المحتوى الرئيسى

دين الشعب ودين السلطة

07/18 17:59

فيصل دراج

لم يكن "الإسلام السياسي" بحاجة إلى "ربيع العرب" بلغة الصحافة الغربية، ليصبح موضوعاً للتساؤل والمساءلة والسجال، فهو قائم وواضح القوة منذ أن صعدت في نهاية سبعينات القرن الماضي ظاهرة "الصحوة الإسلامية". غير أن دور القوى الدينية في المظاهرات الشعبية، كما ركون المتظاهرين إلى المساجد منطلقاً وملاذاً أعاد طرح أسئلة عن القوى الإسلامية والعلمانية والديمقراطية والمجتمع المدني.

فقد رأى بعض المثقفين أن "القوى الدينية" ستستأنف في حال الوصول إلى السلطة، الاستبداد السلطوي وتزيده عنفاً مسوّغة ما تريد باسم المقدس، بينما رأى آخرون أن الجديد السياسي الذي جاء به الشارع العربي المتمرّد، يغيّر من المنظور الديني المتحزّب ويجعله أكثر انفتاحاً. وبما أن الحقيقة الجاهزة لا يملكها أحد، فمن الممكن تأمّل الموضوع من زوايا مختلفة.

مقاربة عرجاء

وهو أكثر من ذلك يفصل بين الظاهرة الدينية والسياق الاجتماعي، مساوياً براحة كبيرة بين الحاضر والماضي القريب. فإذا كانت سبعينات القرن الماضي قد أنتجت، لأسباب مختلفة، "إسلاماً سياسياً" منقطعاً عن الإسلام الشعبي الذي سبقه، فإن السياق الراهن من حيث هو انقلاب اجتماعي تاريخي، أعاد تأسيس المنظور الإسلامي"المتحزّب" على أسس جديدة.

فبقدر ما أن "إسلام الصحوة" دار في ثنائية مجرّدة من الثواب والعقاب، فإن "المتظاهرين المسلمين" أو"المتأسلمين"، رفعوا راية الحاجات الإنسانية المشخصة، التي تتضمن العدل والمساواة والحق في آن، ومحاسبة الحاكم الفاسد.

وتفرض هذه المقدمات سؤالين: هل شارك المسلم المتديّن في المظاهرات بصفته "فرداً مسلماً" أم بصفته "مواطناً" يعتنق مبادئ الدين الإسلامي؟ والجواب لا صعوبة فيه، فلو أراد أن يلبي وازعاً دينياً لما تظاهر مع مسلمين وغير مسلمين ومتدينين وغير متدينين.

إن مفهوم المواطن، الذي ينفتح مباشرة على حقوق المواطنة، التي طالب بها المتظاهرون ولا يزالون، هو الذي ينقل الوعي الديني من حدود "الإسلام السياسي" القائم على المجرّدات، إلى مجال "الوعي الديني المدني"، الذي يقول بالعدل والحرية والمساواة، وبجملة من القيم والمعايير والأهداف التي يتقاسمها المواطنون جميعاً. ولهذا فإن اختصار دور القوى الدينية في السياق الراهن في سؤال العلمانية والتعصّب الديني، مقاربة عرجاء لا ينقصها الخلل.

فرق سياسي ومعتقدي

يعيد هذا إلى الأذهان مفهوم: "الصراع الطبقي في الدين" الذي يفصل ولو بقدر بين دين السلطة والأغنياء، ودين المقهورين والفقراء. لكن هذا الصراع، وكما دلّلت المظاهرات الشعبية التي لا تزال تتوالد في الشارع العربي انتقل هذه المرة من حيّز الأفكار إلى مجال الأفعال، تاركاً للفقراء مساجدهم، وتاركاً "فقهاء الظلام" يتحدّثون عن التفاهم والتسامح و"البنيان المرصوص" الذي يفهمه "الفقهاء" كما يريدون.

والسؤال هنا: ما الفرق بين متظاهر يؤمن ويجازف بحياته، وطرف متأسلم لا يبارك المتظاهرين وينصحهم بـ "التعقّل"؟

الفرق سياسي ومعتقدي معاً يفصل بين العدل والظلم وبين العدل والجور، بل إنه فرق معتقدي لأنه فرق سياسي، ذلك أن الصراع المفتوح بين المضطهدين (بكسر الهاء) والمضطهدين (بفتح الهاء) فعل سياسي  يسيّس المتظاهر ويمدّه بوعي جديد، ويعلّمه أن الإيمان القويم يبدأ من الحاجات لا من فنون الكلام.

والواضح في هذا كله الحدود الشاسعة بين الإسلام الشعبي، القديم والجديد معاً والإسلام السلطوي الذي يستعمل "الإسلام" ويسيء إليه. فالإسلام الأول أقرب إلى الفطرة  يبدأ من الإنسان ويدافع عن قيم عادلة، هي من حق "الإنسان المسلم" و "غير المسلم" في آن، لأنها تعترف بالفطرة لا بالأحكام المصنوعة.

ولأنه لا ينفصل عن الحاجات المتغيّرة، فإن "الإسلام الشعبي" بعيد في جوهره عن الانغلاق والتكلّس والجمود. على خلاف ذلك فإن "الإسلام السلطوي" يقذف بالبشر كلهم خارجاً، ويكتفي بالسلطة وبالمصالح السلطوية، منتهياً إلى "عقيدة الانصياع" واعتقال العقول الصالحة.

صناعة رسمية
وواقع الأمر أن "الدين السلطوي" صناعة متكاملة العناصر، تختار من النص الديني ما تشاء وتهمل وتحجب وتزوّر ما تشاء، متوسلة "علماء المصلحة" والبرامج المدرسية التي تساوي بين "أولي الأمر" و"الله" من دون تحديد أو إنارة، ومتوسلة أيضاً شكلاً من "الدعاة" الذين يجمع بين الحديث الديني والآلة الإعلامية، ويهدر تفاصيل الحياة اليومية بمواضيع نافلة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل