المحتوى الرئيسى

يناير تدفن يوليو..فى ميدان التحرير

07/22 20:51

أبرز الأهداف التي تطابقت في الثورتين هي العدالة الاجتماعية.. أما المظاهر التي سادت المجتمع المصري قبل يوليو 1952، ويناير 2011، لم تتغير.. الفساد السياسي.. الرشوة.. الفقر والأمية.. احتكار الثروة والسلطة.. انحسار دور مصر علي المستويين الإقليمي والدولي.. التبعية الاقتصادية.. تبديد الموارد الطبيعية.. الفجوة الهائلة بين الأغنياء والفقراء.. تآكل الطبقة الوسطي بل تلاشيها بفعل سياسة الإفقار. المظاهر الشكلية تتراوح ما بين فساد الأحزاب في العصر الملكي إلي فساد الحزب الواحد.

الغريب في الأمر أن ما سبق الثورتين من مظاهر فساد رغم التطابق الجوهري.. اختلف في مسماه من الناحية الشكلية أو المصطلح، فقبل ثورة يوليو كانت الثروة والسلطة في أيدي طبقة النصف ٪ الإقطاع. وهؤلاء جري تأميم ممتلكاتهم من الأراضي الزراعية، وتوزيعها علي فقراء الفلاحين. وهذه الطبقة تختلف كثيراً عن الفئات التي ظهرت بعد ثورة يوليو. وحققت ثروات تفوق مئات المرات ثروات وممتلكات عائلات الإقطاع. وهؤلاء هم طبقة رجال الأعمال، فئة السوبر باشاوات.. وقد حققوا أرقاماً علي حساب الدولة، بعكس الإقطاع.. الذي استصلح أفراده الكثير من الأراضي البور، التي تكونت بفعل الفيضانات الناتجة عن ارتفاع مياه نهر النيل، وأراضي البراري، لكن كان البعد الاجتماعي الذي راعته ثورة يوليو أخذ تلك الأراضي وقام بتوزيعها.. أما التحول الذي جري في الحقبة الثانية لثورة يوليو، وتحديداً في عهد السادات هو التراجع عن البعد الاجتماعي، وظهرت طبقة الباشاوات الجدد، وتنامي نفوذهم بعد ذلك.

فمن إقطاع فاعل وداعم للاقتصاد قبل ثورة يوليو.. إلي إقطاع متسلق، وفوضوي ظهر في عهد مبارك، تصبح السلطة تحت إمرة الأثرياء.. فجري احتكار الثروة والسلطة بقوانين فتحت الطريق واسعاً للتلاعب بمقدرات الدولة وقوت الشعب.. بعلم وبمباركة من رأس النظام في الدولة.. هذه الفئة استطاعت خلال سنوات قليلة، نهب ثروات البلد، وهؤلاء لا يتجاوز عددهم الـ 25 رجلاً من شماشرجية نظام مبارك وشلة نجله، التي وظفت إمكانات الدولة وقوانينها لخدمة أغراضهم، ثروات هؤلاء تحققت بالحصول علي أراضي الدولة بمساحات شاسعة، بلغ نصيب الفرد منهم أضعاف ما كانت تمتلكه عشرات العائلات الإقطاعية في العهد الملكي. وهو ما يؤكد أن عهد مبارك، كان ردة علي ثورة 23 يوليو.. بشكل أكثر بجاحة من العهد الملكي، الذي كان يسوده الاستقرار الاجتماعي والقناعة.

التراجع عن العدالة الاجتماعية لم يكن وليد الرغبة من نظام الحكم، خاصة في عهد مبارك، لكنه نتيجة لإملاءات وشروط غربية وأمريكية، تحقق مصالح تلك الدول.. فجري التخلص من القطاع العام بصورة مريبة، وبأرقام مالية لا تتلاءم مع أسعار السوق، أو قيمة الأصول المباعة لأجانب ومستثمرين من عرب بوساطات وسمسرة ورشاوي وخلافه، لكن أكثر الأمور غرابة.. وهي أن الأطروحات الديمقراطية التي كانت تأتي في خطب وتصريحات مبارك، كانت للاستهلاك، فرغم التعددية الحزبية، إلا أن الحزب الوطني الذي كان يترأسه، كان يحتكر السلطة التشريعية المفرغة من مضمونها. ولم يكن يعني نواب البرلمان من الأغلبية سوي الحصول علي الحصانة التي كانت تأتي بالتزوير. واستخدام تلك الحصانة في التصرفات غير المشروعة ببيع القطاع العام، والتحول الاقتصادي من التصنيع إلي الترفيه، والخدمات.. انتشرت البطالة بصورة تهدد الأمن الاجتماعي، وانتشرت معها العشوائيات. وتخلت الدولة عن دورها في مراعاة البعد الاجتماعي بعد أن دهست مفاهيم العدل الاجتماعي من الأساس.. وهذا كله كان سبباً في انفجار ثورة يناير التي تتصاعد مطالبها الآن.

فثورة يوليو 1952 التي رفعت شعارات الديمقراطية والقضاء علي سيطرة رأس المال علي الحكم.. والقضاء علي الاستعمار وأعوانه، والقضاء علي الإقطاع.. تراجع أحد الرؤساء «مبارك»، الذي اكتسب شرعية حكمه باعتباره امتداداً لجمهورية الثورة.. هو ذاته الذي قضي علي هذه المبادئ.. فقد ترك الفرصة كاملة، لأن يسيطر رأس المال علي الحكم. وكان التبرع للحزب الحاكم ورشوة قيادات الدولة، هما جواز المرور للوصول إلي السلطة والمشاركة في صناعة القرار السياسي، والتشريعات التي تعبر عن المصالح الخاصة.. فأصبح رأس المال هو اللاعب الرئيسي في جميع المناحي. أما الحديث عن الاستعمار، فالظروف التاريخية التي نشأت فيها ثورة يوليو بقيادة جمال عبدالناصر والضباط الأحرار. كان الاستعمار له شكل الاحتلال.. أما الآن فله صورة أخري وهي الهيمنة والإملاءات لتحقيق المصالح دون احتلال، فهناك استعمار سياسي، وآخر اقتصادي، ومعلوماتي، وكثير من الأشكال الأخري، ووصل نفوذ هذا النوع من الاستعمار إلي حد أن رأس الدولة كان يسعي لتحقيق أغراض الاستعمار الجديد لضمان البقاء علي الكرسي.

القراءة الدقيقة للواقع في مصر قبل ثورة يناير.. لا تختلف بأي حال من الأحوال عن الظروف التي سبقت ثورة 23 يوليو 1952، فإذا كان الإقطاع يتمثل في بعض عائلات، كانت تمتلك مساحات شاسعة من الرقعة الزراعية.. فإن الإقطاع الجديد امتلك الأراضي الصحراوية الزراعية، واشتري القطاع العام بأموال البنوك وضارب في البورصة.. ولم يخلق أي صناعات مثل الرأسمالية الوطنية، التي كانت منتجة قبل ثورة يوليو. وتمتلك العديد من الصناعات والفارق بين الثورتين، أن الأولي لم تكن هناك بطالة تهدد سلامة الوطن. أما ممارسات حكم امتداد ثورة يوليو.. وراء تنامي أعداد العاطلين وتسريح العمالة المدربة من المصانع بعد بيعها.. ناهيك عن انتشار المرض والفقراء الذي بلغ مستوي مخيفاً. فقد رصدت التقارير الدولية أن 40٪ من إجمالي الشعب المصري يعيشون تحت خط الفقر، ولذلك يري اللواء سامح سيف اليزل الخبير الاستراتيجي والأمني أن الحياة قبل ثورة يوليو 1952 لا تختلف كثيراً عن ملامح الواقع السياسي والاجتماعي الذي سبق ثورة يناير 2011. فهناك اتفاق واضح في العديد من النقاط، أو الأسباب التي أدت إلي انفجار الثورتين. وهذه الأسباب كانت دافعاً لتحفيز الإرادة الشعبية، التي تجمعت قواها علي هدف وطني وهو تخليص البلاد من الفساد الذي استشري. وتبلور ذلك في ذلك في وجود طبقة ضئيلة العدد، استطاعت أن تتحكم من الاقتصاد المصري، الإقطاع والاحتكار والتوريدات قبل ثورة يوليو. ونفس الشيء كان قبل 25 يناير وبصورة أكثر فجاجة من العهد الملكي، أما الفساد السياسي فتشابهت الأوضاع إلي حد التطابق.. فكانت السياسة تقوم علي تغليب المصالح الفردية علي المصالح العامة. وكان هذا مبرراً للقيام بالثورتين، لإصلاح الأوضاع الفاسدة، ولتحقيق ذلك كانت الأطروحات تعبيراً عن المطالب الشعبية، في مقدمتها تطبيق العدالة الاجتماعية، ففي ثورة يوليو تزامن الحديث عن هذا المصطلح، مع قرارات التأميم والتمصير، التي مازالت محلاً لجدال لم يتوقف، لكن مفهوم العدالة انتصر لفئات الشعب الكادحة، رغم أنها لم تلق قبولاً أو رضا من فئات أخري، الشيء الآخر قوانين الإصلاح الزراعي وما حدث فيها من أفعال كانت مثاراً بانتقادات حادة، منها كيفية التوزيع والطريقة التي انتصرت لشريحة أو طبقة ضد مصالح أخري.. لكن بعد ثورة يوليو، حدث نوع من التسلط في الاتجاه السياسي الواحد، الممثل في الاتحاد الاشتراكي في السنوات الأولي للثورة، وبعدها سيطرق الحزب الوطني. وهذا التسلط كان دافعاً لارتفاع الأصوات المنادية بإنهاء سيطرة الاتجاه الواحد أو الحزب الواحد علي مقاليد البلاد. والشيء الأهم كما يقول اللواء سامح سيف اليزل أن الثورتين سبقتهما بعض الملامح المرفوضة شعبياً.. علي رأسها التوريث.. فقد كان الشعب يعرف قبل الثورتين من هو الحاكم القادم، فالملك كان يورث لولي عهده.. والشعب يعرفه.. وكذلك قبل 25 يناير. كان الرئيس القادم معلوماً.. وهو جمال مبارك الذي كان ينوي والده تهيئة المناخ لاعتلائه عرش الدولة.. بالإضافة إلي تطابق أمور عدة منها الأمية والفقر والمرض وكل ذلك كان يسبق الثورتين.. وربما ثورة يناير جاءت في ظل ظروف تفشت فيها الكثير من الأمراض الخطرة بفعل السياسات التي سادت عصر مبارك «الأورام السرطانية - الالتهابات الكبدية - الفشل الكلوي - والكثير من الأمراض المتوطنة، ناهيك عن الأمية.. والتي لا أعني بها القراءة والكتابة، ولكن الجهل بالتعامل مع تكنولوجيا العصر، والافتقار للمعلومات، وكلها آفات محرضة علي الثورة. ضد النظام، وهو ما جري. ومع ذلك فقد تباينت الآراء بين صفوف الخبراء والمتخصصين في الشأن السياسي، حول الربط أو المقارنة بين ثورة يوليو 1952 وثورة 25 يناير، فيري اللواء حسام سويلم الخبير الاستراتيجي أن ثورة يوليو انتهت تماماً في يناير 2011. وأن الحديث عنهما يقود بالضرورة لقراءة الوقائع والأحداث التي جرت خلال 60 عاماً، فهذه الحقبة الزمنية بدأت بحكم جمال عبدالناصر ثم أنور السادات وأخيراً مبارك. وهذه الحقبة علي إطلاقها اتسمت بالحكم الفردي والشمولي، الذي أدي إلي تردي الأوضاع، وانتهت الأمور خلال فترات الحكم السابقة إلي الانفجار والثورة.. ففي عهد عبدالناصر كانت السمة السائدة هي الهزائم، أبرزها ما حدث في 56 والعدوان الثلاثي، والانفصال عن الوحدة مع سوريا عام 1959، بسبب السلوك المشين والسياسة الطائشة لعبدالحكيم عامر، ثم ما حدث في اليمن عام 62، وكان وراءها الأفكار الخاطئة لهيكل، ثم يونيه 1967. وتلي ذلك كله عصر السادات، الذي تحول إلي حقبة للفساد جراء التحول الاقتصادي غير المدروس وهو ما أطلق عليه سياسة الانفتاح، وتبع ذلك دخوله أي السادات في تحالفات مع التيارات الدينية لضرب التيارات الاشتراكية والناصرية.. وانتهي الأمر بحادث المنصة. ويواصل اللواء حسام سويلم حديثه عن الأسباب التي دفعت لانفجار ثورة يناير، وعلاقتها بأنظمة الحكم التي اكتسبت شرعيتها من ثورة يوليو.. فيقول إن عهد مبارك، كانت بدايته تبعث للاطمئنان، لكن سرعان ما تغيرت الظروف في مصر، فقد ظهر غول الإرهاب الذي استمر إلي منتصف التسعينيات وهي الفترة الأولي لحكمه. وكان وقتها يقوم بتطبيق سياسات من شأنها رفض التحالفات، أو الدخول تحت مظلة الأمريكان. وكارثة عهده بدأت بالاتجاه للإصلاح الاقتصادي جرت تصفية القطاع العام، وهذه هي النكبة التي مهدت الطريق للفساد واحتكار السلطة.. وعلي إثر ذلك كان طبيعياً أن تندلع ثورة يناير، التي قادت إلي فوضي، وتمثلت في عدة أشكال في مقدمتها الحديث عن «الفلوس» التي دفعت من جهات أجنبية إلي البعض، وهناك أكثر من مصدر ووثيقة حول هذا الموضوع الذي فجرته السفيرة الأمريكية في القاهرة، إضافة إلي أن واشنطن تحتضن وترعي عمر عفيفي، الذي يصدر البيانات ويحرك الأحداث.. وهو ما يشير إلي عدم سيطرة علي الأمور، خاصة أن القوات المسلحة تمارس أعلي درجات ضبط النفس، وترفض التدخل بقوة حتي لا تنفجر الأمور مثلما حدث في سوريا أو ليبيا.. لكن هناك تطابقاً فيما جري في الثورتين «يوليو - يناير». وهو المطالبة بتحقيق العدالة، ففي العهد الملكي قبل 1952 لم تكن العدالة موجودة، وهذه من الأسباب التي أدت إلي تدخل الجيش. وقبل يناير، كان الحديث عن العدالة الاجتماعية يسبق الثورة، منها الاحتجاجات والاعتصامات المتكررة، أمام مجلس الشعب، ومجلس الوزراء، لكن هناك أشياء لافتة للنظر لابد من الحديث عنها، فقبل ثورة 23 يوليو كان هناك نوع من السلام الاجتماعي رغم الفوارق الطبقية، بمعني وجود قناعة ورضا وسلام بين الفئات المختلفة والقطاع الخاص كان ناجحاً، لكن الثورة خلقت عقداً اجتماعياً بسبب القوانين الجائرة. وتحديد الملكيات وتأميم المصانع، وفي فترة الملكية كان هناك استقرار، ولذلك لم يقم الشعب بالثورة.. وقام بها الجيش لكن الكارثة أن ثورة يناير سبقتها حالة من الغليان بسبب الفجوة الهائلة، الفقير ازداد فقراً، والأثرياء توحشوا، وفي ظل غياب المشروعات الاستراتيجية العملاقة كانت الموارد الأساسية للدولة موجهة لصالح المحظوظين، وهو ما أفرز البطالة وعدم الانتماء، ففي عهد عبدالناصر كان السد العالي مشروعاً قومياً، التف حوله الشعب، وفي عهد السادات، كان الهدف القومي تحرير سيناء، أما حقبة مبارك لا يوجد هدف.. وأخشي علي الثورة الحالية، من أن تسعي لتحقيق المصالح الفردية علي حساب المصلحة العامة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل