المحتوى الرئيسى

العزة المفقودة بقلم منير عدوان

07/22 23:58

العزة المفقودة

بقلم منير عدوان

الإباء والعزة رديفان لمعنى واحد هو الاستعلاء، وهو معنى افتقده المسلمون فعليا منذ أفول نجم دولتهم، فلم نعد نشعر به لما استمرأنا الذل وأعطينا الدنية، فأصبحنا مثل حال الغريق الذي يتعلق بقشة، وصرنا نبحث عن فتات مواقف وأشباه انتصارات نتلمس من خلالها معاني العزة والإباء، وهي في الحقيقة لا ترقى لما كانت تحيا به الأمة منذ زمن ليس بالبعيد، أقول ذلك وأؤكد عليه، إذ ليس في العزة والإباء بين بين، فإما أن يكون وافرا وإما أن لا يكون كافيا.

ولو أننا رجعنا إلى التاريخ نستلهم منه لوجدنا أمثلة تنضح بمواقف عزة وقفتها الأمة تعبر عن ذاتها وكينونتها ومحتدها الأصيل وأرومتها الكريمة، فها هو ذا أبو بكر الصديق وقد تململت الجزيرة واضطربت بالفتن ينذر المرتدين بحرب ضروس قائلا "والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه"، ولم ينفك حتى أخضع الجزيرة ثانية لسلطان الدولة، وها هو ذا عمر بن الخطاب يعلنها مدوية "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله" فلما فهمت الأمة ذلك المعنى الحقيقي للعزة جسدته في الفتوحات، وكانت المواقف والتضحيات، فكان الرشيد يخاطب رأس الكفر آنذاك بكلب الروم، ويتوعده بأن الجواب ما سوف يراه لا ما سوف يسمعه، وكان المعتصم يلبي صراخ واستغاثات حرائر الإسلام بجيش أوله في عمورية وآخره في بغداد، وهذا أبو دلف أحد سفراء دولة الخلافة العباسية يصف معاني العزة والسيادة في زمنه فيقول شعرا

لنا الدنيا بما فيها من الإسلام والكفر

أخذنا جزية الخلق من الشام إلى مصر

إلى تطوان بل في كل أرض خيلنا تجري

فنصطاف على الثلج ونشتو بلد التمر

وكانت ملوك أوروبا ترتعد فرائصها حينما تتحرك جيوش بني عثمان من ثكناتها، وكانت أمريكا نفسها بعظمتها وجبروتها اليوم تدفع الجزية مرغمة لأساطيل المسلمين في غربي البحر المتوسط في أواخر القرن الثامن عشر، وهو زمان ليس بالبعيد عنا أي قبل قرنين وحسب.

بل إن الإباء والعزة لما كانت ظاهرة في سلوك الدولة الإسلامية في سياساتها الخارجية انعكس ذلك أثرا باديا على سلوكيات الأفراد والقبائل وكافة شرائح المجتمع داخليا، فكانت نفوس المسلمين مترعة بمعاني العزة والسؤدد والفخر والإباء المستلهمة من مواقف دولتهم؛ لأن الناس يشاكلون زمانهم في كل آن، وكتب التاريخ والأدب والتراث تطفح بمثلها، يقول أحدهم معبرا عن روح عصره:

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل