المحتوى الرئيسى
رياضة

عربة هوجاء على المنحدر.. طموح أردوغان في استنساخ الإمبراطورية يقود تركيا للهاوية - صوت الأمة

07/13 06:23

مستقبل تركيا لن يكون كماضيها، أو حتى حاضرها المثير للقلق، المؤشرات كلها تتجه إلى أن البلد الإسلامي الذي كان إمبراطورية شاسعة الأرجاء طوال قرون، ربما يكون قطع تذكرة سريعة باتجاه الانحسار والتراجع.

على مدى أكثر من 10 سنوات قضاها رجب طيب أردوغان رئيسا للحكومة، حققت تركيا أداء اقتصاديا يبدو متماسكا، في ضوء التخلص من ثغرات سابقة تسببت فيها صراعات الأحزاب الدينية - التي كان أردوغان أحد كوادرها - مع مؤسسات الدولة التركية والقوى الحامية للقيم العلمانية، لكن أردوغان وظّف هذه المؤشرات لتدعيم سلطاته، والتغلغل بشكل ناعم في مفاصل الدولة التركية.

مع الاقتراب من نهاية ولايته الثانية، استحضر صديقه القديم عبد الله جول ليلعب دور رئيس الحكومة الأمين على الصلاحيات الدستورية، حتى يتسنّى له الترشح لمنصب رئيس الجمهورية وممارسة صلاحيات الإدارة التنفيذية كاملة، إلى أن يتمكن من تعديل الدستور، وهو ما أنجزه قبل شهور.

بدأ الأمر منذ اللحظة الأولى لترشح أردوغان للرئاسة، لكن خطط التدخل العاصف في بنية الدولة التركية، وإعادة صياغة هياكلها، كان يحتاج تبريرا مقنعا للداعمين قبل المعارضين، ولم يكن ممكنا التحرك باتجاه هذه الغاية إلا بإثارة الغبار، وتغذية إحساس المؤامرة والترصد في الصدور.

بدا الحل العملي أن يتكئ النظام على فكرة الصراع بين مؤسسات الدولة، واستهداف المؤسسة العسكرية التي طالما قدّمت نفسها، وقدمها الدستور، باعتبارها الضامن الثابت والحارس الأمين لقيم العلمانية، وفي ضوء تقديم أردوغان نفسه باعتباره زعيما مسلما يقود تركيا لموقعها الإمبراطوري بين الدول المسلمة، كان من السهل إقناع القواعد أن هذه الخطط مستهدفة من الجيش.

هكذا فوجئ الجميع بالإعلان عن محاولة انقلاب عسكري منتصف العام 2017، ورغم ما تضمنته الأخبار الأولى من نجاح المجموعة التي حاولت الانقلاب في السيطرة على مؤسسات سياسية وتنفيذية مهمة، في مقدمتها البرلمان والتليفزيون ورئاسة الأركان، انحسر المدّ سريعا وبشكل غير مفهوم، وعاد أردوغان إلى المشهد ظافرا، في معركة لم تتوفر لها أسس الإقناع منذ اللحظة الأولى.

استنادا إلى هذه اللافتة تحرك الديكتاتور التركي باتجاه إنجاز تطلعاته الإمبراطورية، مقررا تعديل الدستور والاحتفاظ بصلاحيات واسعة في العلاقة مع البرلمان، وفي إدارة المؤسسات التنفيذية والجيش وتعيين نسبة كبيرة من قضاة المحكمة العليا، وصلاحيات أوسع في الترقية والعزل، وقبل أن تنتهي ولايته الدستورية بما يقارب 18 شهرا دعا لانتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة، حتى يمارس هذه الصلاحيات قبل الموعد المقرر سلفا.

في الفترات السابقة شهد الاقتصاد التركي انعطافات حادة، تجلت في مؤشرات الأداء والأرقام الرسمية فيما يخص الميزان التجاري وميزان المدفوعات، فتراجعت صادرات السيارات والصناعات التكميلية، بجانب تراجع السياحة، مع قفزات صاعدة للواردات، وخسارة فادحة للعملة التركية / الليرة.

لم تكن الآثار العنيفة مفاجئة للمتابعين، وإنما جاءت انعكاسا للممارسات والقرارات التي اتخذها أردوغان منذ محاولة الانقلاب المزعومة، عاصفا بأكثر من 160 ألف موظف بالجيش والشرطة والمدارس والجامعات والإدارة المحلية، بجانب إغلاق عشرات المؤسسات والمنشآت الخاصة، وإغلاق صحف ومواقع إلكترونية وقنوات تليفزيونية، وتتبع حركة الخدمة التي يتزعمها صديقه السابق فتح الله جولن، واتهامها بتدبير الانقلاب، وتصفية كثير من أنشطتها الخيرية والتجارية.

قبل أيام أدّى أردوغان اليمين الدستورية لولاية رئاسية ثانية، استبق الأمر بعزل 18 ألف موظف جديد، وبعد ساعات أجرى تغييرات هيكلية في بنية السلطة، مقررا تعيين باسم برات البيراق، زوج ابنته الكبرى، وزيرا للمالية والخزانة، وهو ما تبعه مزيد من الخسائر الاقتصادية والمالية، فيما يشبه انتفاضة ضد القرار.

بدأت مؤشرات التهاوي بتراجع السندات الدولية لمدة 20 سنة 3.9 سنتا، كما ارتفع متوسط فارق العائد المستحق على السندات الدولارية فوق سندات الخزانة الأمريكية 26 نقطة أساس وفق مؤشر "جيه. بي مورجان"، كما ارتفعت تكاليف تأمين الانكشاف على الدين السيادي، وقفزت تعاقدات مبادلة مخاطر الائتمان لمدة 5 سنوات 22 نقطة أساس.

في الفترات الماضية تكبّدت الليرة التركية خسائر كبيرة، مع اختلال الميزان التجاري وتصاعد فاتورة الواردات، وفي آخر تعاملات الأربعاء سجلت مزيدا من الخسائر بتراجعها 5% مقابل الدولار، ليسجل الدولار 4.94 ليرة، مع توقعات باستمرار التراجع ليسجل الدولار 5 ليرات، على خلفية تصريحات أردوغان الأخيرة حول معدلات الفائدة، خاصة أنه يتخذ مواقف متشددة ومزعجة للمستثمرين في هذا الملف.

التراجع الأخير يفوق تدهور الليرة القياسي الذي سجلته في مايو الماضي، قبل أن يضطر البنك المركزي التركي وقتها لرفع أسعار الفائدة هروبا من النزيف المتواصل الذي هدد بالعصف بالليرة تماما، ولكن الآن لا يبدو أن أردوغان قد يدفع في اتجاه رفع أسعار الفائدة، خاصة مع اختيار صهره لوزارة المالية والخزانة، واستعداده لتعيين محافظ البنك المركزي وأعضاء لجنة السياسة النقدية، ما يُعني مزيدا من السيطرة وفرض وجهة نظر أردوغان على السياسة النقدية.

تولي باسم البيراق حقيبة المالية، والانتفاضة التالية للقرار وما فيها من نزيف اقتصادي وخسائر فادحة لليرة، عززت المخاوف لدى المستثمرين تجاه مستقبل العمل في السوق التركية، وهو ما رصدته صحيفة "فايننشيال تايمز" البريطانية في تقرير نشرته أمس، مشيرة إلى أن الوزير الجديد القادم من خلفية تجارية واستثمارية ليس معروفا في القطاع المالي، كما أن وضعيته كفرد من عائلة أردوغان تثير القلق، والمشهد يشي بأنه لا يمكن التنبؤ بما سيكون عليه المستقبل.

بجانب المؤشرات الاقتصادية والمالية السلبية، يواصل أردوغان تصفية معارضيه ومناوئي سياساته، ويتتبع كل من يشكلون تهديدا لاستقرار نظامه رافعا راية "الانقلاب المزعوم" حتى الآن.

آخر الحلقات في هذا الإطار إصدار إحدى المحاكم التركية صباح اليوم الخميس حكما على 72 شخصا بالسجن مدى الحياة، على خلفية ما قيل إنه "تورط في اشتباكات على جسر معلق في اسطنبول تسببت في مقتل 34 شخصا خلال تحركات الجيش في يوليو 2017" كما زعمت وكالة الأناضول الرسمية في نبأ بثته اليوم.

إضافة للقائمة السابقة يمثل 71 آخرون للمحاكمة في القضية نفسها، باتهامات القتل العمد، وذلك بعد أيام من إقالة 18 ألف موظف رسمي، والحديث عن خطط محتملة لتصفية آلاف الوظائف الأخرى بالدعاوى نفسها، إضافة إلى التخلص من حلفاء سابقين، لعل أبرزهم الداعية المثير للجدل عدنان أوكتار، أو هارون يحيى.

"أوكتار" واحد من أبرز الوجوه التركية المثيرة للجدل، بجانب ممارسات شخصية وإعلامية متطرفة، عُرف عنه التجارة في المخدرات وتسهيل عمليات غسل الأموال، مستغلا قربه من أردوغان وقيادات حزب العدالة والتنمية، بشكل سهّل له تأسيس شركات ومؤسسات مالية وقناة فضائية خاصة مليئة بالحسناوات، لهذا كان مفاجئا أن تُلقي الشركة القبض عليه أمس بجانب 234 من أتباعه، باتهامات تتراوح بين التجسس واستغلال المعتقدات والاستغلال الجنسي، ما رآه متابعون استمرارا لمسيرة أردوغان في التخلص من حلفائه القدامى الذين صعد على أكتافهم، ولا يحتاجهم الآن بعدما استتب له الأمر.

التدرج الذي اتبعه الرئيس التركي في تصفية معاديه، اعتمده بالآلية نفسها في التسلل لنسف الصيغة العلمية للدولة، بدءا من السماح بالحجاب في الجامعات والمؤسسات الحكومية، وصولا إلى اتخاذ إجراءات واضحة باتجاه تديين المجال العام وتوظيف الشعارات الدينية في الخطاب السياسي، ووسط هذا السعي الناعم لا يرى الرجل غضاضة في أن يُقسم على حماية القيم العلمانية، ثم يعصف بصديقه السابق "أوكتار" بتهمة استغلال المعتقدات، بينما لا تخلو خطاباته هو نفسه من توظيف مباشر للشعارات الدينية.

يستند أردوغان في ممارساته المصطدمة بهيكل الدولة التركية وقيمها العلمانية، إلى قاعدة شعبية عريضة من أنصار حزب العدالة والتنمية، وآلاف المقيمين والمجنسين من اللاجئين السوريين والعراقيين وأعضاء جماعة الإخوان الإرهابية وفروعها في عدة دول، لكن هذه القاعدة لا تتحرك وفق قراءة موضوعية رصينة للسياقات السياسية والعملية، ولا يتأسس دعمها على محددات وأسباب، وإنما هي موجة هادرة من التشيّع المحمول على الشعارات الدينية واسم أردوغان ووعود الإمبراطورية الإسلامية، والمكاسب والمزايا التي يوفرها الديكاتور التركي للجماعات الدينية وأعضائها.

على الجانب المقابل تبدو المعارضة التركية أكثر تماسكا، تتبنى مواقف جادة تشتبك مع سياسات أردوغان وحزبه، والآثار التي تخلفها هذه السياسات، وهو ما تجلّى بقوة في خطاب محرم إنجه، أبرز منافسي أردوغان في الانتخابات الرئاسية التي جرت الشهر الماضي، ويتجلى أيضا في الأداء الإعلامي المواجه لغطرسة أردوغان، رغم التضييق الواسع الذي يفرضه على الصحافة والمؤسسات الإعلامية.

أهم أخبار متابعات

Comments

عاجل