المحتوى الرئيسى

> مشهدان مازالا يبكيان المصريين وداع زعيم الأمة وخلع زعيم العصابة

07/21 21:08

28 سبتمبر 1970 لم يكن يوماً عادياً في تاريخ مصر وشعبها .. أو مألوفاً في الذاكرة العربية.. هذا اليوم الذي صعدت فيه روح الزعيم جمال عبدالناصر إلي بارئها تاركة وراءها هموم مصر وحلم القومية العربية.. ليودعه ملايين المصريين بدموع تكفي لملء البحار. مات «عبدالناصر» وترك مرارة ظلت تعتصر قلوب المصريين بعد 40 عاماً من رحيله بعد أن شعروا بفقدان زعيمهم الذي ظل يحلم بنهضة مصر ولم شمل العرب طوال 18 عاماً قضاها علي رأس السلطة.. خادماً لمصر وزعيماً للأمة العربية.

هذا اليوم سيظل يمثل تاريخاً حالك السواد في ذاكرة الأمة العربية.. فلم يخطئ القائد الفلسطيني الشهيد صلاح خلف «أبو أياد» عندما وصف ذلك اليوم قائلا: كل المصائب تبدأ كبيرة ثم تصغر تدريجياً إلا مصيبة فقد «عبدالناصر» فسوف تكبر آثارها يوماً بعد يوم.

وبالفعل مرت الأيام واحداً تلو الآخر.. وشعر المصريون بحجم مصيبتهم مع كل خطوة كانت تتراجع بها مصر علي الطريق العربي.. وكل انتكاسة داخلية شهدتها الحقبة الماضية.. لتبعد مصر آلاف الأميال عن سياسة «عبدالناصر» وتتخذ الرأسمالية مسلكًا لها بدلاً من الاشتراكية وتدرج شركات القطاع العام في خطط الخصخصة.. ويظهر الاقطاعيون من جديد في ثياب رجال الأعمال ليأكلوا خير هذا الوطن.. ويتحول رئيس مصر من «عدو شريف» للإسرائيليين مثلما وصفوا «عبدالناصر» بعد وفاته إلي «حليف هادئ» .. هذا اللقب الذي اطلقوه علي الرئيس المخلوع حسني مبارك.

لن نسرد طويلاً التحويلات السياسية والاقليمية التي تبعت وفاة «عبدالناصر» .. ولكن يكفينا هنا أن نتحدث عن هذا اليوم المشئوم في تاريخ العرب.. يوم وداع مصر لزعيمها. الروايات حول أحداث هذا اليوم تختلف.. فمنها من تحدثت عن ظروف مقتل «عبدالناصر» الطبيعية.. وأخري لجأت إلي نظرية المؤامرة وأخذت تحلل طويلاً بحثًا عن قاتل للزعيم خاصة في ظل الحديث عن أن موته جاء بعد «سم» «دس له» إلا أننا سنكتفي بشهادة الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل حول أحداث هذا اليوم.

«هيكل» روي وقائع اليوم الأخير في حياة «عبدالناصر» في برنامجه «مع هيكل» حيث أكد أنه في مساء 27 سبتمبر.. اليوم قبل الأخير في رحلة الزعيم التقي بـ«عبدالناصر» في فندق «الهيلتون» بعد انتهاء مؤتمر القمة العربية للحديث عن البيان الختامي والأجواء التي سادت المؤتمر.. وبعد دقائق من انتهاء حديثهما حول «القمة»، قال «عبدالناصر» إنه سيغادر الفندق متوجهًا إلي منزله لرؤية أولاده ولشعوره ببعض الإرهاق.

أضاف «هيكل» أن «عبدالناصر» أخذ يترجل في غرفته حتي وصل إلي شرفتها ثم طل منها علي النيل ثم قال «ده أجمل منظر في الدنيا» وتابع النظر من الشرفة لدقائق ثم خرج من غرفته متوجهًا إلي مصعد الفندق.

وتابع «هيكل» قائلاً «عبدالناصر» أصر رغم شعوره بالإرهاق الشديد علي وداع الملوك العرب قبل مغادرتهم من القاهرة بعد انتهاء أعمال القمة، وفي الساعة الرابعة والنصف من مساء اليوم التالي اتصل بي مساعد السكرتير الخاص بـ«عبدالناصر» وأبلغني بأنني مطلوب فورًا لمقابلة الرئيس.

واستكمل: ذهبت بسرعة شديدة إلي منزل «عبدالناصر» لأجد زوجته السيدة «تحية» تبكي وتقول أنه مريض جدًا، وعندما دخلت إلي غرفته شاهدته ممدداً علي فراشه والأطباء مصابون بحالة ذعر لأشعر بأن شبحًا كئيبًا يخيم علي الغرفة ليؤكد له الدكتور فايز منصور طبيب الرئيس أنه مصاب بجلطة قلبية.

وبعد دقائق من محاولات الأطباء لإنقاذ «عبدالناصر» بالصدمات الكهربائية والتنفس الصناعي.. لفظ الزعيم أنفاسه الأخيرة.. لتسود «الصدمة» وجوه الجميع في الغرفة وتسيطر هستيريا البكاء علي أعينهم.. في الوقت الذي كان فيه «هيكل» و«السادات» يحاولان التماسك والذهاب إلي قصر القبة وإلقاء بيان وفاة «الرئيس».

ثم ألقي «السادات» البيان ليستقبله الشعب بشعور حقيقي من «الضياع» وتتدفق كلمات البيان علي أذن المواطنين كالفاجعة.. فالصدمة تعلو وجوه الجميع.. وأصوات النحيب تعلو دوي الصرخات، والناس تركض في الشوارع بلا اتجاه.. والكل يضرب بيده علي صدره.. لتجد جنازة في كل شارع.. فوالد جميع المصريين قد مات.. وتتجمع طوائف الشعب من كل صوب في ميدان «الجلاء» أو التحرير حاليًا.. لتتحرك أكبر جنازة في تاريخ مصر.. ويتجسد حزن المصريين في هذا الجندي الذي لم يعر بالاً للقيادات العسكرية المشاركة في الجنازة.. وانتظر حتي اقترب نعش «عبدالناصر» منه ليرمي نفسه عليه ويعانقه في لحظة زادت من نحيب المصريين.. وداعًا يا عبدالناصر.. يا من عشت من أجل مصر ومت في سبيلها.

الشعب انتصر وأخرج «الفرعون الأخير» مكسوراً من قصره الرئاسي

شتان بين شعور المصريين بالانكسار عند وفاة الزعيم جمال عبد الناصر.. وانتصارهم في 11 فبراير الماضي عقب تلك اللحظات القليلة التي ظهر فيها عمر سليمان علي الشاشات ليعلن تخلي الرئيس المخلوع حسني مبارك عن السلطة، لتكلل ثورة 25 يناير بالنجاح ويخرج «زعيم العصابة» من قصره مكسوراً وتطوي مصر مع رحيله 30 عاماً من القهر وضياع الهوية.

في التحرير.. عم الصمت ارجاء الميدان بعد إعلان التليفزيون المصري عن قرب إذاعة بيان رئاسي.. أخذ الثوار في الانتظار وعلي وجوههم علامات تخلط بين الإصرار وفرحة قرب الانتصار.. تبادلوا توقعاتهم حول البيان المنتظر.. فمنهم من توقع تشبث «مبارك» بالسلطة وإلقاءه خطابًا رابعا يعد فيه بإصلاحات جديدة ويداعب أيضاً مشاعر المصريين أملاً في نيل عطفهم.

والبعض الآخر.. شعر أن مصير «المخلوع» قد تحدد.. خاصة بعد أن تأكدوا من دعم المجلس العسكري للثورة.. حيث تبادل هؤلاء التهاني قبل البيان وجلسوا في وسط الميدان يقاومون انتظارهم بالغناء لمصر.. والهتاف بسقوط النظام.

وقبل اقتراب عقارب الساعة من السابعة مساء بدقائق.. نقلت الشاشات المنتشرة في الميدان ظهور «سليمان».. ليهرع الثوار إليها.. ويستقبلوا الكلمات القليلة التي ألقاها «سليمان» بفرحة عارمة لم يشعر بها المصريون منذ عقود طويلة.. هتف الثوار «الشعب أسقط النظام» ودموع الانتصار تنهمر من أعينهم.. تعالت «الزغاريد» في الميدان.. ورفعت أعلام مصر لتكسو «التحرير» بألوانها الثلاثة.

المشهد تكرر في جميع ربوع مصر.. خرج الجميع من منازلهم بعد لحظات من انتهاء بيان «سليمان» تعالت صيحات الانتصار وأخذ الصغير والكبير يرددون «الله أكبر» بنفس إحساس انتصار أكتوبر. انطلقت مواكب الفرحة من جميع الشوارع والقري والنجوع معلنة بداية عصر جديد تعود فيه كرامة المصريين، امتلأت ارجاء مصر بالهتافات، وشعر أبناؤها لأول مرة بالخلاص من الظلم والاستبداد.. فالحلم تحول إلي حقيقة.. وهزم الفرعون الأخير!

سيظل مشهد خلع «مبارك» رمزاً لانتصار الشعب وارادته.. وسيبقي دائماً دليلاً علي أن المصريين قادرون علي مقاومة الاستبداد بعد أن ظلوا 18 يوماً صامدين وسط دوي الرصاص وأدخنة القنابل ونيران «الملوتوف» حتي سقط النظام وترنحت فلوله التي استمرت تسرق وتعذب وتخصص وتقمع طوال ثلاثة عقود خرجت فيها مصر عن محيطها «العربي» وتحولت إلي حليف لعدوها الأول «إسرائيل».

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل