المحتوى الرئيسى

عمر حاذق يكتب : اضحكوا يا ثورة ها ها ها

07/19 16:35

ضحكتُ وتذكرتُ رامي عصام وأغنيته اللطيفة "اضحكوا يا ثورة" حين بدأتُ أسحب الأنفاس الأولى من شيشة "الكريز" الحبيبة إلى قلبي، محاولا الهروب من معارك التغيير الوزاري، فإذا بتامر حسني يظهر على الشاشة و"يتمطع" و"يصبّح" على مصر، ويترنم بعشقها بعد أن تكرّم وخلّد بفنه شهداء الثورة؛ الثورة التي ظن أنه سينهيها بمجرد أن يذهب للميدان، ويقول لشبابه: عيب يا واد انت وهوه، قوم روّح منّك له"، فيهلل له الشباب وتتهاوى البنات على أرصفة الميدان... تمورة الذي هرب من تجنيده في الجيش المصري نسي أن الميدان ليس فيه بنات يستأجرهن، ليتساقطن بين قدميْه. الآن يعود تمورة راكبا "الحصانة البيضا" فارسا متألقا فوق عشب السهول، في الوقت الذي عُذّب فيه رامي عصام، وضُرب حتى تشوّه ظهره؛ رامي الذي افترش الميدان مع الثوار وغنّى لهم من البداية قبل معرفة الفائز بتورتة الثورة... أين الوجوه المفعمة بالغضب، التي رأيتها في الأيام الأولى للثورة؟ من أين خرج علينا هؤلاء الذين لم نسمع لهم صوتا أيام الضرب والقتل؟؟ ضحكتُ مرة أخرى على تمورة حين لاحظت كمية أعلام مصر التي حشا بها الكليب، هذه الأعلام الكثيرة كان لها حضورها الخاص في الثورة، ودِلالتها التي كانت تستفزني أحيانا.

في الأيام الأولى للثورة لم أرَ أي أعلام تقريبا، ربما لأننا كنا مشغولين بحياتنا ذاتها. كنتُ قبل نزول المظاهرة أسلّم على أمي وأعانقها، وكانت عيناها تلمعان بالدموع والدعاء، لكنها لم تكن تبكي (ليس أمامي على الأقل). لم أتخيل نفسي أبدا في هذه الأيام وأنا أمشي مبتسما مرفرفا بعلم مصر، بالعكس كنتُ أفكر بطريقة أخرى تماما؛ مثلا: كنت أحرص على ارتداء سويت شيرت ثقيل له غطاء رأس، ليحمي رأسي من الحجارة وأسلحة البلطجية وربما يخفف من وقع الخرطوش

في هذه الأيام العصيبة لم يكن باعة الأعلام يجرءون على بيع أعلامهم. بدأتُ ألاحظ وجودهم كلما أصبحت المظاهرات أكثر أمانا. أعجبتني الفكرة طبعا في البداية قبل أن أكتشف طبيعتها التجارية، وكان العلم الصغير بخمسة جنيهات والمتوسط بعشرة والكبير بخمسة عشر جنيها. العجيب أنه بعد انتشار الباعة واشتعال المنافسة، قابلت نفس الرجل الذي باعني العلم الأول بعشرة جنيهات وهو يبيعه بخمسة (!!) هكذا هي ليبرالية السوق وحرية رأس المال... والرزق يحب الخفّيّة

