عميقة، وقد اعتبر الآباء هذه الفترة بمثابة موسم الخزين الروحي للعابدين". ويضيف: "المؤمن يتجرد بالصوم من الحياة حسب الجسد ليحيا حسب الروح" عملاً بما قاله القديس بولس في رسالته لأهل رومية "إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون" (رو 13:8)، ومن ثم تصبح "الحياة مع الله هي الغذاء والشبع الحقيقيين". ونستعرض هنا أهم السمات المشتركة والمميزة للصوم الكبير في الكنائس التقليدية، الشرقية والغربية، مع إبراز أهم الفروق بين الطوائف المسيحية المختلفة، ثم تسليط الضوء على الهدف من الصوم عموماً في الكنيسة الجامعة، وطقوس وروحانية طقس الصوم الكبير في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، على نحو خاص. يختلف الصوم الكبير بين الكنائس التقليدية، الشرقية والغربية، من حيث بداية الصوم ومدته، رغم اشتراك هذه الطوائف في الهدف الأساسي منه واتفاقها على ممارسة روحانية خاصة والتوبة إلى الله والاستعداد لاستقبال عيد القيامة. تبدأ الكنائس الغربية الكاثوليكية، بحسب الطقس اللاتيني، صومها دائماً يوم الأربعاء المعروف باسم "أربعاء الرماد"، حيث تُرسم على جباه المؤمنين علامة الصليب برماد أغصان النخيل والزيتون، المحفوظة من أحد الشعانين العام السابق، كعلامة للتوبة، بينما تبدأ الكنائس الشرقية الأرثوذكسية صومها يوم الإثنين، ويرجع هذا الاختلاف بين الكنائس إلى الطريقة التي تعتمدها كل كنيسة في حساب مدة الصوم. تركّز الكنيسة الغربية على صوم لـ40 يوماً فعلياً قبل "أسبوع الآلام"، في حين تركز الكنيسة الشرقية في صومها على تقسيم الفترة إلى أسابيع متكاملة، يحمل كل أسبوع اسماً وموضوعاً روحياً محدداً، وتضيف الكنيسة القبطية على فترة الصوم الكبير ما يعرف بـ"أسبوع الاستعداد"، لتصل المدة إلى 55 يوماً وهي (أسبوع الاستعداد، والصوم الأربعيني، وأسبوع الآلام). ولا تحتسب الكنيسة الكاثوليكية أيام الآحاد ضمن فترة الصوم، ومن حيث الصوم عن الطعام، يُلزم القانون الكنسي المؤمنين بعدم تناول اللحوم في يومين أساسيين هما الأربعاء والجمعة، ويكون الطعام بكميات معتدلة دون إسراف، لذا يركز الصوم الكاثوليكي بدرجة أكبر على البعد الداخلي والروحي للمؤمن، وعلى أعمال الرحمة والتقشف الشخصي، وهكذا لا تمثل فترة الصوم قانوناً غذائياً صارماً فحسب، بل كزمن لتغيير قلب وسلوك الفرد. بينما يُعد الصوم الكبير في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أطول وأشد أصوام السنة صرامةً، فهو صوم من الدرجة الأولى "سيدي"، لأن المسيح صامه شخصياً، وتنظر إليه الكنيسة باعتباره مسيرة روحية متكاملة تُعاش أسبوعياً، لكل منها قراءاته الخاصة في الكتاب المقدس وموضوعه الروحي الخاص به. ويلتزم الأقباط بالانقطاع اليومي عن الطعام والشراب طوال فترة الصوم حتى الظهر أو بعده بحسب القدرة والتدبير الروحي، بإرشاد أب الاعتراف، ومن حيث النظام الغذائي، يكون الطعام نباتياً بالكامل، إذ يُمتنع تماماً تناول اللحوم والدواجن والأسماك ومنتجات الألبان والبيض طوال فترة الصوم الكبير دون أي استثناءات. كما يتميّز الصوم في الطقس القبطي بروح نسكية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتكثيف الصلوات والقداسات والتسابيح، لا سيما في "أسبوع الآلام"، والهدف أيضاً ليس مجرد الامتناع عن الطعام، بقدر ما هو لتدريب النفس على التحكم في إرادتها وشهوتها وضبط الحواس والدخول في عمق معنى التوبة. تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

Time Icon

منذ 3 شهور

Comma Icon
أخبار متعلقة
Facebook فيس بوك