المحتوى الرئيسى

عام 2017.. الاقتصاد العالمي في عيون الخبراء

01/11 15:38

من الصعب في عالم متقلب سياسياً ، وغير مستقر اقتصادياً، أن يتنبأ الاقتصاديون والمحللون، بما سيكون عليه العام الجديد. لكن من الواضح أن العام الجديد سيشكل مفترق طرق اقتصادي هام، بعد تراجع الدور الاقتصادي للمصارف المركزية. لنلق نظرة عن قرب على الكيفية التي ترى فيها بعض أبرز الشخصيات العام 2017.

يرى الدكتور محمد العريان، رئيس مجلس الرئيس أوباما للتنمية العالمية،  في جلسة للمنتدى الاستراتيجي العربي، أن الاقتصاد العالمي يسير نحو نمو بطيئ ومستقر في العام 2017، وأن الاقتصادات الكبرى تشكل نحو 70 % من حجم الاقتصاد العالمي، ومن المتوقع أن ينمو اقتصاد الولايات المتحدة بـ 2.5 % واليابان بـ 1.5 % والصين بـ 6-7 %.

ورجح العريان، خروج روسيا والبرازيل من حالة الركود التي خيّمت على اقتصاداتها في الفترة الأخيرة، كما يدعو لضرورة تفعيل دور القطاع الخاص وإجراء الإصلاحات المالية اللازمة لتجنب الركود الاقتصادي.

وقال العريان، إن الاقتصاد العالمي اليوم على مفترق طرق، ولم يعد للمصارف المركزية الدور الكبير الذي اعتدنا عليه في ما يتعلق بتحقيق الاستقرار النقدي لحكوماتها، وأضاف: «إن العالم الذي اعتدنا عليه في تغير مستمر ومتسارع، لذا لابد للحكومات من تفعيل دور القطاع الخاص وإجراء الإصلاحات المالية اللازمة لتجنب الركود الاقتصادي والمحافظة على استقرارها قدر الإمكان». كما أن «معظم الأحداث السياسية التي شهدها العالم خلال 2016، كان بعيدا أشدّ البعد عن توقعاتنا، وما ذلك إلا إشارة واضحة إلى أن العالم أصبح أقل استقراراً وأصعب قراءةً وتوقعاً».

وفي حديثه حول اقتصاد الولايات المتحدة، أوضح العريان أن فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأخيرة كان له ردود فعل إيجابية في الأسواق، حيث جاء ذلك نتيجة لوعوده بتشجيع النمو وإجراء الإصلاحات وتعديل الضرائب، ما انعكس على ارتفاع أسعار الفائدة كنتيجة مباشرة.

وتوقع أن يكون للولايات المتحدة ميزانية أكثر نشاطاً وأعلى إنفاقاً في العام 2017، ما ينطبق كذلك على المملكة المتحدة، مرجحاً أن يواصل الدولار الأمريكي أداءه القوي، ما قد يعني مناهضة أكبر للتجارة الحرة وميلاً أكبر تجاه الحمائية في الولايات المتحدة.

وقال العريان: «إن السوق الأمريكي على موعد مع زيادة في النمو والتضخم وارتفاع في التدفقات النقدية، نتوقع استعادة العديد من الشركات الأمريكية أموالها من الخارج وضخها في الأسواق الأمريكية، فالتحديات التي شهدها الاقنصاد الأمريكي مؤخراً لم تكن نتيجة لنقص رؤوس المال، وإنما كانت انعكاساً لتداعي مستويات الثقة لدى المستثمرين. وفي ضوء هذه السياسات المالية الجديدة، لابد من عودة هذه الأموال إلى السوق الأمريكي».

وفي سؤال حول مدى تأثير قوة الدولار الأمريكي على المنطقة العربية، أكّد العريان أن قوة الدولار سيكون لها تأثير إيجابي مباشر على منطقة الخليج بشكل عام وعلى دولة الإمارات العربية بشكل خاص، بحكم ارتباط العملة المحلية بالدولار الأمريكي، وهذا سيسهم بشكل كبير في دعم مساعي الحكومات الخليجية في تعزيز النمو وتطبيق الإصلاحات التي تم الإعلان عنها.

أما على مستوى الدول الأخرى، فأكّد العريان أن على الحكومات اتخاذ الإجراءات اللازمة للتصدي لتأثير انخفاض عملاتها مقارنة بالدولار، وذلك من خلال توفير عنصرين رئيسيين هما: تعزيز المرونة والمقاومة، وبناء قدرة عالية على التعافي واستعادة النشاط.

من جانبه يرى معالي محمد عبدالله القرقاوي وزير شؤون مجلس الوزراء والمستقبل، والرئيس المشارك لمجالس المستقبل العالمية،في كلمة افتتح بها  المنتدى الاستراتيجي العربي بدبي، أن العام 2017 سيكون حافلا بتطورات غير مألوفة في الخارطة السياسية العالمية، وسماه «عالم ما بعد انتخاب ترامب»، مشيرا إلى أن انحساراً مفاهيم العولمة، وعودة المد الكبير لمفاهيم القومية والانكفاء للداخل في دول كبرى كانت تقود مفاهيم التجارة والثقافة العابرة للقارات.»

يقول خالد سفري، الرئيس التنفيذي لبنك الإمارات للاستثمار، يُجمع الكثيرون على أن عام 2016 حمل في طيّاته حدثين انتخابيين تاريخيين هما: فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية، وقرار المملكة المتحدة بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي. وقد شكّل هذان الحدثان (وغيرهما) صدمة كبرى غيّرت مجريات الوضع الراهن، ودفعت المفكرين إلى إعادة النظر في قناعاتهم، والتشكيك فيما إذا جاءت هذه التطورات السياسية الأخيرة كاستجابة شعبية وغير محسوبة رداً على سنوات طويلة من السياسات الاقتصادية الليبرالية وتأثير العولمة، أو أنها إشارة تنبئ بمزيد من التحولات الجذرية في القواعد الاجتماعية العالمية.

ويتخذ معظم المستثمرين المتمكّنين قرارات تعتمد على نظرتهم لأحداث العالم في فترة زمنية محددة أو في المستقبل المنظور. ولكن السيناريوهات المحتملة للنتائج السياسية تبدو اليوم واسعة النطاق، كما تؤكد أن المسار الذي ستنتهجه الدول السيادية يتسم بالضبابية في أحسن الأحوال. إذ أن الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد والأداء المالي للشركات قد يتأثر بشدة بالمضامين السياسية التي لا يمكن التنبؤ بها. ويَصعُب في غمرة هذه الظروف بلورة قناعات جديدة يمكن الاستناد إليها لاتخاذ قرارات استثمارية تفضي إلى تحقيق نتائج مؤكدة. ولذلك، لا عجب بأن يطغى على المشهد رغبة واضحة في تجنّب المخاطر.

من ناحية أخرى، يجد أصحاب الثروات أنفسهم مضطرين لاتخاذ قرارات بشأن توظيف أموالهم، وذلك حتى في أوقات قد يصعب فيها اتخاذ القرارات أصلاً؛ فما بالك بالظروف العصيبة التي يتطلّب فيها البحث عن أصول ذات قيمة مناسبة اللجوء إلى خيارات أكثر حذراً مما هو معتاد.

ومع تطلعنا إلى العام الجديد في هذا الجزء من العالم، لا تزال أسعار الأسهم معقولة رغم صعوبة الظروف. إذ أن توزيعات الأرباح المستمرة والمرتفعة نسبياً تجعل الكثير من الأسهم الخليجية خياراً جاذباً للمستثمرين. وإضافة إلى اقتراح الاكتتاب العام الأولي لأسهم شركة «أرامكو» السعودية، تمحور جزء كبير من أخبار الشركات في عام 2016 حول صفقة الاندماج المعلنة بين «بنك أبوظبي الوطني» و«بنك الخليج الأول». ومنذ ذلك الحين، تزايدت التكهنات بأن القطاع المصرفي في دولة الإمارات سيشهد عوائد أقوى، إضافة إلى تحسّن الأداء والكفاءة. ومن هذا المنطلق، يبدو أن الاستثمار في أسهم البنوك في دولة الإمارات قد يكون جاذباً إلى حد ما، وخاصة بالتوازي مع تحسن الاقتصاد المحلي.

وبالنسبة للمستثمرين في دول مجلس التعاون الخليجي الذين يفضلون الاستثمار في شركات القطاع الخاص (بدلاً عن الأوراق المالية المدرجة)، نجد أنه من الجدير النظر في الفرص التي تقدمها القطاعات المختلفة مثل الرعاية الصحية والضيافة والأغذية. ومن المهم أيضاً التأكيد على أن المستثمرين أصبحوا في الآونة الأخيرة أكثر ارتياحاً إزاء الاستثمار في الشركات التي تمر في مراحل تطوّرها الأولى والتي يمكن الإشارة إليها عموماً كمشاريع جريئة. وتاريخياً، اقتصر تركيز المهتمين بتلك المشاريع على الفرص في الأسواق المتقدمة (وادي السيليكون على سبيل المثال). وقد أظهرت المشاريع المحلية اليوم مستويات لافتة من المرونة، كما قدّمت عوائد استثنائية لبعض المستثمرين؛ ولكن تجدر الإشارة إلى أن الاستثمار في المشاريع الجريئة ينطوي على مخاطرة عالية، ويجب الشروع فيها بتروٍ وحذر.

أسعار الفائدة سترتفع مرة أو اثنتين

وفي الولايات المتحدة، تشير جميع الدلائل إلى أن «مجلس الاحتياطي الفدرالي» سيرفع أسعار الفائدة لمرة أو اثنتين في عام 2017، وذلك بعد قيامه برفع الأسعار في ديسمبر الجاري؛ حيث تهدف هذه الخطوة إلى التأقلم بشكل استباقي مع ارتفاع منسوب التضخم. و إن رفع أسعار الفائدة - حتى وإن كان تدريجياً - سيحمل تأثيرات سلبيّة على أدوات الدخل الثابت المقوّمة أو المرتبطة بالدولار الأمريكي، علماً أن أسعار السندات  تتأثر سلباً عند ارتفاع أسعار الفائدة. ولذلك، يحتاج المستثمرون إلى توخي الحرص وعدم زيادة انكشافهم بشكل غير مبرر على الأوراق المالية ذات الدخل الثابت. ومن المتوقع أن يساهم رفع أسعار الفائدة على الدولار الأمريكي في زيادة قيمة هذه العملة الاحتياطية العالمية بشكل أكبر. وقد يكون لهذه القوة أثر سلبي على الصادرات الأمريكية، وهو ما سيحمل نتائج عكسية على أجندة الرئيس المنتخب ترامب. ولكن السؤال الأبرز هنا: هل ستتدخل إجراءات السياسة وتأخذ الاقتصاد في اتجاه مختلف؟

كذلك، ينبغي رصد وتيرة عودة التضخم. فإذا ما عاد الاقتصاد العالمي لمواجهة التضخم مرة أخرى، ستنحسر التوجهات الحذرة السائدة حالياً، وسيعاود الاستهلاك ارتفاعه مجدداً. وسيتاح للمستثمرين تنفس الصعداء والعودة إلى سلوكياتهم المعتادة، مما سيعيد لهم الثقة في خوض استثمارات واسعة النطاق. وحتى ذلك الحين، يجب أن يبقى المنهج الانتقائي العنوان الأبرز لأي استراتيجية استثمارية.

يقول كريستوفر ديمبك رئيس قسم التحليلات الشاملة في ساكسو بنك، أنه «لحسن الحظ، فإنّه من المفترض بالعام 2017 أن يثبّت العودة إلى الحالة الطبيعية، وهو توجّه بدأ مع نهاية العام الحالي، ويمثّل بشرى إيجابية.» ويرى أن هناك خبر جيد وخبران سيئان.

في الوقت الراهن نقترب من نهاية حالة انخفاض معدلات الفائدة وأسعار النفط الرخيصة و«التضخم المنخفض» (lowflation)؛ حيث شهدنا منذ الصيف الماضي ارتفاعاً في توقعات التضخّم للبلدان النامية نتيجة ارتفاع أسعار السلع العالمية، إلى جانب تأكيد خروج الصين من وضع الانكماش. وقد وصل معدل التضخّم في مجموعة السبعة الكبار بعد سنين من الهبوط إلى معدل وسطي عند 0.8 % بحلول العام الجاري، وذلك قياساً بأدنى مستوى عند 0.35 % في مايو من العام ذاته.

كما هبطت أرباح السندات السيادية العالمية (شاملة كافة السندات التي بلغت حد الاستحقاق) إلى مستوى القاع عند 0.6 % مطلع الصيف الماضي، غير أنها عادت للصعود مجدداً الآن، ومن المفترض بها أن تبلغ متوسطاً عند 1.5 % خلال بداية 2017، رغم أن هذا المستوى يعتبر منخفضاً للغاية وفقاً للمعايير التاريخية. وأخيراً بدأت أسعار النفط بالارتفاع على خلفية الاتفاق الذي توصل إليه أعضاء أوبك في الآونة الأخيرة، ولو أنّه من المستبعد أن تلتزم به كافة الدول الأعضاء بشكل كامل، فالتاريخ يعلّمنا بأن هذه الدول لطالما أنتجت أكثر من أهدافها المرصودة، ولاسيما خلال الفترة الممتدة بين 2000 إلى 2007.

بشكل عام يعكس الواقع الاقتصادي الجديد عودة الظروف الاقتصادية إلى حالتها الطبيعية مجدداً، حيث كانت أسعار الفائدة السلبية تمثّل حالة غير عادية، وكانت ناجمة مباشرة عن السياسات النقدية المريحة للغاية التي اعتمدتها البنوك المركزية. وبالمقابل، كان سعر النفط- المتراوح ضمن مجال 40 دولار للبرميل- بمثابة حالة «طبيعية» أكثر عند النظر إلى متوسط أسعار النفط بين 1862 و2016، والذي يبلغ 34.20 دولار للبرميل. ومن هذا المنطلق، فإن الواقع غير العادي لا يتمثّل كثيراً بما شهدناه خلال الفترة الأخيرة، وإنما يتعلّق بالفترة التي امتدت بين ما قبل إلى أواسط العام 2014، حيث كان سعر البرميل يفوق 100 دولار أمريكي.

الخبر السيء الأول لعام 2017 هو أن الاقتصاد العالمي سيبقى عالقاً في حالة من النمو البطيء لفترة أطول، ونشير مجدداً إلى أن النمو سيكون دون متوسط المستوى الذي سبق الأزمة المالية في 2007-2008؛ حيث نشهد منذ العام 2011 تراجعاً متواصلاً لدور التجارة العالمية في الناتج المحلي الإجمالي للعالم (ومن المتوقع أن تبلغ مساهمتها 22 % عن 2016، قياساً بالقمة عند 25 % في 2008)، وهو ما يُعتبر بادرة تعكس تباطؤ النمو على المدى الطويل، والذي نلاحظ استمراره منذ الأزمة المالية العالمية.

وعلى العموم تعاني أهم محركات الاقتصاد العالمي (الولايات المتحدة، والصين، وأوروبا) من مرحلة من التباطؤ حالياً، غير أنّه من المستبعد أن نشهد أزمة جديدة خلال العام القادم، لاسيما عند أخذ الدورات الاقتصادية ودورات عالم الأعمال في عين الاعتبار. ومن المفترض أن تؤدي جهود الولايات المتحدة المتواصلة لتطبيع أسعار الفائدة (والتي بدأت في ديسمبر 2015) إلى تأثير هامشي على الاقتصاد، ولكن من الصعب تخيّل أن الشركات والعائلات ستغيّر سلوكها كنتيجة لارتفاع بمقدار نصف نقطة أو ثلاثة أرباع نقطة في أسعار الفائدة على المدى القصير. وحتى إن وصلت أسعار الفائدة إلى 1.5-2 % بحلول نهاية 2017، فإنها ستبقى في مستويات متدنية بحسب المعايير التاريخية، سواء بشكل مطلق أو بالنسبة إلى التضخم، ولكن لا يمكن استبعاد احتمال أن يتبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منهجية أكثر تشدداً مما هو متوقع بهدف موازنة التأثير الاقتصادي للدَفعة المالية التي قرر الرئيس المنتخب ترامب تنفيذها، ففي هذه الحالة على السوق أن تتأقلم بسرعة مع هذا التغيّر في النزعة العامة. وبالنسبة للصين، فإن نظرتنا ما زالت إيجابية، إذ نتوقع أن تتراوح معدلات النمو خلال العام القادم بين 6- 6.2 %، وتقوم نظرتنا المتفائلة هذه على ثلاثة أسس: 1) الإقبال المتسارع على استخدام التقنيات الحديثة في عمليات الإنتاج، مما سيعزز الإنتاجية، 2) النمو الدائم لمساهمة قطاع الخدمات في الناتج الإجمالي المحلي (40 % في 2005 مقابل أكثر من 50 % في 2016)، 3) اعتماد الحكومة لسياسة نقدية أكثر رشداً وفعالية. وفي هذا الإطار يمكننا أن نذكر أيضاً تحسين منهجية إدارة مخزونات العملة الأجنبية بما أنها هبطت بمقدار -5.5 % فقط في 2016 مقارنة بهبوطها بمقدار - 16 % في 2015،  وذلك إلى جانب التوقعات (التي لا نزال في انتظار تأكيدها) باستقرار سعر صرف اليوان الصيني أمام الدولار الأمريكي عند 7.00 خلال العام القادم. أمّا أوروبا، فستبقى الخاسر الحقيقي بما أن القارة لم تشهد بعد تعافياً اقتصادياً حقيقياً (باستثناء المملكة المتحدة). ومن المتوقع أن يصل معدل النمو في منطقة اليورو إلى 1.3 % خلال 2017، بالمقارنة مع 1.6 % خلال العام الجاري (مع الأخذ بعين الاعتبار أن النمو في الربع الأخير سيكون مطابقاً للنمو في الربع الثالث)، و2 % في 2015. وفي حال تأكيد التوقعات حيال عام 2017، فإنّ ذلك سيؤدي بالتأكيد إلى زيادة الضغوط على البنك المركزي الأوروبي كي يتخذ إجراءات إضافية خلال السنة، لاسيما وأن أهم ملامح المشهد الحالية تتمثل في المخاطر السياسية التي تعصف بشتى أنحاء القارّة، والمرتبطة بالانتخابات القريبة في هولندا وفرنسا وألمانيا، فضلاً عن بدء تنفيذ المادة 50 في المملكة المتحدة. كما أن المستثمرين الذين تفاجأوا بنتائج البريكست والانتخابات الرئاسية الأمريكية بدأوا يتأقلمون مع الواقع الجديد، وتأتي ردة فعل الأسواق المالية على نتائج التصويت الدستوري الإيطالي بمثابة خير دليل يؤكد بأن المستثمرين أصبحوا أكثر قدرة على مقاومة المخاطر السياسية في الأسواق النامية قياساً بما كان الحال عليه قبل عدّة أشهر. لذا سيكون من المعقول افتراض أن المضاعفات الاقتصادية والمالية للأحداث السياسية القادمة ستكون منخفضة (أو على الأقل يمكن التعامل معها بنجاح). وحتى بولندا من المتوقع لها أن تسجّل تحسناً في الأوضاع المالية رغم كونها شهدت ارتفاعاً كبيراً في توزيع مخصصات المخاطر خلال 2016 نتيجة الإجراءات الاقتصادية غير الاعتيادية التي اتخذها حزب القانون والعدالة (في تطور غير مسبوق منذ عام 2002، يعتبر توزيع مخصصات المخاطر في بولندا أعلى من نظيره في هنغاريا).

يتمثّل الخبر السيء الثاني في تنامي قوة الدولار نتيجة سياسات تطبيع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، وعملية إعادة التدوير التي تجريها الدول النامية على فائضها من الدولار الأمريكي في السوق الأمريكية؛ حيث يعتبر ازدياد قوة الدولار أبرز عوامل القلق بالنسبة للمستثمرين وصانعي القرار، لأنّه يعني بأن النمو الاقتصادي العالمي في طريقه نحو مزيد من التباطؤ.

وأشارت دراسة صادرة عن الوزارة البريطانية للأعمال والابتكار والمهارات (BIS) في نوفمبر 2016 إلى أن «كل ارتفاع للدولار بمعدل نقطة مئوية واحدة (في المجمل) سيؤدي إلى هبوط بمقدار 49 نقطة أساس في معدل نمو الإقراض المصرفي العابر للحدود المحتسب بالدولار».

ومن الواضح بأن الدول الناشئة ستعاني أكثر من غيرها، لاسيما تلك التي تعتمد بشكل كبير على التمويل الأجنبي، إذ ستكون عرضة لمستوى عالٍ من المخاطر السياسية. ، وهذا سيكون حال تركيا على وجه الخصوص، وذلك لأن نظامها المالي يعتمد بشكل كبير على التمويل بالدولار بحكم انخفاض مخزوناتها من العملة الأجنبية والوفورات المحلية، وارتفاع مديونيتها الخارجية من الناحية الأخرى. كما أن الليرة التركية قد تتعرّض لمزيد من التقلبات خلال العام القادم كنتيجة للمخاطر المترتبة على قرار الحكومة الإمساك بزمام السياسات النقدية.

علاوة على ذلك، فإن المشاكل التركية ستتفاقم إثر تبعات محاولة الانقلاب الفاشلة، والتي ما زالت تؤثر سلباً على استقرار المؤسسات الديمقراطية والمعنويات الاقتصادية بشكل عام. وعلى العموم تدفع الحالة التركية إلى التساؤل عن التكلفة الاقتصادية الباهظة التي تتكبدها العديد من الدول التي تعتمد على التعاملات المحتسبة بالدولار الأمريكي (وباليورو إلى حد ما).

وتتسم هذه المنظومة بعدم استدامتها في عالم يحكمه دولار قوي، فقد تؤدي هذه المخاطر إلى انهيار العديد من عملات الأسواق الناشئة كما كان الحال في يونيو الماضي عندما قررت نيجيريا إلغاء ربط عملتها بالدولار الأمريكي، وعندما قامت مصر في نوفمبر الماضي بالحركة ذاتها بناءً على نصيحة من صندوق النقد الدولي، مما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه المصري بنحو 100 %.

 وثمة قاعدة أساسية في علم الاقتصاد، وهي أن العملة المحلية ستكون ضعيفة في حال كانت المؤسسات السياسية والمنظومة الاقتصادية للدولة ضعيفة أصلاً، لذا يجب على الدول التي تندرج ضمن هذه الفئة أن تستغني عن ربط عملتها بالدولار الأمريكي (إن كانت عملتها مربوطة) وذلك كي تتمكن من إجراء إصلاحات مالية حقيقية؛ حيث سيكون بإمكانها إما اعتماد أسعار صرف متغيّرة أو تأسيس مجلس للعملة (والذي تكمن إحدى أهم مزاياه الفورية في تعزيز مصداقية السياسة النقدية)، أو اعتماد نظام هجين عبر تثبيت سعر صرف العملة بناءً على سلة من الدولار الأمريكي وأسعار النفط (في البلدان المصدرة للنفط). ويعتبر هذا الحل الثاني ملائماً جداً في هذا الوقت لفنزويلا التي قد تجد نفسها في حالة عجز قبل نهاية العام القادم إذا لم تتلقى باقة مالية جديدة من الصين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل