المحتوى الرئيسى

د. هشام عبد الصبور شاهين يكتب:اصطبل عنتر .. المدينة الفاضلة !

07/20 11:30

في منتصف أربعينيات القرن الماضي، فكر مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الراحل حسن البنا أن يختار مكانا في القاهرة يكون مناسبا ليبني فيه الإخوان (المدينة الفاضلة)، فوقع اختياره على (اصطبل عنتر)؛ تلك البقعة الجميلة المطلة على نيل القاهرة؛ يفصلها عنه طريق مصر حلوان الزراعي، وكان كشافة وشباب الإخوان يقومون برحلات (خلوية) إلى ذلك المكان الساحر، ولم يمهل القدر الإمام ليقوم بمشروعه إذ اغتيل رحمه الله في نهاية العقد عام ١٩٤٩.

 ومنذ ذلك الحين وعبر أكثر من ستين عاما؛ اختلفت الصورة في اصطبل عنتر، فهو الآن الملجأ الرئيس للهاربين من الأحكام، وتجار المخدرات والبلطجية والمجرمين، والمكان الذي تتجلى فيه العشوائية بكل ما في الكلمة من معاني ومدلولات..!

 فالطريق الصاعد يسمونه شارع أو حارة أو زقاق أو عطفة، ولكنه أبعد ما يكون عن أي من هذه المسميات، فقد تسميه ممراً أو مدقاً أو معرجاً.. حاجة كدة ! طريق متعرج ضيق صاعد، أرضه عبارة عن سلالم حجرية غير واضحة المعالم والخطى، وتراب مدكوك، هذا – لا أراك الله – المعرج الرئيسي في اصطبل عنتر الذي يقود السائر إلى أعلى الجبل حيث عشرات الآلاف يسكنون أشياء تشبه البيوت من بعيد، فإن اقتربت منها بصعود هذا المعرج تتضح الرؤية، مباني من الخشب والطوب الأحمر ترتفع من طابق واحد إلى أربعة طوابق، مقسمة إلى غرف مفردة، كل مبنى؛ من ١٠ – ١٦ غرفة؛ له دورة مياه واحدة، ليس بها حنفيات أو مياه أو صرف صحي، والصرف في (ترنش) بجوار المبنى، وإيجار الغرفة من ١٠٠ إلى ١٥٠ جنيها في الشهر، وغالبا ما تقيم أسرة كاملة في الغرفة الواحدة، وتخيل أيها القارئ الكريم كيف يتخلص قاطنوا هذه المنطقة من زبالتهم وصرف آبار (ترنشات) دورات المياه، وكيف يحصلون على الماء للشرب والاستخدام المنزلي، فهذه البيوت ليس بها ماء، والأهالي يقومون بجلب المياه من دار السلام في (جراكن) يصعدون بها إلى أعلى الجبل، والتيار الكهربائي مسروق من خطوط الكهرباء العامة، ولا يوجد على الإطلاق أي تواجد أمني في اصطبل عنتر منذ عشرات السنين، والناس المغلوبون على أمرهم من الذين قهرتهم الحاجة وهدّهم الفقر؛ لم يجدوا ملاذا إلا في هذه البؤرة الرخيصة العفنة هواءً وماءً وبيئةً وأخلاقاً.

 وفي طريق الصعود إلى أعلى الجبل، وعلى إحدى النواصي؛ جلس شاب أمام منضدة خشبية في الشارع وضع فوقها بضاعته التي يبيع؛ بندقية آلية، فرد خرطوش صناعة يدوي، مسدسين (حلوان) ميري، مجموعات من السنج والمطاوي والسيوف، علب من طلقات الرصاص والخرطوش، كمية من الحشيش ولفائف البانجو والأفيون ومجموعة من الأقراص المخدرة، ويجب أن تعلم عزيزي القارئ أن هؤلاء البائعين على قارعة الطريق موجودون في اصطبل عنتر منذ عشرات السنين، وليس منذ اشتعال الثورة المبروكة في ٢٥ يناير، فهم إذن إفراز النظام السابق، وكلهم مسجلون في الداخلية ومعروفون لضباطها، ولتعلم أيضا أن قوات الشرطة عبر العقود الخمسة الماضية لم تجرؤ مرة واحدة على اقتحام هذه المنطقة، أو القبض على أي من المشبوهين أو الهاربين المقيمين فيها، نظرا لصعوبة السير في طرقها ومعارجها وسلالمها، والطبيعة الوعرة لدروبها ومسالكها، ونظرا للعلاقات المشبوهة بين ضباط الشرطة والبلطجية وتجار المخدرات فيها، والتي تنشط أيام الانتخابات في العهد الأسود البائد.. وما زاد بعد الثورة على المخدرات والسلاح الأبيض؛ هو تجارة السلاح المسروق من أقسام الشرطة المحترقة المنهوبة، فهؤلاء هم من حرقوها ونهبوها، وليس الثائرين كما يدّعي إعلام التزوير والتدليس وتلفيق التهم.

 بعد هذا الوصف التفصيلي لإصطبل عنتر؛ ما رأيك في حلم الأستاذ البنا ؟هل تخيلت اصطبل عنتر كما كان في مخيلته .. المدينة الفاضلة ؟ واسلمي يا مصر

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل