المحتوى الرئيسى
رياضة

الدولة العباسية الثانية: الفوضى الكبرى!

05/18 22:26

مع تولى الخليفة المتوكل (٨٤٧ــ٨٦٢)، فإن تاريخا جديدا قد بدأ فى حياة المسلمين، تاريخا مليئا بالتدهور على كل المستويات، تدهور العلم، وتدهورت الفلسفة وتدهور التعليم وتراجعت الصحة وتشرذمت الدولة الإسلامية إلى دويلات، بل إن مركز الخلافة نفسه قد شهد انقسامات ودسائس ومؤامرات.

لم تكن مشكلة المتوكل فقط أنه أضاع قيمة بيت الحكمة، أو أنه اضطهد المعتزلة، ولكن كانت مشكلته الكبرى أنه قضى على التفكير النقدى والفلسفة الإسلامية! دخل المسلمون عصرا جديدا حيث سادت خطب المنابر وتراجعت خطب العلم والعلماء! بدءا من هذا العصر فإن الخطاب الإسلامى كان نتاجًا لخطب الجمعة والتى كانت تعبيرًا عن التوازنات والحسابات السياسية القائمة فى السلطة المسيطرة على الدولة أو المدينة التى تنطلق منها الخطبة! وذلك بعد أن كانت المعرفة الإسلامية نتاج البحث والعقل والنقد! ساد التشدد وانتشرت الخرافات، ودخلنا فى عصر الأحاديث الموضوعة ولم يجرؤ خليفة ولا أمير ولا وزير أن يراجعها فى وقتها رغم أن بعضها يتناقض مع القرآن ومع العدالة ومع سماحة الإسلام، لكن طالما اختفى التفكير سادت الخرافة وساد النصابين باسم الدين والغريبة أنه وحتى وقتنا هذا لا يوجد من يجرؤ على مواجهة هذه الفوضى فى الأحاديث وإن وجد فإنه يتعرض للتشكيك والذم!

لم يحارب المتوكل المعتزلة فقط، ولكنه عادى الشيعة حتى بمن فيهم هؤلاء الذين سالموه! ثم بدأ المتوكل فى معاداة اليهود والمسيحيين بإيعاز من المتشددين الذين بحث عن خطب ودهم، تخلص من معظم اليهود والمسيحيين من كل المناصب الإدارية العليا بل ومن المناصب الاقتصادية الذين سيطروا عليها وأبدعوا فيها منذ العهد الأموى! كان عصر المتوكل هو نموذج للعصور التى جاءت بعده، حكم سلطوى بحت مؤيد دينيا، لا مجال للعلم أو البحث، التفرغ لمظاهر الأبهة والإسراف فى تشييد القصور والمدن الخاصة بالخلفاء وحاشيتهم، وهو ما أدى إلى المزيد من التباعد عن الناس، ومن ثم إلى تزايد القلاقل والتمرد ضد الخلافة.

تلا المتوكل عدة خلفاء لم يكونوا أفضل منه حالا، جاء المنتصر بالله (٨٦٢)، المستعين بالله (٨٦٢ــ٨٦٦)، المعتز بالله (٨٦٦ــ٨٦٩)، أبوإسحاق (٨٦٩ــ٨٧٠)، المعتمد على الله (٨٧٠ــ٨٩٢)، والمعتضد بالله (٨٩٢ــ٩٠٢)، ولم يتغير الكثير! المزيد من التشدد الدينى الرسمى لإضفاء صبغة شرعية على الحكم، المزيد من البعد عن العلم، الغرق فى الملذات والمتع والإسراف فى غير موضع، ثم التشرذم والمكائد والدسائس! كانت نتيجة طبيعية لذلك أن الحكم قد أصبح فعليًا فى يد الأتراك الذين لم تقتصر سطوتهم على الإدارة والجيش، ولكن أصبح لهم الكلمة العليا فى اختيار الوزراء ومساعديهم، بل ولاحقا فى اختيار الأمراء حتى أن الخليفة المهتدى بالله حينما اختلف معهم وحاول تحدى نفوذهم قتلوه وواصلوا سطوتهم على أمور السياسة والاقتصاد والدفاع!

وصل الأمر أن الخليفة المعتمد والذى حكم لأكثر من عقدين من الزمان وتمتع بسلطة كبيرة، حاول الهروب إلى مصر سرًا خوفا من دسائس أخيه وولى عهده الموفق بالله (المؤيد بواسطة الأتراك)، فأورد له أحمد بن طولون دعوة من مصر لنقل الخلافة العباسية إليها، ولكن وصل الأمر إلى الموفق وقام بمنع أخيه عنوة من السفر ووضعه تحت الإقامة شبه الجبرية!

يمكن تخيل شكل الخلافة العباسية على النحو التالى، من الجنوب كان الزيديين يحكمون دولتهم المستقلة ومن الغرب كانت الدولة الطولونية تحكم مصر والشام والأراضى الليبية، بينما كان الشيعة يحاولون تأسيس دولهم المستقلة فى الشرق، هذا بالإضافة إلى انتفاضات القرامطة فى جنوب الشام والفاطميين فى المغرب، ولا ننسى أن دولة أموية كانت قائمة بذاتها فى الأندلس، بل وفى العراق نفسها حيث مقر الخلافة كانت ثورات الجنوب تتزايد فتدهورت الخلافة العباسية بشكل لا مثيل له!

كانت السلطة العباسية منقسمة سياسيًا إلى منصب الخليفة والذى بقى معظم الوقت محاصرًا فى قصره وبعيدًا عن شعبه وعن السيطرة الفعلية على الإمبراطورية! منصب الأمراء والولاة والوزراء وقد كان مسيطر عليه وبقوة من قبل الأتراك ويخضع تماما لأهوائهم، ثم قادة الجيوش (ومعظمهم من الأتراك أيضًا) وقد كانت لهم كلمتهم المسموعة بل وسلطتهم السياسية على المناطق التى كانوا يرسلون إليها من قبل الخليفة ويحققون الانتصارات فيها!

كانت الدولة الطولونية فى مصر ورغم تبعيتها الاسمية للخلافة العباسية تنمو بشدة، ففى الوقت الذى انشغل فيه العباسيون بالحروب، كان أحمد بن طولون يؤسس دولة قوية ومستقرة سياسيًا وصناعيًا وحربيًا (٨٦٨ــ٨٨٤) حتى أن اسمه كان يطبع على العملة، وكان يتحكم فى دخل الدولة ولا يرسل إلا أقل القليل إلى الخليفة فى سمراء بينما كانت معظم الموارد يتم صرفها على تطوير مصر معماريًا وصناعيًا وحربيًا. أسس جيشا قويا وبنى جامعًا شامخًا، ومدينة حربية متميزة، كما زاد من عدد المستشفيات (والتى عرفت بالمارستان) وبنى أسطولا قويًا سيطر على الشام وليبيا وكما ذكرت أعلاه فقد وصل من القوة أن دعا الخليفة لنقل مقر الخلافة إلى مصر قبل أن يتم كشف الأمر!

تمتع ابن طولون بعلاقة قوية مع الدولة الأموية فى الأندلس، كما عرف بسياسته الاجتماعية الداعمة للفقراء حتى أن دولته كانت فعليا أقوى من الخلافة العباسية قبل أن يموت ويدفن بالمقطم!

أهم أخبار مقالات

Comments

عاجل