المحتوى الرئيسى

إيران والقاعدة: صدام أم توافق؟

03/11 11:19

إيران والقاعدة... الأولى دولة تتبع المذهب الشيعي الإمامي وتدعو لتصدير مبادئ الثورة الإسلامية في شتى جنبات العالم العربي، أما الثاني فتنظيم سنّي جهادي اعتادت عناصره حمل السلاح واستهداف الأنظمة السياسية الخاضعة للغرب والتي لا تطبق الشريعة.

ورغم المسافة الشاسعة التي تفصل ما بين الإثنين في ما يخص التوجه والإيديولوجية والأساليب، فإن الكثير من الآراء المعاصرة قد حاولت أن تربط بينهما وأن تؤكد على أنهما وجهان لعملة واحدة.

في هذا المقال، نستعرض أهم محطات العلاقة ما بين إيران وتنظيم القاعدة، في محاولة لفهم طبيعتها وأسرارها، وهل هي علاقة تصادمية أم علاقة قائمة على التوافق والتنسيق المتبادل.

إحدى أهم النقاط التي تجمع إيران والقاعدة على صعيد واحد، هي أن الولايات المتحدة الأمريكية ترى في كلتيهما عدوة مارقة، يجب الإطاحة بها واستئصالها والتخلص من التهديدات التي قد تصدر عنها.

فقائمة الولايات المتحدة للمنظمات والجماعات الإرهابية تضم التنظيمات السنية الجهادية مثل القاعدة وداعش، كما تضم بعض الجهات الإيرانية أو التابعة والمدعومة من إيران، كما هو الحال مع الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني.

وجهة النظر الإيرانية تتفق أيضاً مع وجهة نظر زعماء القاعدة، في كون أمريكا العدو الأكبر للإسلام في العصر الحاضر، ففي الوقت الذي ينظر فيه الولي الفقيه في طهران لأمريكا على كونها "الشيطان الأكبر"، فإن منظري الجماعات السلفية يعتقدون أن الولايات المتحدة هي الطاغوت الأعظم والموجة المعاصرة من موجات الحروب الصليبية التي تهدف للقضاء على الإسلام.

يستند الكثير ممن يؤكدون على وجود علاقة وتنسيق ما بين إيران والقاعدة، على إنه عقب أحداث سبتمبر 2001، وأثناء الحرب الأمريكية ضد طالبان والقاعدة في أفغانستان، أدرك معظم زعماء تنظيم القاعدة أنهم يحاربون في معركة خاسرة وأنهم لن يستطيعوا صد جحافل الأمريكان المسلحة بالأسلحة التكنولوجية الحديثة، فعزموا على الخروج من أفغانستان.

لم يكن متاحاً أمامهم في تلك الفترة سوى خيارين فقط، وهما الهروب إلى باكستان أو إيران. ولما كان برويز مشرف رئيس باكستان في ذلك الوقت، عدواً صريحاً للقاعدة وأمريكياً أكثر من الأمريكيين بحسب وصف أحد قيادات القاعدة الفارين، فإن إيران كانت هي الملاذ الوحيد أمام هؤلاء الزعماء.

شارك غردمن أفغانستان إلى سوريا والعراق واليمن... أهم المحطات في العلاقة بين إيران وتنظيم القاعدة

شارك غردإيران والقاعدة: علاقة تصادمية أم علاقة قائمة على التوافق والتنسيق المتبادل عند الضرورة؟

ويؤكد العديد من قيادات القاعدة القدامى، أن إيران قد فتحت أراضيها لهم، وإن السلطة الإيرانية قد تعاملت معهم بشكل أكثر من جيد، وإنها نظمت معيشتهم وإقامتهم في بعض المعسكرات البعيدة عن الأعين، ورفضت تسليمهم للولايات المتحدة كما أنكرت وجودهم داخل أراضيها.

ولكن تلك الروايات تنطوي على إغفال بعض الحقائق الثابتة، منها أن الكثير من قادة القاعدة الفارين إلى إيران كانوا قابعين في السجون الإيرانية، وأنه لم يتم الإفراج عنهم وإطلاق سراحهم إلا بعد قيام مجموعات من تنظيمهم بعدد من عمليات الاختطاف لبعض الدبلوماسيين الإيرانيين، ومن ذلك عملية اختطاف القنصل الإيراني في بيشاور الباكستانية عام 2008، واختطاف دبلوماسي إيراني آخر في اليمن في 2013 إذ تمت عملية مقايضة ما بين المخطوفين من جهة وزعماء القاعدة المسجونين من جهة أخرى.

إذآً يمكن القول إن إيران لم تفتح ذراعيها لزعماء القاعدة الفارين، باعتبارهم أصدقاء أو ضيوفاً مرحباً بهم، بل اعتبرتهم أعداء أقل خطراً من العدو الأمريكي، واستبقتهم بهدف تحقيق مصلحة مستقبلية منهم، كما يجب الالتفات إلى أن معظم الروايات التي تناولت المعاملة الإيرانية لزعماء القاعدة، قد صدرت عن أشخاص أعلنوا انفصالهم بشكل كامل وتام عن تنظيم القاعدة، بل تبنوا أيديولوجيات معادية لها بشكل واضح، ولهذا لا يمكن الركون إلى صحة شهادتهم بشكل مطلق.

من الممكن أن نُرجع بدايات نشاط القاعدة العسكري في بلاد الرافدين إلى توقيت بدايات الحرب الأمريكية ضد العراق في 2003، ففي تلك المرحلة حدث تعاون وتنسيق ما بين النظام السوري، حليف إيران، وتنظيم القاعدة، بعدما سمحت سوريا لعناصر التنظيم باختراق حدودها الشرقية للوصول إلى العراق.

كان هدف النظام السوري من ذلك إقلاق راحة الأمريكيين في العراق، بحيث ينشغلون بمشكلات العراق الداخلية، ولا يجدون فرصة للتفكير في ضرب سوريا.

وتحدث البعض عن توافق إيراني سوري حول هذه النقطة، فالطرفان كان من مصلحتهما إقلاق راحة الأمريكيين في العراق كي لا يصل التدخل الأمريكي إلى داخل حدودهما، لا بل أن هنالك شهادات تحدثت عن تنسيق عملياتي بين الجهاديين السنة والجهاديين الشيعة لضرب أمريكا في العراق.

هكذا، اخترق الجهاديون الحدود السورية-العراقية وتمركزوا في المحافظات العراقية الغربية ذات الأغلبية السنية والبعيدة عن قبضة السلطة الأمريكية.

نظرة واحدة إلى ماضي عناصر تنظيم جبهة فتح الشام حالياً، جبهة النصرة سابقاً، ستؤكد ذلك الرأي، فأمير الجبهة أبو محمد الجولاني على سبيل المثال، كان هو المسؤول الأول عن تنظيم دخول العناصر الجهادية إلى العراق لقتال الأمريكيين، ومن غير الوارد أن يكون ذلك قد تم بعيداً عن أعين النظام السوري.

تلك المرحلة الودية، ما بين القاعدة من جهة والنظامين السوري والإيراني من جهة أخرى، سرعان ما انتهت فور ميل كفة الحكم العراقي الجديد إلى إيران وفور تراجع ضغط التهديدات الأمريكية على دمشق.

في هذه المرحلة الجديدة، انتهى تقاطع المصالح، وهيمن صراع الإيديولوجيات والأفكار المذهبية المتعارضة ما بين القاعدة وإيران. ومن أهم الشواهد على ذلك، قيام تنظيم القاعدة في العراق بالعديد من العمليات الإرهابية ضد رموز الشيعة العراقيين الموالين لطهران، من ذلك عملية اغتيال محمد باقر الحكيم مؤسس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق عام 2003، والتي راح العشرات من الشيعة ضحية لها.

وكذلك تورط التنظيم في 2006 في عملية تفجير مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في مدينة سامراء، والتي أثارت العديد من ردود الأفعال المستنكرة والغاضبة من جانب الشيعة في العراق وإيران.

تلك العمليات ردت عليها طهران بقوة عن طريق دعمها المطلق للحكومات العراقية الشيعية التي توالت على بغداد، حيث قدم خامنئي الدعم والمساعدة للعراقيين في ما يخص المجالات العسكرية والأمنية واللوجستية، وتضافرت تلك الجهود مع الضربات الأمريكية القوية في تحقيق هزيمة نكراء لعناصر التنظيم بين عامي 2007 و2009، وتم تتويج تلك الجهود كلها بإعلان رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي مقتل زعيم تنظيم القاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي في صباح 7 يونيو 2006.

ويمكن القول إن مقتل الزرقاوي كان حدثاً مفصلياً في تاريخ تنظيم القاعدة في العراق، لأن التنظيم بعد مقتله أضحى كياناً باهتاً ضعيفاً لا يمتلك من التأثير ما يمكنه من المشاركة بقوة على الساحة السياسية العراقية.

أما في سوريا فقد تزامن اندلاع الثورة في 2011 مع تنامي دور كل من إيران والقاعدة، فإيران وجهت همها الأساسي للحفاظ على بقاء نظام حليفها بشار الأسد، فأرسلت المئات من عناصر حرسها الثوري، كما أوعزت إلى حليفها اللبناني حزب الله بالتدخل.

على الجانب الآخر، فإن القاعدة استغلت فرصة الأجواء الثورية في سوريا للمضي قدماً في تأكيد وجودها في بلاد الشام، وتم ذلك عن طريق مبايعة العديد من العناصر السلفية الجهادية السورية لزعيم القاعدة أيمن الظواهري، فكانت جبهة النصرة التي تكونت في أواخر 2011، من بين أهم الجماعات التي انضوت تحت لواء القاعدة واعترفت بقيادتها.

الصدام بين إيران ممثلة في عناصر حرسها الثوري وحزب الله، وجبهة النصرة كان معلماً مميزاً لأحداث الثورة، فالجانبان اقتتلا في الكثير من المواقع والأنحاء السورية، وهو ما يقطع بعدم وجود أي علاقة بين إيران والقاعدة، ويكفي للتدليل على ذلك، أن نذكر أن واحداً من أهم قادة الحرس الثوري الإيراني، وهو الجنرال حسين همداني، قُتل في ريف حلب على يد مسلحي جبهة النصرة.

العلاقات المتضاربة والعدائية بين إيران والقاعدة قد تكون أكثر وضوحاً في الحالة اليمنية من مثيلاتها في العراق وسوريا، ذلك أن إيران لها حليف رئيسي في تلك الدولة، وهو جماعة أنصار الله المعروفة باسم الحوثيين والذين يسيطرون على العاصمة صنعاء منذ أكثر من عامين. أما تنظيم القاعدة فهو موجود بقوة في اليمن، وذلك من خلال جماعة أنصار الشريعة التابعة للتنظيم، والتي تسيطر على بعض المدن والمحافظات المهمة في جنوب الأراضي اليمنية.

ومع وصول الحوثيين إلى صنعاء في سبتمبر 2014، اقتربوا بشكل كبير من نطاق سيطرة القاعدة ونفوذها في الجنوب، وهو الأمر الذي ردت عليه القاعدة بمنتهى العنف والشراسة، إذ أصدر التنظيم عدداً من البيانات المهددة التي توعد فيها المسلحين الحوثيين "بنثر أشلائهم وجعل رؤوسهم تتطاير"، مؤكداً أنه سيجعل "ليلهم نهاراً وصبحهم ناراً".

أهم أخبار العالم

Comments

عاجل