المحتوى الرئيسى

نظرة على ”مجمع اللغة العربية في إسرائيل" بقلم:أ. د. حسيب شحادة

07/22 23:35

نظرة على ”مجمع اللغة العربية في إسرائيل"

أ. د. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي


أضيف مؤخرا إلى قائمة المجامع اللغوية العربية في العالم العربي، القاهرة، دمشق، بغداد، عمان الخ. مجمع جدير بالتنويه والاهتمام، يمكن أن نطلق عليه اسم "مجمع حيفا". وأخيرا وبعد محاولات عديدة منذ أواخر الثمانينات من القرن العشرين، بادر بعض المثقفين والأدباء العرب في إسرائيل في أواخر العام ٢٠٠١ في إقامة المجمع المذكور بالتعاون مع قسم الثقافة العربية في وزارة التربية والثقافة. وفي السابع من تموز العام ٢٠٠٣ أصبح "المجمع" جمعية عثمانية رسمية هدفها "رعاية اللغة العربية في إسرائيل، والعمل على حمايتها وتطويرها". لا نزاع في أن الأقلية العربية في إسرائيل، البالغ تعدادها قرابة ١،٢ مليون، تعيش ظروفا خاصة في مجالات شتى يفرضها الواقع الموضوعي، أقلية قومية في دولة تسمي نفسها باسم مثير للجدل "يهودية وديمقراطية" (راجع كتاب: دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية... من إعداد رون مرچولين، القدس ١٩٩٩، ومؤخرا كتاب: عرب إسرائيل ألنا أم علينا بقلم رافي يسرائيلي، والكتابان بالعبرية) وفيها اللغة العربية بمثابة لغة رسمية على الورق فقط. حتى اليوم لا وجود، على سبيل المثال، لأية لافتات باللغة العربية في المطار الدولي الإسرائيلي، مطار بن غوريون في اللد، وقد أثير هذا الموضوع مؤخرا وهو قيد البحث. أضف إلى ذلك أن حكومة إسرائيل لا تعترف بالعرب كأقلية قومية بل كفئات دينية مختلفة كالمسلمين والمسيحيين والبدو، أما الدروز فلا يندرجون، في نظر السلطات، تحت لواء العروبة. ومن الطريف ذكره أن العرب في إسرائيل هم الوحيدون في العالم الذين يحملون هويات شخصية كتب فيها أنهم "عرب".

وقد أصدر هذا المجمع كتيبا، "أعمال المؤتمر الأول لمجمع اللغة العربية"، عام ٢٠٠٤ وفيه بالإضافة إلى كلمتين تمهيديتين، الأولى لسليمان جبران، رئيس المجمع، والثانية لحنا أبو حنا، عضو مؤسّس، ستّ مقالات تعنى بطبيعة الحال بموضوع اللغة العربية، كما سنرى لاحقا. ويشار إلى أن هذا المؤتمر كان قد عُقد في ٦ تموز ٢٠٠٢. والأعضاء المؤسسون هم: حنا أبو حنا وفهد أبو خضرة ومحمود أبو فنّة وسليمان جبران وخولة سعدي وإلياس عطاالله وجميل غنايم ومحمود غنايم ونزيه قسيس ولطفي منصور وفاروق مواسي، أما المركِّز فهو نايف خوري. وفي كلمته يدعو الدكتور جبران المهتمين للانضمام إلى عضوية المجمع ولا يرى القارىء أي عنوان للمجمع في الكتيب المذكور. مقرّ المجمع هو "البيت المسيحي" في حيفا وقد تمّ إقرار الدستور وانتخاب لجان مختلفة وطرح خطة عمل على المدى القريب والبعيد. ويرغب هذا المجمع الحيفاوي ألا يعمل بمعزل عمّا يجري في المجامع أو المؤسسات اللغوية في العالم العربي ويشير الدكتور سليمان إلى أن "تجديداتها وإسهاماتها ضئيلة كما وأثرا". كما يأمل في إنشاء مجمع عام للغة العربية يكون تحت كنف جامعة الدول العربية وتصبح المجامع اللغوية الحالية فروعا له. وأرى مثلا أن الاطلاع على منهاج العمل في مجمع اللغة العبرية في القدس لا سيما في إيجاد المفردات وإعداد المعجم التاريخي الضخم للغة العبرية سيكون نافعا لمجمع حيفا، حديث العهد. ولا أخال رئيس هذا المجمع، صديقي وزميلي، الأستاذ موشيه بار أشير، إلا مرحبا بمثل هذا التعارف والتعاون.

ومن أهداف المجمع المعلنه في دستوره، توثيق ثروة اللغة العربية ودراستها؛ دراسة بنيتها، تاريخها وتطورها؛ توجيه سبل العربية على ضوء الاحتياجات والإمكانات نحويا ومعجميا.

أرى أن مهمة المجمع الأساسية ينبغي أن تنصبّ في مجال واحد محدد هو نتيجة حتمية للظروف الموضوعية التي يعيشها عرب البلاد. تدريس اللغة العربية على أفضل شكل ممكن والحفاظ عليها قدر الإمكان من موجة "العبرنة" الكاسحة. وتشمل مهمة التدريس هذه لا بل رسالة التدريس مكونات جوهرية هي إعداد مدرسي اللغة لغويا وتربويا، وتطوير برامج التعليم والمناهج التدريسية باستمرار وفق المستجدات في اللسانيات العامة وأساليب التربية والتعليم على حد سواء. ويشار إلى أن الأوضاع الإقليمية في الوقت الراهن أحسن بكثير عما كانت عليه قبل ثلاثة أو أربعة عقود من الزمن بالنسبة للتلاقح الثقافي بين عرب البلاد ودول عربية عديدة. أضف إلى ذلك، وجوب التعاون بين أعضاء الهيئة التدريسية كافة في مجهود غرس شتلة محبة اللغة العربية والثقافة العربية. من المعروف لغويا وتربويا أن عماد نمو التفكير وتعميقه هي اللغة، لغة الأم التي تنبني عليها مهارات لغوية إضافية. وكما قال أبو حنا "وتتجسد كرامة الانسان واحترامه لذاته في احترام لغته وصيانتها" وهو على صواب حين يقول إن التعامل مع الآخرين يجب أن يكون من "منطلق الندية لا الدونية" (انظر ص. ٩-١٥). إن تحبيب اللغة العربية على فلذات أكبادنا ليس أمرا سهلا في عصرنا هذا الذي يعج بكم هائل من الأمور التي تشغل بال الشباب، كما أن مكانة العالم العربي علميا وثقافيا لا يحسد عليها. وعليه هناك ضرورة واقعية ماسة لتوجيه عناية قصوى إلى الجانب العملي لاكتساب ملكة اللغة العربية المكتوبة بمهاراتها الثلاث، الفهم فالقراءة السليمة قدر الإمكان، ولا حاجة في الغالب الأعم من تحريك كامل لأواخر الكلمات (إعراب أي case ending وليس vocalization كما ورد في ص. ٨٥)، الكتابة السليمة وفق روح اللغة العربية وأساليبها وأخيرا القدرة على التعبير الشفهي بوضوح بلغة ما أطلق عليها اسم "بين بين". هذا بالنسبة للأغلبية الساحقة من الطلاب الذين سيتخصصون في دراساتهم العليا بمواضيع ليست ذات صلة بالعربية مثل الطب والعلوم الطبيعية إلخ. ثمة عادة حميدة يجب ترسيخها في عقول الطلبة وأفئدتها، حبّ المطالعة لأمهات الكتب في الأدب والثقافة والعلوم والتاريخ الخ. وهذا يعني في الأساس تأمين إنشاء المكتبات العامة في المجمعات السكانية العربية. آن الأوان للعمل في طريق طويل يلغي في خاتمة المطاف مقولة "العرب شعب لا يقرأ".

وكما ذكر الأستاذ المخضرم، حنا أبو حنا، هناك "طغيان" اللغة العبرية على كلام العرب لا سيما في المجالات الرسمية والمهنية ويورد مثلا لذلك. موظفة بنك عربية دهشت آن سماعها كلمة "رصيد" من زبونها الأستاذ المذكور ولم "تحوقها" إلا بعد ذكر البديل العبري لها יתרה. احتكاك اللغات بعضها ببعض وتفاعلها تأثيرا وتأثرا أمر معروف في المجتمعات البشرية على مرّ التاريخ، ولا بدّ من مؤسسة رسمية لرصد ما يجري وتحليله وتقييمه وانتقاء المفيد والضروري وطرح الضار وغير الضروري. وهنا في تقديري يكمن لبّ واجب المجمع اللغوي الحيفاوي. الاقتراض اللغوي في جميع لغات العالم ظاهرة شائعة وطبيعية وهو أحد سبل إثراء اللغة إلا أن السبيل الأهم والمفضّل هو الإثراء الداخلي ضمن الأطر والبنى اللغوية في لغة الأم، القياس والاشتقاق والتعريب والنحت في العربية وذلك من أجل الحفاظ على روح اللغة وفلسفتها. ولا بدّ من رصد عملية "العبرنة والتعبرن" وتحديد روافدها المختلفة، وفي هذه العجالة نكتفي بالإشارة إلى مستويين من التأثير العبري على العربية في البلاد. المستوى الأول هو وجود العنصر المعجمي العبري في الكلام الدارج لدى العرب في إسرائيل وهو في تزايد مستمر في بعض الأوساط مثل العاملين في الجيش والشرطة وطلبة الجامعات. وهؤلاء الطلبة حتى في مساقات اللغة العربية ؤآدابها في جامعات البلاد ما زالوا يدرسون لغتهم القومية باللغة العبرية، وقسم منهم يعود بعد التخرج لتدريس العربية في المدارس الثانوية أو دور المعلمين العرب. والمستوى الآخر هو تغلغل التأثير العبري في العربية المكتوبة دون قصد عادة، عبر اللاوعي حتى في كتابات بعض الأدباء العرب المعروفين، وهذا النمط الخفي من التأثير يحمل في طياته في المدى البعيد بذور خلخلة لبعض البنى النحوية وربما في بعض الأحيان البنى الصرفية. أمثلة "العبرنة" في الصعيد الأول غزيرة جدا منها على سبيل المثال: בסדר, סתם, מה לעשות, יהיה טוב, עבודה, בתאבון, מדריך, ביטוח לאומי, פיגוע, מחסום, פלאפון, הסתדרות, שלט, מזכירה אלקטרונית, התחייבות, פטור, שטויות, פלגאן, רשיון. هذا بطبيعة الحال لا يعني عدم وجود بديل لغوي عربي لهذه الألفاظ ومثيلاتها وكل ما في الأمر أنها "موضة" درجت على ألسنة الكثيرين من عرب البلاد، وفي بعض الأحيان، حتى على ألسنة الأميين وآخرين لا يعرفون من العبرية إلا مثل هذه الكلمات، لا سيما "الكوپات حوليم والهستدروت والكيبوتس والبسيخومتري والبچروت". قد يكون الانجرار وراء هذه "الموضة" شعور بالنقص لدى البعض. وفي نطاق المستوى الثاني للتأثير المذكور يمكن ذكر ما يسمى بـ"الاقتراض اللغوي" (loantranslation) مثل: اللقب الأول، اللقب الثاني، اللقب الثالث، مقبول عليّ، كل الاحترام، دفيئة، وقد تتيح له (عن الدخيل) الاستيطان ...الخ.وهذا الاستعمال الأخير قد ورد في الكتيب (ص. ٨٥) ويبدو أنه يعكس الاستعمال العبري بمثل هذا السياق התאזרחות המלה. والموضوع، كما لا يخفى على أحد، بحاجة إلى أبحاث مستفيضة وشاملة. وقد سعدت أن هذه النقاط الأساسية قد عولجت بشكل مرض في القسم الثاني من مقالة الدكتور إلياس عطاالله.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل