المحتوى الرئيسى

الفراغ الكبير القادم

07/22 14:13

سعود كابلي

في خضم التحولات والتغيرات السياسية الكثيرة والكبيرة التي تعصف بالعالم وبمنطقتنا على وجه الخصوص من المهم التنبه في التحليل السياسي لما هو تحولات ظاهرية او سطحية (peripheral) ولما هو تحولات بنيوية (structural)، فكما ان هناك اختلاف بين عوارض المرض وبين مسبباته يقع اختلاف بين انعكاسات التطورات السياسية وبين مسبباتها،

فارتفاع درجة الحرارة على سبيل المثال ليس مرضا في حد ذاته وانما عارض من اعراض المرض، وبالتالي التعامل معه يقع على شقين، شق مع عوارضه وهي غالبا ما تكون مسكنات وقتية لهذا العارض،

وشق آخر علاجي يتعامل مع مسببات المرض نفسه، وذات الامر ينطبق على ما هو سياسي، فهناك تعامل مع العوارض غالبا ما يكون في صيغة سياسات وآليات راهنة ذات بعد زمني قصير تتفاعل معها، وهناك ما هو ذو بعد استراتيجي يتعامل مع المسببات نفسها من منظور اوسع واشمل بعيد المدى.

بالنظر الى منطقتنا العربية وما تشهده من تحولات متعددة وكبيرة تبرز شواهد لعدة تغيرات يمكن وصفها بأنها تغيرات ذات صبغة بنيوية ستكون نقاط فاصلة في حركة التاريخ وفي علاقات الامم وتقاطعها مع منطقتنا، ورغم استئثار “الربيع العربي” بالمشهد السياسي والاعلامي إلا أن احد ابرز شواهد هذا التغيير هو الانسحاب الأميركي من العراق والذي سيتم هذا العام،

وللأسف لا يزال الاعلام العربي غائبا عن التنبه لأهمية هذه الخطوة وانعكاساتها لا على المنطقة فقط وإنما على السياسة الدولية للشرق الأوسط، فلا تزال النظرة العامة لهذا الامر لا تتعدى كونها مجرد خروج للقوات التي دخلت العراق عام 2003، بينما وعلى مدى الثماني سنوات الاخيرة تبدلت معادلات في المنطقة وجرت مياه كثيرة مما جعل خروج هذه القوات يأتي ضمن واقع جديد في طور التأسيس،

هذا الواقع هو ما سيرسم شكل منطقتنا خلال العقود القادمة، ورغم ان الولايات المتحدة لم تتمكن من رسم “الشرق الاوسط الكبير” إلا أن النتيجة كانت ولادة “شرق اوسط جديد”،

هذا الشرق الاوسط الجديد ولد قبل الربيع العربي، وان كان الربيع العربي سيغير بعضا من معادلاته إلا أن اساساته ارتسمت مبكرا خلال هذه السنوات الثماني حيث ارتكزت هذه الاساسات في اجزاء كبيرة منها على الاطر العامة التي تغيرت في العلاقات الدولية.الولايات المتحدة فشلت في كل من العراق وافغانستان وتحملت كلفة مرتفعة ماديا ومعنويا وكانت خلاصة حملتها انها اصبحت اليوم تفاوض طالبان في افغانستان من اجل الوصول الى تسوية سياسية تساعدها على الخروج من المستنقع الافغاني،

وفي العراق باتت ايران “سمسار” السياسة العراقية، والمأزق الاميركي في خروجها اليوم من العراق انها اذا لم تسلم العراق لإيران فهي على الاقل ستخلق فراغا هائلا في موازين القوى في المنطقة، وهو ما يقودنا لاستقراء الواقع الجديد الذي بات يتشكل في منطقتنا، فالولايات المتحدة لم تعد تلك القوة المهيمنة (hegemon)

وان كانت لا تظل قوة عظمى ضمن خليط من القوى العظمى التي تشكل الساحة السياسية الدولية، وهذه حقيقة سياسية. بخروج الولايات المتحدة من العراق ولاحقا من افغانستان لن يعود لها بعد ذلك تلك السطوة السياسية السابقة على المنطقة، وهو ما يعد حالة جديدة تماما على منطقة الشرق الاوسط منذ تأسيسها كمنطقة سياسية بعد سقوط الدولة العثمانية،

فلأول مرة سيصبح الشرق الاوسط بعد خروج قوات الولايات المتحدة من العراق خاليا من قدرات القوى الدولية في التأثير عليه بطريقة مباشرة، وهو ما سيشكل بالتالي حالة من الفراغ الكبير، ولا يكمن الخطر في الفراغ الأمني قدر ما يكمن في الفراغ السياسي، فلا تزال موازين القوى العسكرية رغم تعددها متكافئة نوعا ما مما يشكل نوعا من توازن الرعب،

ولكن الفراغ السياسي هنا سيفتح الباب لاعادة هيكلة علاقات القوة في المنطقة وبالتالي سيخلق هذا تنافسا في الرؤى والسياسات بين الاقطاب الاقليمية من جهة، ومن جهة أخرى سيفتح الباب لدخول عدة قوى دولية أخرى للولوج للمنطقة كل خلف مصلحته مستفيدين من مثل هذا الفراغ الناشئ.حالة العراق تعد ابرز مثال، فهي تطرح سؤالا آن علينا في المملكة بوجه الخصوص التعامل معه:

ما هي استراتيجيتنا فيما يخص العراق بعد خروج القوات الاميركية؟ العراق ان لم يكن ساحة خالية بالنسبة لايران اليوم فهو بكل تأكيد سيكون كذلك بعد خروج القوات الاميركية، وفي ظل الفراغ الكبير الذي سينشأ بعدم وجود الولايات المتحدة كقوة عظمى تنظم علاقات القوة في المنطقة تصبح ايران بخطواتها السياسية الاكثر ثباتا اكثر اللاعبين المؤهلين للاستفادة من هذا الفراغ في دفع رؤيتها وسياستها للمنطقة، والعراق بوضعه الجيو-سياسي المتميز يعد الجائزة الكبري لها ومنصة الانطلاق في المنطقة،

وتركيا من جهة أخرى ترى في هذا الفراغ فرصة كبيرة لتملأه هي ومن ثم تقوم بالتحول من الغرب للشرق وهو توجه يرى بعض المحللين ان حزب العدالة والتنمية يدفع به على استحياء.اهمية العراق على سبيل المثال لا تتعلق بالعراق كدولة فقط وانما ما يمثله من تغير بنيوي سيحدث في المنطقة، فخلال العقود الماضية كان التوازن مع الولايات المتحدة سواء بالاتفاق معها او بمواجهتها من قبل دول المنطقة هو العامل الذي حافظ على هيكل المنطقة بالشكل الذي عشناه ونراه،

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل