المحتوى الرئيسى

ولاء جاد الكريم : الحكومة بيتها من زجاج فلماذا تقذف الشرفاء بأحجار التمويل الأجنبي ؟

07/22 18:57

نصف الحقيقة ليست إلا كذبة كاملة ، ونصف المعلومة ليست عنوانا للشفافية   بقدر ما هي أداة للتضليل  ، ولأن أبرز سيئات المخلوع  ونظامه كانت تكمن في طمس الحقائق الكاملة وتغييب المعلومات ، فليس من المعقول   أبدا  أن نظل ندور في فلك الأكاذيب بعد ثورة 25 يناير المجيدة ، وليس من المقبول أن تظل السلطة تصدر إلينا أنصاف المعلومات وتخفي عنا النصف الآخر   .

المتابع للخطاب الحكومي المتعلق بقضية التمويل الأجنبي خلال الأيام الماضية لا بد أن تستدعي ذاكرته الجملة الشهيرة التي جاءت على لسان محمود عبد العزيز  في رائعة داوود عبد السيد ” فيلم الكيت كات ” المستوحي من رواية مالك الحزين للمبدع إبراهيم أصلان وهي الجملة التي وجهها للراحل نجاح الموجي قائلا ” بتستعماني يا هرم “

السلطة  أيضا “تستعمي”  الشعب عندما تتحدث عن التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني، وتطنطن ب ال 40 مليون دولار التي قيل أن بعض المنظمات حصلت عليها بعد ثورة 25 يناير، كما إنها تلوي عنق الحقائق عندما تدعي أن مفاوضتها مع المعونة الأمريكية متعثرة بسبب إصرار الأمريكان على تمويل المنظمات دون الرجوع للحكومة، وقبل ذلك وبعده فإنها ترتكب جريمة الشهادة الزور عندما تدعي عدم معرفتها بهذه الأموال وتبالغ في تمثيل دور الزوج المخدوع  فتشكل لجانا لتقصي حقيقة هذه الأموال وأوجه إنفاقها .

ولكي نضع أيدينا على أكاذيب السلطة – قبل وبعد الثورة -  بشأن هذا الموضوع المعقد ، ولكي نفتح كهف أسرار وحقائق المعونات الأجنبية لمصر خلال السنوات التالية  يجب أن نعود إلى عام  1970  الذي شهد ظهور أول وثيقة صادرة عن الأمم المتحدة تقنن عملية تقديم المعونات من الدول المتقدمة إلى الدول النامية وهي الإستراتيجية التي يحددها القرار 2626 للجمعية العامة للأمم المتحدة ، والذي يشير في فقرته 43 إلى أنه” سيكون لكل دولة متقدمة اقتصاديا تدريجيا زيادة مساعداتها الإنمائية الرسمية للبلدان النامية من أجل التوصل إلى الحد الأدنى لمبلغ صافي قدره 0.7 في المائة من ناتجها القومي الإجمالي بأسعار السوق بحلول منتصف العقد”

وهكذا تتكشف لنا الحقيقة الأولى وهي أن المساعدات الإنمائية التي تلقتها مصر (سواء للحكومة أولمنظمات المجتمع المدني ” ليست ضربا من ضروب الإحسان ولكنها التزام دولي رسمي  وحق مكتسب بموجب قرار رسمي صادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة .

الحقيقة الثانية التي سنصطدم بها ونحن نبحث في كهف المساعدات الإنمائية لمصر هي أن الحكومة المصرية كانت هي المستفيد الوحيد – والنهائي -   من  مليارات الأموال التي تدفقت اليها في صورة منح وقروض ميسرة ومبادلة ديون خلال العقود الأربعة الأخيرة، حيث لم تتجه بعض الجهات المانحة  لتقديم  مساعدات إنمائية لمنظمات المجتمع المدني إلا خلال السنوات العشر الماضية وباتفاق مسبق ورعاية ورقابة صارمة من قبل الحكومة .

 فضلا عن ذلك  فإن إجمالي ما قدم لمنظمات المجتمع المدني سواء تلك العاملة في مجال التنمية أو العاملة في مجال حقوق الإنسان خلال تلك السنوات لم يتجاوز 1% من إجمالي ما قدم للحكومة خلال نفس الفترة ، علما بأن الغالبية العظمى من هذه المبالغ استخدمت في إنشاء مشروعات بنية أساسية أو مؤسسات خدمية أو تقديم قروض دوارة بفوائد بسيطة للفقراء والمهمشين ، بينما  كان نصيب المنظمات الحقوقية النسبة متناهية الضآلة المتبقية .

أما الحقيقة الثالثة التي  يحتويها كهف المساعدات الإنمائية لمصر – غير العسكرية -  فهي حجم ما حصلت عليه الحكومة المصرية من مساعدات خلال هذه الفترة ، فقد بلغت قيمة هذه المساعدات  في السنوات التسع الأولى من الألفية الجديدة فقط ما يزيد على 22 مليار دولار وفقا للإحصائيات الرسمية لوزارة التعاون الدولي يأتي ثلثها تقريبا (31%)  من مانح واحد هو الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية  .

 والسؤال المشروع والمنطقي الآن  ما مدى استفادة المواطن المصري من كل هذه المليارات التي حصلت عليها حكومته ؟ وإذا ما كانت  هذه الأموال الطائلة أديرت بشفافية وأنفقت من أجل رفاهية المواطن فلماذا خرج الملايين يطالبون بإسقاط النظام الذي هوى بأكثر من نصفهم تحت خط الفقر وحرم أكثر من ثلاثة أرباعهم من خدمة الصرف الصحي وقتل مئات الآلاف بالمياه الملوثة وحرم الملايين من التعليم الجيد ؟

 كهف أسرار المساعدات الإنمائية لمصر لا زال به الكثير من الحقائق والمفاجآت لعل من أبرزها كذب ما تردده الحكومة من عدم علمها بالتمويلات المقدمة لمنظمات المجتمع المدني من قبل بعض المانحين، وهو قول باطل ينسفه بسهولة أي طالب في الفرقة النهائية بكلية حقوق، وأدعو القارىء الكريم للعودة إلى القانون84 لسنة 2002 المعروف بقانون الجمعيات الأهلية  والذي يحوي ترسانة من النصوص والمواد تجعل من حصول منظمات المجتمع المدني على تمويل دون علم الحكومة ضربا من ضروب المستحيل .

فالمادة 17  من القانون المذكور تنص على أنه “في جميع الأحوال لايجوز لأية جمعية أن تحصل على أموال من الخارج سواء من شخص مصري أو شخص أجنبي أو جهة أجنبية أو من يمثلها في الداخل، ولا أن ترسل شيئا مما ذكر إلى أشخاص أو منظمات في الخارج إلا بإذن من وزير الشئون الاجتماعية “

والعاملين في هذا الحقل يعلمون علم اليقين أن موافقة  الوزير لا تأتي إلا بعد موافقة ثلاث جهات أمنية عليا ، وغالبا ما يكون ذلك بعد شهور طويلة من تقديم الطلب من قبل الجمعية الأهلية ، فضلا عن ذلك فإن الجهات المانحة بشكل عام  وتلك التي تملك مكاتب تمثيل في مصر بشكل خاص  تضع موافقة الوزير المختص شرطا أساسيا لتحويل مبلغ التمويل إلى حساب الجمعية الأهلية .

ومع ضآلة حجم ما حصلت عليه منظمات المجتمع المدني  من تمويلات – مشروعة -  خلال السنوات الأخيرة مقارنة بمليارات الدولارات التي حصلت عليها الحكومة المصرية، فإنها استطاعت أن تستخدم هذا التمويل بكفاءة وفعالية بالغة في صالح الوطن والمواطن .

فقد تحولت الحركة الحقوقية خلال السنوات العشر الأخيرة إلى رقم مؤثر يصعب تجاهله أوالقفز فوقه في المعادلة السياسية والاجتماعية، وأضحت هذه المنظمات المحرك الحقيقي الذي يقف خلف الخطوات الإصلاحية الجزئية التي اتخذتها الدولة خلال الأعوام العشرة الماضية في الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية، وتجاوزت في ذلك كل التيارات السياسية ( الحزبية وغير الحزبية ) الموجودة على الساحة في حجم ما دفعت الحكومة لتقديمه للمواطن المصري .

والآن وبعد أن انكشفت أمامنا الأباطيل التي كان يرددها نظام مبارك – ومن بعده حكومة شرف – وبعد أن انفتح أمامنا كهف حقائق المساعدات الإنمائية والتمويل الأجنبي  يصبح من حقنا أن نطالب الحكومة أن تجيب على هذا السؤال، أين ذهبت مليارات المعونة ؟ كما نطالبها أن تداري سؤتها وتدرك أن بيتها من زجاج فلا تقذف الشرفاء بالحجارة .

ماجستير في علم الاجتماع والتنمية الريفية - باحث في التنمية وحقوق الإنسان

مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل