المحتوى الرئيسى

عن انتظار الحبيب في زمن الحرب: 3 قصص حب عايشت ظروف السجن والخطف

02/26 14:35

"كيف السبيل لأن أُفهِم كل من حولي بأني كائن جديد، نال منه التلف جراء الرحلة، ولا صلة له بمن ينتظرونه، بذاك الذي رأوه مغادراً ذات يوم"

في تلك العتمة التي اسمها حرب، تكثر قصص من عايشوا الحرب ودفعوا من علاقاتهم العاطفية ثمناً فيها. في تلك العتمة التي اسمها سجن، أو في ذاك المجهول الذي يقبع فيه المخطوفون، أُجهضت أحلام، قُطعت سبل عاشقين، توقفت حيوات بأكملها، نمت أنواع مختلفة من المشاعر وتكونت شخوص "فرنكشتانية" جديدة لم يتعرف عليها أصحابها لاحقاً.

في الأحوال العادية تُدرَج الخسائر العاطفية في خانة "الأضرار الجانبية" للحروب، التي لا تُؤخذ بالاعتبار عندما يطغى الكلام في السياسة والأمن. وبما أن الحرب تُحوّل الفضاء العام إلى شأن خاص، من يملك بعد ذلك ترف الاهتمام بشأن شديد الخصوصية كالحب وعذاباته؟

في التالي، بعض يسير من قصص العلاقات العاطفية كما يرويها أحد الطرفين لرصيف22، ويكشف كيف تضررت أو صمدت خلال الحروب والأزمات.

عن ضغوط الأهل وتغيّر الطباع، بعد سجن سياسي في ظروف أمنية مشددة وعذابات لا تحتمل

في فترة الجامعة، ارتبطنا "سناء" (اسم مستعار) وأنا بشكل رسمي، وبقينا معا لمدة عامين على أحسن ما يرام. بدأت مشاكلنا عندما أصبحت ملاحقاً نتيجة نشاطي السياسي، ففي فترة هروبي المتكرر فرضت الظروف الأمنية ما يشبه الانقطاع بيني وبين خطيبتي لحوالي السنة.

لكن حياة الهارب، المعرض للموت أو السجن في أية لحظة، يرافقها تفلت ضمني (لا واعي) من أي قيود نمارسها في الحياة اليومية على أنفسنا. في فترة التخفي، استعدت صداقات قديمة ومن بينها علاقة سابقة، ويمكن القول إنني "خبّصت" (أسأت التصرف).

عندما تحسنت الأحوال عدت إلى سناء، واعترفت لها بكل ما جرى. بدأت تصطلح الأمور وعشنا على هذا المنوال لمدة شهرين إلى أن اعتُقلت. كنا في مطلع العشرينات من العمر حينها، كل المشاكل السابقة التي كانت بين الأهل طافت على السطح، مصحوبة بخوف على المستقبل، فجرى الضغط من أجل الانفصال السريع بيننا.

كان لقائي الأول مع عائلتي بعد حوالي السنتين والنصف من سجني، لكنه لم يتعدَّ الدقيقة الواحدة. أعلموني حينها بالانفصال ولم يكن ثمة مجال للكلام، لكنني، بعد أشهر عدة، سمعت أن سناء تنتظرني وأنها تصارع من أجل أن يسمحوا لها بزيارتي.

رأيتها هناك في السجن، كانت مصرة على الانتظار مهما كلف الأمر، لكن ما أردته أنا هو أن تنساني، لا سيما بعد الحكم علي بأكثر من عشر سنوات. كنت أشعر أنها مسؤولية مضاعفة أحملها وراء الجدران المقيتة، وما أردته هو التحرر من الضغوط ومن الشعور بالظلم الذي ألحقه بها.

إثر أحداث أمنية وقعت في السجن، عشنا في حالة انقطاع كلي لمدة سنتين، لا أعرف عن أهلي وعن سناء شيئاً وهم وصلتهم الأخبار أنني قد مت. بعد ذلك، زارني أبي، وبين ما قاله تحت وطأة التأثر أن سناء ذهبت مع الريح، بمعنى أنها قد ارتبطت رسمياً بشخص آخر.

شعرت بالحرية التامة، أدركت أن همي صار ملكي وحدي ولا امتداد له إلى خارج أسوار السجن.

بعد حوالي الست سنوات، خرجت بعفو قبل إنهاء محكوميتي، وكمن يريد إنهاء حلم قديم خُطف على غفلة، عدنا، سناء (التي انفصلت عن خطيبها) وأنا، إلى العلاقة وتزوجنا سريعاً. وهنا بدأ كل الأسى.

لقد تغيرنا كثيراً، أحلامنا كانت مختلفة، وشخصياتنا كذلك. عندما دخلت السجن كنت شديد العصبية وهي كانت بمنتهى الهدوء. خرجت أنا من السجن هادئاً، بل شديد الهدوء، وهي أصبحت نيرانية الطباع.

عصبيتها المفرطة قتلت كل شيء، أرادت أن تنتقم مني لعذاباتها خلال فترة هروبي، وأن تعيد تحميلي كل ما حملته خلال فترة سجني من ضغوط الأهل والمجتمع، ومن قهر الليالي ورعب الانتظار. وهكذا انتهى كل شيء بيننا، إلا من طفل استطاع أن يعيدنا أصدقاء لاحقاً.

شارك غردخرجت بعفو قبل إنهاء محكوميتي، وكمن يريد إنهاء حلم قديم عدنا إلى العلاقة وتزوجنا سريعاً. وهنا بدأ الأسى.

شارك غردفي حالات الخطف، يخاف المُحبّ تأكيد الفقد كي لا يخذل من يحبه، ولا يعي أن اليأس في هذه الحالة هو حق بشري

عن انتظار حبيب مجهول المصير، بعد مرور ثلاث سنوات وأربع أشهر على اختطاف المصور في قناة "سكاي نيوز عربية" في حلب صبيحة عيد الأضحى

يتساءل كثر لماذا لا زلت صامدة حتى الآن في التحرك لأجل الكشف عن مصير سمير. ما يسعفني بعد كل هذا الوقت، هو حبي الكبير له وتاريخنا المشترك، وإيماني بأنه يستحق الحرية وبأن لا أحد يمكنه المس  بصحافي يؤدي واجبه.

يساعدني في الصمود الأهل من الطرفين. عندما أنظر إلى والدته أرى فيها قديسة احتملت مصاعب كثيرة ولا زالت تدرك بقلب الأم أنه سيعود إليها. هي العنصر الأساسي الذي يمنحني القوة، بالإضافة إلى والدتي التي لولاها لكان الصمود مشقة لا تحتمل.

أكثر من 1000 يوم وليلة مروا عليّ وأنا لا أعرف أي خبر ولو ضئيل عن شخص كنت معتادة على التواصل معه يومياً، على عدد الساعات. سلواي أجدها في ذكرياتنا معاً خلال فترة الحب الطويلة التي جمعتنا قبل خطفه، وأيضاً في ما أراه رسالة من الله الذي أرادني أن أكون في حياته خلال هذه المحنة، وإلا لما كنا خطبنا بشكل رسمي قبل شهرين فقط من اختفائه.

يسألني كثر إلى متى سأبقى منتظرة، يقولون إنني فتاة وأن لي ساعة بيولوجية وحاجة لتأسيس عائلة. من خوفهم عليّ  يظنون أن ارتباطي بشخص والحصول على أطفال سيسعدني، ولا يعرفون أن قراري بالارتباط وتكوين عائلة كان سببه سمير، فقبله لم تكن الفكرة واردة لديّ.

صحيح أنني أعيش مع عقدة الذنب في أحيان كثيرة، عندما أذهب لعملي وعندما أخرج برفقة أصدقائي، يداهمني الشعور بشكل لا واع وأنا محاطة بمن يحبني ويهتم لأمري وهو غارق في عذاباته، لكنني أتأمل أنه سيعود وأن نعوض ما فاتنا.

أعرف الآن أن من يختار شريكاً لحياته، لا يكون فقط لمجرّد قرب جغرافي ولا يرتبط حصراً بعقد قران رسمي أو إنجاب أطفال. هو ارتباط روحي قبل أي شيء آخر، ووعي لمسؤوليات كثيرة يحملها الطرفان. في هذه الفترة بالذات، سمير بأمس الحاجة إليّ، فأنا صوته الآن بعدما أخفوا صوته. هكذا ببساطة، أوقن سلفاً أن التراجع مستحيل.

عن كبت مشاعر و"نهاية سعيدة"، في قصة سجن الصحافي يوسف شعبان لمرات عدة، كان آخرها لمدة سنتين تخللها سجن انفرادي لوقت طويل

لقد كان الأمر متوقعاً في ظل النشاط السياسي والظروف التي كانت تمرّ بها مصر، وكان جلياً أننا نقوم بأمور لا ترضي النظام، ولها ثمن يجب أن ندفعه. ذلك الوعي عزّز قدرتي على الصمود لدى حبس يوسف، الذي تزامن مع حبس صديقتي المقربة ماهينور المصري، إذ تعلمنا خلال الثورة أن الموت وارد والاعتقال أكثر من وارد.

في مواجهة هذه الظروف الموجعة كان لديّ برمجة نفسية أعتمدها كحيلة دفاعية آمنة حتى لو كانت شعوراً واهماً. عندما كان يوسف يُعتقل كنت أعلم أنه من غير المجدي البكاء أو الاكتئاب، ولا مناص من العيش والاستمرار، إذ لا يمكن أن أسجن نفسي أنا أيضاً بينما يوسف بحاجة إلى دعمي.

قد يفسّر العلماء كبت المشاعر في تلك الحالة بالمؤذي، ولكن المسؤولية كانت تقتضي القوة، فعلينا ألا نظهر ضعفاء أمام النظام الذي يريد أن يكسرنا، كان صمودي فعل مقاومة.

بالطبع، كنت أمر في حالات ضعف بعد كل زيارة له، أو عند التعرض لموقف مزعج مع أحد العساكر، لكن في النهاية كنت أعود إلى نظامي النفسي ذاك، بانتظار أن تنتهي المدة ويصبح بإمكاني أن أكون مجدداً تلك الفتاة التي تمتلك مشاعر ويمكنها أن تبكي وتنهار وتعبر عما يجول في داخلها.

وسط ذلك، يأتي ضغط المجتمع. من كان يحمل شيئاً داخله ضدي قبل سجن يوسف، أخرجه بعد السجن إذ اعتبر أن لحظات الضعف التي أمر بها مناسبة للانتقام. في المقابل، سعى آخرون للتقرب مني مستغلين غياب يوسف، ولكن الأمور كانت تنتهي سريعاً في مواجهة رفضي القاطع. ما خفّف وطأة ذلك علي هو وجودي مع زوجات معتقلين آخرين والتجارب المشتركة بيننا.

بعد خروج يوسف من السجن، مررنا بعدة مراحل: أولاً عشنا حالة احتفال من دون التركيز على التفاصيل، بعد عدة أشهر، بدأت السلبيات تتفشى، فيوسف كان مسجون في الانفرادي وأنا كنت أعيش لوحدي، وعليه فاتتنا تفاصيل كثيرة عن بعضنا البعض، وكبتنا مشاعر الفقد والاشتياق والغضب واللوعة طوال مدة السجن. هكذا، أتت عملية التفريغ متأخرة، شعرنا بالتعب في الوقت نفسه، وأدى ذلك إلى سوء تفاهم في مناسبات عدة.

لكن القاعدة العامة التي جعلتنا نواجه مشاكلنا الكبرى والصغرى مع الوقت، هي الاعتراف بأن ما يحصل خارج عن إرادتنا، ولسنا المسؤولين عن مشاكلنا بل النظام الذي لم يرحم أحد.

تقول "سميرة" (اسم مستعار) التي خُطف زوجها قبل٣٠ عاماً إنها استمرت في انتظاره، عاشت حياتها وربت أطفالهما كما لو كان موجوداً. ما يعذبها هو شكها الدائم. عندما تمشي في الشارع أو تنظر إلى عمارة ارتفعت حديثاً أو حتى وردة مهملة على جنب الطريق، غالباً ما تفكر أن زوجها قد يكون مدفوناً في أي من هذه الأمكنة، تخاف أن تمر بقدميها من فوق قبره ولا تشعر.

لم يكن هذا حال "هبة" (اسم مستعار). عندما خُطف خطيبها، لم تستطع انتظاره كما أرادت، فهي لم تقدر على مجابهة ضغوط أهلها، وخافت أن تخسر فرصتها في الحصول على طفل وهي تتقدم في العمر.

في مقابلة لرصيف٢٢ مع أستاذة علم النفس في الجامعة الأميركية آلاء حجازي تشرح أنه في حالات الخطف والاعتقال مجهولة المصير، لا يُتاح للمحبين أن يقوموا بعملية الـclosure (الإغلاق) بشكل سليم، فيبقون عالقين بين عالمين، الأول يدفع للتشبث بالأمل، والثاني تغلب فيه الحاجة الإنسانية لتقبل الواقع وحتمية الفقد وبعدها النعي.

هذا التأرجح، برأي حجازي، يولد مزيجاً صعباً من الأحاسيس، فإن مال المحب لتأكيد الفقد فمعناه أنه قد خذل من يحبه، من دون أن يعي أن اليأس في هذه الحالة، ثم استكمال الحياة، هو حق بشري.

أهم أخبار العالم

Comments

عاجل