المحتوى الرئيسى

" وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً" بقلم:احمد النعيمي

07/21 20:34

منذ أن خلق الله الجن والأنس واصطفاهم لعبادته وهو يبتليهم بالشر والخير فتنة، بعد أن بين لهم الطريق القويم ودعاهم إلى إتباعه، ونهاهم عن إتباع السبل المعوجة، وحذرهم من الشيطان وبين لهم خطواته ووضح مكائده، وهم في هذا ما بين شاكر أو كافر، مطيع أو جاحد، مؤمن أو ملحد، جاد أو لاهي، متبع للشرع أو مارق، بائع نفسه لله أو موبقها، عامل من أجل الآخرة أو ساهي راكن للدنيا وزخرفها، ناصر للحق أو داع للباطل.

ومضت سنة الله بأن يكون الحق والباطل في صراع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكل من الفريقين أتباع وأنصار، يكون الحق ظاهراً على الباطل ما دام أهله ملتزمين بما طلبه الله منهم، فإن تقاعسوا عن هذا وتخلوا عنه، استغل أهل الباطل هذه الفرصة وظهروا وتملكوا زمام الأمور، بعد أن كانوا يخفون باطلهم ويظهرون إيمانهم إذا لقوا أهل الإيمان، ويعضون أناملهم غيظاً إذا خلا بعضهم إلى بعض، ولا هم لهم إلا التآمر على دولة الحق وأهلها.

والحق والباطل جنسان مختلقان كل الاختلاف ومتناقضان كل التناقض، كاختلاف الليل عن النهار، وهما في صراع دائم وحركة مستمرة، يصر أهل الباطل على عدم إتباع الحق، ويكيدون لأهله كل جهدهم، ويعادونهم ويحاربونهم، فمن عهد نوح –عليه السلام– بعد دعوة قومه إلى ترك عبادة الأصنام والعودة إلى الإسلام النقي وعبادة الله وحده، أن اتهموه بقولهم: " إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ" وهو حال عاد إذ قالوا لنبيهم هوداً –عليه السلام–: " إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ" وثمود قالوا لنبيهم صالحاً–عليه السلام– ومن آمن معه من المستضعفين: " إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ" وآزر هدد ابنه إبراهيم –عليه السلام– بعد أن طلب منه ترك عبادة الأصنام: " أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً" وقوم لوط قالوا لنبيهم لوطاً –عليه السلام– بعد أن نهاهم عن ارتكاب الفواحش: "أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ" وقوم فرعون قالوا له بعد أن سفه موسى –عليه السلام– أحلامهم وكشف اكاذيبهم: "أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ" وأهل مدين هددوا شعيباً –عليه السلام– ومن آمن معه بقولهم: " لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا"، وجوبه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام بما جوبه به من سبقه من الأنبياء من قبل أهل الزيغ والضلال، فصبر كما صبر انبياء الله من قبل، إلى أن مكن الله لهم في الأرض.

والنتيجة واحدة في كل القصص السابقة؛ أنبياءٌ تبين للناس طريق الله القويم، فيؤمن لهم من شرح الله صدورهم، ويحاربون من البقية الباقية منهم، من الأصنام التي كانت متحكمة بالعباد والرقاب، وأتباعها وعُبّادها، قال تعالى: " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ، وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ" الانعام112–113، إلى أن يمن الله على هؤلاء المستضعفين بالنصر والتمكين، ويهلك عدوهم ومن وقف معه جميعاً.

واليوم القصة القديمة تتكرر نفسها، شعوب خرجت على حكامها الذين ظلموا وافسدوا في الأرض، وجعلوا شعوبهم طوائف وشيعاً يستضعفون من شاءوا منهم ويقربون كل فاسد، ويملكوه الرقاب؛ طالبين منهم بأن يعملوا على الإصلاح وإقامة العدل بعد عشرات السنين من البطش والظلم والتنكيل والاستضعاف، ولكن جواب هؤلاء الطغاة وأتباعهم أنهم رفضوا هذه الدعوات، لأنه لا يمكن لعبد أن يطالب بالحرية أو العدالة، فهذا من الجحود وانكار الجميل!! وجابهوهم بالقتل والتنكيل، وكيل الاتهام لهم بأنهم يريدون تبديل الدين، وإظهار الفساد في الأرض، وتسليط أذنابهم الذين سكتوا كل هذه السنوات عن عمالة أسيادهم للغرب واقروهم على هذا، ليعملوا على إلقاء هذه التهمة على الشعوب الساعية نحو العدالة، ومحاولة تشويه ثوراتهم، وإلصاق تهم الخيانة بهم، وهي داء كبرائهم القديم!!

إن منطق الفراعنة وأتباعهم واحد في كل آن وحين، وهو العمل على مجابهة كل دعوة تدعوا إلى الإصلاح وتطبيق العدل وتحقيق المساواة بين الخلق، وبكل قسوة وإجرام، ولكن الأنبياء وأتباعهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين لم يلتفتوا إلى تهديدهم ولم يخيفهم التعذيب الذي يسلط عليهم، فخرج أهل سوريا رغم تهديد المجرم بشار لهم بأنهم إذا خرجوا في المسيرات فإنهم هالكون وخاسرون، وأعلنوا أن المؤمن ولي للمؤمن، كما الظلمة أولياء للظلمة، وأن المدن السورية جميعها جسد واحد إذا اشتكت درعا أو حماة أو حمص أو إدلب تداعت لها بقية المدن الأخرى بالدعم والمؤازرة، واضعين نصب أعينهم وعد الله لعباده بالنصر والتمكين كما نصر عباده من قبل وكما نصر نبيه شعيب –عليه السلام– واهلك الظالمين: "الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ".

اللهم إنك تعلم أن الشعوب المسلمة قد وقفت جميعاً لتعيد العدل إلى الأرض، ولم تهتم لمن خذلها وسكت عن نصرتها، ولم تأبه لمن وقف ضدها وتآمر عليها، واثقة بنصرك لها، فاهلك اللهم هؤلاء الفراعنة وأعوانهم الذين قالوا لن نتخلى عن حكامنا وأصنامنا ولن نذر ودواً ولا سواعاً ولا يغوثَ ويعوقَ ونسراً، ولا تزدهم إلا ضلالاً، ولا تذر على الأرض منهم دياراً، فإنك أن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل