المحتوى الرئيسى

مفهوم القومية العربية:اعتبارات نظرية وعملية في التحقيق بقلم:د. تيسير الناشف

07/22 23:10

مفهوم القومية العربية:

اعتبارات نظرية وعملية في التحقيق

د. تيسير الناشف

الحس القومي العربي قائم في وعي وقلوب قطاعات واسعة من الشعوب العربية، وهذا الحس متفاوت القوة من بلد إلى بلد ومن مجتمع إلى آخر. وأحيانا لا يتجلى هذا الحس تجليا كاملا لأسباب داخلية وخارجية. واستلهم النشاطُ القومي العربي فكرة القومية العربية. لقد صاحبت نشوءَ النشاط القومي العربي بعض الإشكالات التي كان لها أثر سلبي في الفكر القومي العربي وفي نشوء الحركة القومية العربية. ومن هذه الإشكالات أن فكرة القومية العربية بدأت بالانتشار بالتزامن مع النشاط الاستعماري لبريطانية وفرنسا والحركة الصهيونية وغيرها خلال القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين كان نشاط تلك الجهات، بقوتها ومواردها ونفوذها، مناوئا للفكرة القومية العربية، قبل أن تكون هذه الفكرة قد تبلورت وتطورت إلى حركة شعبية وترسخت جذورها بين قطاعات واسعة من المنتمين إليها واكتسبت مفاهيمُها الطابع المؤسسي. وبالتالي أمكن لهذه الجهات المناوئة أن تجزئ الأراضي العربية. ولم تستطع الحركة القومية العربية الناشئة الضعيفة في البداية أن تتغلب على التهديدات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي مثلتها تلك الجهات.

ووعود بريطانيا في العقدين الأولين من القرن العشرين بدعم استقلال أراضي الوطن العربي في آسيا، ثم نكثها بوعودها، واتفاق سايكس-بيكو البريطاني-الفرنسي عام 1916 على تقاسم أراض من الوطن العربي وتقاسم السيطرة على تلك الأرأضي واتفاقات استعمارية أخرى شكلت طعنة في ظهر العرب. وكانت تلك التجزئة تهدف إلى منع تحقيق البلورة العروبية ومنع أو على الأقل إبطاء تحقيق العرب لوعيهم بهويتهم ومستقبلهم ومصالحهم وطموحاتهم المشتركة وكانت تهدف إلى الحيلولة دون الالتئام العربي. وبعد أن نشأت أو تعززت الدول القُطْرية، بغياب كيان أو دولة قومية عربية قوية أو كبيرة تجسد المفهوم القومي تجسيدا واقعيا وسياسيا ودستوريا وجغرافيا، وُجّه الانتباه الأكبر الدول العربية إلى تلبية متطلبات الكيان القطري.

إن عدم الاتحاد العربي أو عدم التضامن العربي الفعال والوافي يعني أن فكرة القومية العربية غير متجسدة. إن من الأكثر صعوبة تحقيق المفهوم القومي العربي في بيئة لا يوجد فيها تجسد مادي وجغرافي ودستوري وسلطوي، ومن الأكثر صعوبة تحقيق وتعزيز الهوية القطرية في حالة التجسد الفعلي الأرضي القانوني السلطوي. شهد التاريخ تحقيق المفهوم القومي بوجود دولة قومية كبيرة تؤدي دور الريادة في السعي القومي. هذا هو الدور الذي أدته بروسيا الألمانية. كثير من العرب من الخليج إلى المحيط تطلعوا إلى أن تؤدي هذا الدور دولة عربية متفوقة من نواح مختلفة، ولكن تلك الدولة، لأسباب تستحق الدراسة المتعمقة، لم تقم بذلك الدور.

في تناول مفهوم القومية العربية ثمة إشكال يتعلق بتعريف "العربي". العربي هو الذي لغته الأولى هي العربية والذي له ثقافة عربية. هنا يبرز الإشكال: ما بالكم بملايين العرب المقيمين في أراض ضمت إلى ذلك البلد غير العربي أو ذاك، الذين فقدوا لغتهم العربية ولم يعودوا مثقفين يالثقافة العربية ولكنهم أكتسبوا لغة وثقافة البلد الذي ضمت أرضهم إليه؟ وما بالكم بملايين العرب أو المتحدرين من أرومة عربية في مناطق خارج الوطن العربي الذين لا يحسنون الآن التكلم باللغة العربية ولا يعرفون قدرا كبيرا عن الثقافة العربية والإسلامية؟

وليس ثمة بالضرورة تنافِ أو تناقض بين المفهوم القُطْري والمفهوم القومي أو بين الانتماء القُطْري والانتماء القومي. الهوية القُطرية لا تتنافى بالضرورة مع الهوية القومية. يمكن أن يتعايش الانتماء القُطري والانتماء القومي. وإنشاء الكيان ذي الهوية القومية المشتركة لا يعني وينبغي ألا يعني القضاء على الكيان القطري، إذ يمكن إنشاء كيان قومي ذي سمة مشتركة بين جميع الكيانات دون القضاء على السمات القطرية لكل بلد من البلدان. ثمة تصورات مختلفة لطبيعة العلاقات الدستورية والسياسية بين الهوية القومية والهوية القُطرية. في هذه العلاقات يمكن أن يكون قدر أكبر من التقرير للأقطار أو أن يكون قدر أكبر من التقرير للهوية القومية. طبيعة العلاقة بين الانتماء القُطْري والانتماء القومي هي التي تحدد ما إذا كان التعارض قائما. الانتماءان غير متناقضين حينما يراعي الواحد منهما منطلقات الآخر. ولكن حينما لا يراعي أحدهما منطلقات الآخر فالتعارض قائم. ما هو ذو صلة هنا هو مدى الحضور القُطْري والحضور القومي في النفس ومدى تجسد هذا التكوين في العلاقة بين الانتماء القطري والانتماء القومي. ومدى الانسجام بين العاملين ومدى التناغم بينهما ومدى حساسية عامل منهما حيال الآخر ومدى إتاحة تعبير أبناء القطر عن شخصيتهم ومدى حسهم بالأمن والسلامة – ذلك هو الذي يقرر شكل العلاقة الدستورية بين القوم والقٌُطر. ومدى اتساع أو ضيق السمة المشتركة أو السمة القطرية تحدده طبيعة العلاقة بين السمة المشتركة والسمة القطرية.

والحالة المُثلى هي حالة قيام الشبه الكبير بين السمات المشتركة والسمات القطرية. ومن الأيسر تحقيق هذا الشبه أو التماثل نظرا إلى وجود الخلفية السياسية الثقافية المشتركة والأهداف والتطلعات المشتركة لدى أبناء هذه الأمة إلى التقدم والعمران والرعاية الاجتماعية والحماية والأمن والرفاهة الاقتصادية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل