المحتوى الرئيسى
تريندات

«طباخ الورق» يحارب البلاستيك: بدأت بـ5 جنيهات - المصري لايت

09/11 20:01

فى ساعات الانشغال والعمل قد لا يدرك المرء متى انتهى النهار ومتى بدأ الليل، هكذا يقضى عاطف عبدالعزيز أوقاته داخل إحدى الورش الموجودة بحارة قصر الشوق بمنطقة الحسين، وأمام منضدة خشبية طويلة عليها عدد من أفرخ الورق المقصوص بنفس الحجم تقريبًا، حيث يلطخ طرف أصابعه بالنشاء المطبوخة، بينما تلتقط يداه ورقة تلو الأخرى فى حركة منتظمة تشبه الماكينات، ليحكم غلق أطرافها كمرحلة أولى لتصنيع الأكياس الورقية، ذلك البديل الصحى والطبيعى لنظيرتها من البلاستيك، خاصة بعد انتشار دعوات تطالب بضرورة الاستغناء عن الأخيرة لما تسببه من ضرر على صحة مستخدميها.

توقف «عاطف» لثوانٍ لكى يعتدل فى جلسته قبل أن يبدأ حديثه مع «المصرى لايت»، لينطق لسانه بما حُفر فى ذاكرته البعيدة حول بداياته الأولى فى حرفة تصنيع الأكياس الورقية: «من حوالى 40 سنة ورثت المهنة عن جدى والد أمى- رحمهما الله.. لولاه مكنتش اتعلمت حاجة.. ولولا دعوة أمى مكنتش رُزقت بأى حاجة».

يستكمل «عاطف» الذى قضى معظم سنوات عمره فى صناعة الأكياس الورقية: «والدى توفى فى مرحلة مبكرة من حياتى وده أجبرنى على الشغل عشان أشارك فى مصاريف البيت»، ليلتحق بورشة شقيقة الذى يكبره بحوالى 15 عامًا والذى تعلم الحرفة أيضا عن جده: «مرتبى كان 5 جنيه بس عشان الباقى بيتصرف على البيت.. كنت بقبض نص جنيه فى اليوم واتنين جنيه يوم السبت».

بعد قضاء «عاطف» أيام طفولته بين مشقة وعناء العمل، ومسؤوليات وواجبات المنزل، بدأت مرحلة جديدة من الأمانى فى حياته ببلوغه سن 16 عامًا، فلم يكن بمعزل عن رغبات المراهقين، من ارتداء كسوة جديدة، الذهاب للكورنيش، السينما، أو الحدائق العامة، إلا أن قلة النقود كانت تقف عائقًا أمام تحقيق أمانيه البسيطة: «صحابى كانوا بيشتغلوا فى الصاغة ومهيتهم كانت عالية بيقدروا يلبسوا ويتفسحوا، لكن أنا الحال كان صعب وده خلانى أبدأ أدور على شغلانة تانية».

«بدلة جينز أمريكانى» كانت سببا فى مراجعة عاطف لطموحاته والتفكير فى تغيير حرفته، عندما افتتحت المنطقة الحرة ببورسعيد مطلع الثمانينيات، حيث عرف المصريون من خلالها المنتجات المستوردة التى لم تكن منتشرة من قبل، ليتلهف المراهق الصغير كأقرانه على شراء الملابس التى انتشرت فى تلك الفترة: «صحابى كلهم كانوا اشتروها.. تمنها 25 جنيه بس.. طلبتهم من أخويا رفض»، ليقرر من هنا دق أبواب حرف أخرى بحثا عن النقود لا عن الشغف والحب الذى عرفه فى حرفة الجدود.

يلتقط لى الشيشة، ويستكمل حكايته: «اشتغلت فى الصاغة فترة لكن ملقتش نفسى فيها، بعدها وقفت فى محلات مختلفة لكن محبتش البيع والشرا»، ليقرر العودة مجددًا إلى حرفته الأصلية بعدما أيقن أنه ليس له سواها، قائلا: «اتبهدلت بعيد عن الورق لكن أنا اللى أستاهل لأنى مقدرتش صنعتى وإديتها حقها»، مشيرا إلى أنه اختار إحدى الورش المنافسة لشقيقه لتكون بوابته الجديدة فى مشوار حرفته.

ببلوغ «عاطف» سن 25 عامًا، وبعد كفاح فردى، استطاع تأسيس ورشته الخاصة، بعدما ادخر قرابة 5 آلاف جنيه، قائلا: «كنت قصاد خيارين.. أكمل طول حياتى بشتغل عند الناس وأتجوز أو أفتح ورشة والجواز يتأجل»، ليقرر الثانى.

عن حرفته، يشرح «عاطف» عملية تصنيع الأكياس الورقية التى تمر بالعديد من المراحل، تبدأ بلصق الأطراف فوق بعضها، ثم مرحلة تشكيل الكعب من خلال طيه أولًا ثم لصقه فى المرحلة الأخيرة، ويستغرق تصنيع الكيس الواحد نحو دقيقة تقريبًا، لتكون الأكياس بعد ذلك جاهزة للبيع بالكيلو الذى يبلغ سعره 30 جنيهًا.

ظل «عاطف» على هذا الحال سنوات وسنوات، إلا أنه فى منتصف الطريق ظهرت «تقليعة» جديدة، على حد تعبيره، متمثلة فى انتشار الأكياس البلاستيكية، وهو الأمر الذى أضر بمهنة صناعة الأكياس الورقية بشكل كبير، وترتب على ذلك تهرب معظم الحرفيين منها بحثا عن لقمة عيش جديدة.

أهم أخبار منوعات

Comments

عاجل