في الأيام الأخيرة بدأت المظاهرات تأخذ طابع الموضة التي يتفنن الجميع في المشاركة بها، والغريب أنني لم أفرح بتضاعف الأعداد، بل شعرتُ بشيء من الخطر على الثورة: خطر تحويلها لفلكلور شعبي احتفالي تشارك فيه أسر كاملة بأطفالها وساندويتشاتها وعَجَلها و... كأنها في رحلة، مع اعتزازي الكامل بمشاركة كل من نزل ومشى في أي مظاهرة، لكنني مازلت أشعر منذ مدة أن هناك محاولة قوية ومستمرة لتفريغ الشباب الثائر من طاقة غضبه وتوجيهه لتورتة الثورة ووفاقها "الوطني الديمقراطي". أنا نفسي لاحظت أنني كنت أشارك في المظاهرات الأخيرة بروقان كبير، مثلا أصبحت أتوقف لشراء آيس كريم، وأحرص على مصاحبة أصدقائي أو إخوتي والدردشة معهم. هل كان يمكن أن أفكر في شراء آيس كريم في الأيام الأولى بين زخات الرصاص والدخان؟ حين كنت أبتعد تماما عن مصاحبة أي عزيز عليّ لكي لا أراه أو يراني في لحظة احتضار مبلّلة بالدم.

قبيل تنحي مبارك، انخفضت الأعلام لقاع أسعارها فأصبحتْ تملأ أفق المظاهرات. أذكر أنه في يوم الأربعاء أو الخميس (السابق على التنحي) كانت المظاهرة التقليدية المنطلقة من القائد إبراهيم تمر أمام مكتبة الإسكندرية بالصدفة في وقت انتهاء العمل، ففوجئت بعدد كبير من زملائي الخارجين من المكتبة يتمشون معنا في المظاهرة، بعض هؤلاء شتم المتظاهرين على الفيس بوك بعد خطاب مبارك بتاع أنا هاعيش في البلد دي واموت فيها. الآن يمشون معنا في المظاهرة رافعين الأعلام أم عشرة جنيهات... ثم تستمر الكوميديا بافتخار الدكتور إسماعيل سراج الدين بشباب الثورة وتأكيده في الصحافة والتلفزيون بعد الثورة أنه كان دائما يراهن ويثق في الشباب وقدرته على التغيير؛ التغيير الذي هو الثورة وإسقاط النظام؛ النظام الذي كان من أهم رموزه الدكتور سراج الدين؛ الدكتور سراج الدين الذي يفخر الآن بشباب مصر وثورته (والنبي حد يترجم لي بسرعة).

اضحكوا يا ثورة فعلا لأن فصول الكوميديا تتوالى وتعقد المكتبة مؤتمر "الشباب: ثورة التغيير" معلنةً أنها تدعو شباب الثورة للمشاركة فإذا بمعظم الشباب المشاركين ينتمون للحزب الوطني وجمعية جيل المستقبل وحركة سوزان مبارك الدولية للمرأة من أجل السلام؛ هؤلاء الشباب الذين جاءوا ليتحدثوا عن ثورة التغيير؛ التغيير الذي هو تغيير الحزب الوطني وحركة سوزان مبارك، بل الأعجب من ذلك: في لقاء صحفي مع جريدة الأخبار صرّح الدكتور سراج الدين بأنه يذيع سرا لأول مرة وهو أن النظام السابق وقف ضده في انتخابات اليونسكو، فخسر الانتخابات! هكذا يكتشف الدكتور سراج الدين تاريخا نضاليا سرّيا (يعني كان مناضل في سره)، في نفس الوقت الذي تعلن فيه المكتبة عن مسابقة فنية لإقامة نصب تذكاري لشهداء الثورة بساحة المكتبة، فلا يتقدم أحد فتضطر المكتبة لتمديد فترة التقديم، أملا في أن ينسى الفنانون مع الأيام، ويثقوا في إدارة المكتبة فيقدموا نصبا تذكاريا لشهداء الثورة الذين قتلتهم الشرطة والأمن؛ الشرطة والأمن الذين أصر الدكتور سراج الدين (في أكثر من محاولة) على تكريم أحد رموزهم في المكتبة وهو اللواء أحمد عبد الباسط؛ اللواء أحمد عبد الباسط مدير أمن الدقهلية السابق الذي يحاكم بتهمة قتل متظاهري المنصورة؛ متظاهري المنصورة الذين ستكرم المكتبة شهداءهم بالنصب التذكاري...

ياربييييي... شيشة الكريز خلصت خلاص.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل