المحتوى الرئيسى

مدنية‏..‏ مدنية‏..‏ مدنية‏!‏

07/19 23:19

أود في هذه المقالة الأخيرة التي أكتبها عن وثيقة الأزهر أن أجيب علي أكثر من سؤال طرحته علينا الوثيقة أو طرحناه عليها‏,‏ والسؤال الأول يتعلق بطبيعة الدولة التي نريد أن نبنيها‏.‏

لقد حدد الثوار المصريون طبيعة هذه الدولة في شعاراتهم فقالوا مدنية.. مدنية وقد فهم المصريون من هذا الشعار أن الدولة القادمة لن تكون عسكرية, أي لن تكون استمرارا للدولة التي قامت بعد انقلاب يوليو, ومازالت قائمة حتي الان, وإن سقط اخر رئيس لها بقيام الثورة.

كما فهموا من هذا الشعار انها لن تكون دولة دينية, وإنما ستكون دولة مدنية تحتكم لمبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان كما حددتها وأقرتها المواثيق الدولية, فهي دولة وطنية لأنها تمثل جماعة وطنية ربطت بين أفرادها المصالح والغايات المشتركة, وهي دولة ديمقراطية لأن الأمة فيها هي مصدر السلطات, وهي المرجع الوحيد في التشريع والتنفيذ.

غير أن وثيقة الأزهر تتحدث عن الدولة القادمة فتصفها بأنها الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة وتتجنب الصفة الأولي التي نادي بها الثوار في شعاراتهم وتبنتها جماهير المصريين وهي المدنية. وقد فسر ذلك بعض المعلقين فقالوا إن الذين أصدروا الوثيقة تخوفوا من أن تفهم المدنية باعتبارها نقيضا للدينية, فهل تتناقض الدولة المدنية مع الدولة الدينية؟

طبعا! الدولة المدنية لابد أن تتناقض مع الدولة الدينية, لأنها دولة الشعب بكافة دياناته ومذاهبه وطبقاته ومصالحه, وليست دولة دين بالذات أو طبقة أو فئة. لكن الدولة المدنية لا يمكن ان تتناقض مع الدين الذي ينظم علاقة المؤمن بربه, بينما تنظم الدولة علاقة المواطن بالمواطن وتضمن للجميع حرية الاعتقاد.

والحقيقة أن أوصاف الدولة كما جاءت في وثيقة الأزهر كافية في تحديد الطبيعة المدنية للدولة دون ذكر لكلمة المدنية التي ترد في نصوص الفكر السياسي الأوروبي بصيغ مختلفة, الفلاسفة اليونانيون القدماء يتحدثون عن دولة المدينة والمعاصرون يتحدثون عن المجتمع المدني والفيلسوف الفرنسي ارنست رينان يتحدث عن الأمة المدنية, والمعني الجوهري في هذه التعبيرات كلها هو أن السلطة مصدرها الأمة أو الجماعة الوطنية, أو المجتمع, وهكذا كنا نستطيع أن نكتفي بما ذكرته الوثيقة عن الدولة التي نريد أن نبنيها ونعتبره ضمانا لمدنيتها, لولا أن الذين أسقطوا كلمة المدنية في وثيقة الأزهر أثبتوا عكسها, فاشترطوا ان يكون الاسلام هو مرجعية الدولة, وأن تكون الشريعة الاسلامية مصدر القوانين, وهو شرط يقيد السلطة التشريعية, ويعطل حق المصريين في أن يضعوا قوانينهم بأنفسهم, ويعدلوها ويغيروها كلما دعتهم الي ذلك حاجاتهم التي تتغير وتتطور علي الدوام, أي أنه يتعارض مع وطنية الدولة وديمقراطيتها, ويحولها الي دولة دينية, ومن هنا أصبح محتما ان نتمسك بالشعار الذي رفعه الثورار مدنية.. مدنية.. مدنية!

لكن الذين صاغوا وثيقة الأزهر يقولون ان المرجعية الاسلامية لا تتعارض مع مدنية الدولة ولا تحولها الي دولة دينية, لأن الدولة الدينية في اعتقادهم هي التي يحكمها رجال الدين, وبما أن الاسلام لا يعرف رجال الدين ولا يعرف السطة الدينية أو الكهنوتية التي عرفتها الديانات الأخري, فالدولة الاسلامية التي تستمد قوانينها من الشريعة الاسلامية دولة مدنية!

ولقد تعرضت من قبل للفقرة الأولي من هذا الكلام وفندت ما جاء فيها, لأن الدولة الدينية هي التي تحتكم للقوانين الدينية وتصادر حق مواطنيها في التشريع لانفسهم سواء حكمها رجال الدين أو حكمها غيرهم, الاباطرة, والملوك, والنبلاء والفرسان الذين حكموا الدول المسيحية في أوروبا, لم يكونوا رجال دين, بل كانوا في كثير من الأحيان يناوئون رجال الدين الذين كانوا يمثلون السلطة الروحية ويتجاوزونها الي السلطة السياسية, كما كا رجال الدولة يتجاوزون سلطتهم ويجمعون بين الرئاسة السياسية والرئاسة الدينية كما فعل ملوك انجلترا الذين انفصلوا عن كنيسة روما في القرن السادس عشر وجمعوا بين العرش والرئاسة العليا للكنيسة الانجليزية, والحكام السعوديون ليسوا رجال دين, لكن السعودية دولة دينية, وهي من هذه الناحية شبيهة بدولة الفاتيكان التي يحكمها البابا.

فإذا انتقلنا الي الفقرة الأخري من كلام الذين صاغوا الوثيقة, وهي قولهم ان الاسلام لم يعرف السلطة الدينية ولهذا لم يعرف الدولة الدينية, وجدنا انفسنا أمام مسألتين, الأولي تتعلق بعدم وجود سلطة دينية في الاسلام, والأخري تتعلق بعدم وجود دولة دينية فيه.

ولا شك في أن الاسلام لم يعرف السلطة الدينية علي النحو الذي نجده في اليهودية والمسيحية, لكن عدم وجود هذه السلطة لم يكن رفضا لها أو استغناء عنها, وإنما كان نتيجة طبيعية لظهور الاسلام في بيئة لم تعرف قبل الاسلام أي نوع من أنواع السلطة, لا الدينية ولا السياسية, فلكي تظهر السلطة لابد من جماعة مستقرة تحتاج لحراس وحكام يضمنون لها حياتها وأمنها, ويديرون شئونها, ويضعون لذلك السياسات, ويسنون القوانين وينفذونها.

اليهود لم يعرفوا السلطة الدينية الا بعد أن خرجوا من التيه واستقروا في فلسطين, وخالطوا المصريين, والبابليين, والفينيقيين, وأخذوا عنهم تنظيم الحياة الدينية.

ومن الطبيعي أن تكون للمسيحية سلطة دينية تعادل سلطة القيصر الزمنية, واذا كان القياصرة الرومان أباطرة علي الأرض فرؤساء الكنائس أباطرة روحيون يجلسون علي العرش ويضعون التاج.

والأمر لم يكن كذلك بالنسبة للإسلام, فقد ظهر الدين الحنيف في الجزيرة العربية التي لم تكن طبيعتها تسمح لأهلها بالاستقرار, لأن الاستقرار يحتاج الي شروط وموارد لم تكن متوافرة في مكان بالذات, بل كانت تتوافر اليوم هنا, وغدا هناك, فلابد من الارتحال الدائم خلف الماء والعشب.

ومن هنا غلبت البداوة علي العرب, فلم يعرف الاستقرار منهم إلا جماعات قليلة سكنت الحواضر القليلة التي ظهرت في الحجاز, ومنها مكة التي كانت محطة في طريق القوافل التجارية المتنقلة بين فلسطين واليمن, بالاضافة الي المدينة والطائف الواقعتين في مناطق صالحة للزراعة, ومع هذا فلم تعرف هذه المدن الثلاث من السلطة الا اشكالها الأولي, حتي ظهر الاسلام وساعد علي توحيد القبائل في جماعة دينية وأقام دولة لم تلبث عاصمتها ان انتقلت الي خارج الجزيرة مع الفاتحين العرب الذين وجدوا انفسهم في بيئات جديدة ومجتمعات مستقرة امتزجت فيها العقيدة الوافدة بالعقائد التي كانت موجودة من قبل, فنشأت من ذلك مذاهب مختلفة, وظهرت فرق متعددة كان لكل منها موقعه الخاص من السلطة المدنية والسلطة السياسية معا.

لقد ظل الاسلام الني علي موقفه الأول من السلطة الدينية, وحسنا فعل, فهو لا يعترف برجل دين يقوم وسيطا بين المؤمن وربه, وإنما يحتاج المسلمون فقط الي العالم الفقيه الذي يفتي ويفسر دون أن يتوسط.

لكن علماء الدين تحولوا في الإسلام الشيعي الي نواب عن الإمام الغائب المعصوم وأصبحوا سلطة تجتهد في الدين, وتقوم بتسيير حياة الناس, وتشارك في الحياة السياسية كما فعل الخوميني وخلفاؤه الذين أقاموا دولة دينية في ايران جمعوا فيها بين السلطتين الدينية والدنيوية علي نحو ما كان يحدث في العصور الوسطي.

أما الخوارج وكان معظمهم في العصور الاسلامية الأولي من البدو الرحل, فقد عبروا عن عدم احتياجهم لأي سلطة, لأن الحكم لله, والحلال بين والحرام بين, وقد تغير موقف الخوارج من السلطة بعد ان عرفوا الاستقرار وانشأوا لانفسهم دولا في المشرق والمغرب.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل