المحتوى الرئيسى

التصويت على إعدام «مبارك»!

07/21 21:40

إذا لم يكن مبارك مجرما .. فإن من خلعوه عن الحكم هم المجرمون!

بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على اندلاع ثورة يناير المجيدة، لازال المصريون حائرون يتسائلون: أمام أي محكمة يجب أن يحاكم الرئيس المخلوع الذي أطاحت به الثورة؟ ولماذا يحاكم الثوار أمام المحاكم العسكرية بينما يحاكم قتلة الثوار ورموز الفساد أمام القضاء العادي؟ وأين سيحاكم الرئيس السابق؟ وهل هو حقا محبوس احتياطيا؟ ولماذا لم يتم نقله لمستشفى السجن حتى الآن بدلا من مستشفى شرم الشيخ الشبيهة بالمنتجع السياحي؟ وما حقيقة مرضه من الأصل؟

وهو ما يقود المصريين في النهاية لطرح سؤال أولي بديهي: هل ما حدث يومي 25 و28 يناير الماضي، كان ثورة حقيقة؟!!

يبدو أن المصريين لديهم أسباب كثيرة تدفعهم لطرح هذه التساؤلات المنطقية، وللغرابة، هي نفس التساؤلات التي طرحت في خضم الثورة الفرنسية.

فعندما اندلعت الثورة في فرنسا، وتم إلقاء القبض على الملك لويس السادس عشر، شاعت بين النخبة في باريس أسئلة شديدة الشبه بأسئلة المصريين، رغم اختلاف الظرف الزماني والمكاني! وهو ما دفع الفرنسيين للإسراع بتقديم الملك للمحاكمة.

وفي 11 سبتمبر 1792، مثل ملك فرنسا "المخلوع" أمام (الجمعية التأسيسية) – وهي جمعية ثورية انتخبت لإدارة شئون البلاد..وهو ما فشل فيه المصريون حتى الآن – والتي تشكلت في هيئة محكمة، وتحول نوابها لقضاة.

تم توجيه 33 تهمة للويس السادس عشر، تتشابه إلى حد كبير مع التهم التي يواجهها مبارك اليوم، أهمها: قيامه بحشد "قواته" ضد شعب فرنسا وإطلاق النيران عليهم، الخيانة العظمى لقيامه بدور مزدوج ضد الثورة، إمضاءه اتفاقية سرية لإعادة الملكية، المشاركة في نشر التمرد والإخلال بالأمن العام وإشاعة الفوضى!

دفاع الملك في القضية، نسي القانون، لعلمه أنه لن يخدم موكله المدان، فسعى لأساليب أخرى، لا يخجل البعض من اللجوء إليها حتى الآن، أمثال متظاهري روكسي ومصطفى محمود..

الدفاع تحدث عن الملك الذي كان مثالا للخلق! ولم يظهر أي ميل للفساد!! وكان مقتصدا – زوجة الملك ماري أنطوانيت عرفت بكونها أكثر الملكات إسرافا في التاريخ – ومستقيما وصارما .. وفي نهاية المرافعة، صرخ الدفاع متعجبا .. من أن يحاكم الملك باسم الشعب.. الذي منحه لويس سابقا الكثير من الحقوق والإصلاحات!!
أما الملك الذاته، فقد دافع عن نفسه بكلمات قليلة، تكاد تتطابق مع الخطاب الصوتي الذي بثه مبارك للرد على المطالبين بمحاكمته، حيث قال لويس: "لا أخشى مطلقا أن تتم محاكمة سلوكي علنا، ولكن قلبي يتمزق لأني وجدت في لائحة الاتهام ما نسب إلي بأني أردت سفك دماء الشعب" (!!).

إن هذا التشابه ليس مفارقة.. ولكنها طبيعة الثورات.. وطبيعة الطغاة التي لا تختلف من عصر لآخر.. وبالتالي، على المصريين أن يعلموا كيف استطاعت الثورة الفرنسية أن تتصدى لما يواجهونه الآن.. وأن تكمل نجاحها وتصبح "أم الثورات" في العالم؟

فقد قاد المحامي الفرنسي روبيسبير، أحد أعضاء الجمعية التأسيسية، حملة قوية لإعدام الملك، للحفاظ على السلامة العامة، مطلقا لأول مرة تعبير "مجرم بحق الإنسانية"، كتهمة تستوجب القضاء على لويس نهائيا.

عندما وقف روبيسبير أمام الجمعية ليسرد مرافعة الادعاء، قال كلمات صارمة، وكأنه يوجهها لمن لا يخجلون الآن من رفض محاكمة مبارك بدعوى أنه صاحب الضربة الجوية.. قال روبيسبير بالنص: "إذا لم يكن الملك مجرما.. فإن من خلعوه عن العرش هم المجرمون.. ملك مخلوع في ظل الجمهورية ليس أمامه إلا عملين: إما تعكير الطمأنينة في الدولة، وإما الإساءة للحرية، أو الاثنين معا".

وأطلق روبيسبير سؤالا خطيرا، على المصريين جميعا أن يطرحوه على أنفسهم الآن وقد تعثرت ثورتهم: "ما هو العمل السياسي الذي يجب على الجمهورية الوليدة القيام به لتثبيت نفسها والحفاظ على مكتسباتها؟".

الإجابة، منحها روبيسبير للمصريين وبكل بساطة: "هو حفر كراهية الملكية عميقا في القلوب.. وضرب كل أنصار الملك.. فالشعوب لا تحاكم كالمحاكم القضائية، ولكنها ترسل الصواعق".. قبل أن يختتم مرافعته بسؤال فصل: "هل تستقيم الجمهورية مع وجود لويس حيا؟ إني أعلن مع الأسف هذه الحقيقة: يجب أن يموت لويس .. ليحيا الوطن"!

وبعد هذه المرافعة.. لم تجد الجمعية "الثورية" مفرا من طرح إعدام الملك لويس السادس عشر للتصويت!
في الثانية صباح يوم 20 يناير 1793، تم قراءة حكم الإعدام على الملك مباشرة في زنزانته، تنفيذا لنتيجة التصويت التي أقرت بأن لويس السادس عشر مدان بارتكاب جريمة التآمر على الحرية العامة والأمن العام، ونفذ فيه حكم الإعدام بالمقصلة في ساحة الثورة (ساحة الكونكورد حاليا الشبيهة بميدان التحرير أيضا)!!

نعود إلى نقطة البداية... إذا كان ما حدث يومي 25 و28 يناير الماضي هو ثورة حقيقية؛ فعلى المصريين أن تكون قراراتهم ثورية .. مطالبهم ثورية.. أفعالهم – وليس ردود أفعالهم – ثورية.. ألا ينتظروا المحاكم أن تصدر أحاكمها بعد جلسات وتأجيلات ومداولات.. بل يرسلون الصواعق!!

وأبسط قواعد الثورة التي دشنها ثوار فرنسا.. هي أن يتم التصويت على إعدام الملك.. ليحيا الوطن، فلماذا لا يفعلها المصريون ويتم طرح إعدام مبارك للتصويت؟!

الإجابة بسيطة، وهي أن الشعب المصري الذي قام بالثورة وضحى في سبيلها بآلاف الشهداء والمصابين من أبنائه.. لا يحكم ثورته ولا يديرها بنفسه.. بل أوكلها لآخرين – بكل سذاجة – ليديروها نيابة عنه!! آخرون لم يكونوا يوما من الثوار.. ولم يفهموا قط معنى الثورة.. الجامحة.. العفوية.. الشابة .. المتهورة .. الطاهرة!
إذا استطاع المصريون حفر كراهية النظام السابق عميقا في القلوب.. وضرب كل أنصار الرئيس المخلوع.. وطرح إعدام مبارك للتصويت أمام جمعية تأسيسية ثورية منتخبة من قبل الشعب .. عندها فقط.. يمكن اعتبار ما حدث يومي 25 و28 يناير ثورة حقيقية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل