المحتوى الرئيسى

إكرام يوسف يكتب :المشككون.. بين الثوار والجماهير

07/18 12:37

 لا شك أن محاولات التشكيك في الثوار وإحباطهم وتصيد أخطاء لهم ـ منذ الدعوة إلى يوم الغضب 25 يناير، الذي تحول لاحقا إلى ثورة مجيدة ـ ليست أمرًا مستغربا في تاريخ الثورات. فالثوار عادة فئة قلية عادة يتميز أفرادها بأمرين في نفس الوقت: وعيًا يؤكد ألا بديل عن إسقاط نظام تبددت الآمال في إصلاحه، واستعدادا للمخاطرة، والتضحية بالروح في سبيل هدف ربما لن يقدر لهم جني ثماره.

وكطبيعة الثورات يقف قبالة هذه الأقلية، أقلية أخرى من منتفعي النظام الفاسد وخدمه، تعني الثورة بالنسبة لهم زوال سلطان سادتهم، وبالتالي ضياع مكتسباتهم. ثم هناك فئة أخرى لم تستفد من النظام القديم ـ وربما تضررت منه ـ لكنها لا تمتلك القدرة على تحمل المخاطر؛ تمني نفسها بوهم الاستقرار وترتعب من مجرد التفكير في أي تغيير لحياتها. و قد تعودت على مشاهدة المخلوع ورجاله في وسائل الاعلام يوميا، ويصيبها اختفاؤه من المشهد بالهلع والضياع.

 وطوال أيام الثورة، تتزايد جهود المنتفعين للتشكيك في الثوار، مدعومة بوسائل إعلام النظام. وكانت لدعاياتهم ـ بالطبع ـ أثرها على المرتعبين من التغيير. لكن إرادة الشباب تحدت الحرب النفسية وانتصرت في الجولة الأولى من الثورة. وحققت في أيام قليلة إنجازات لم يكن يحلم بها أكثر الناس تفاؤلا: سقط رأس النظام الذي لم يكن يتوقع أحد خروجه من القصر إلا داخل نعش تحيطه جنازة مهيبة، ينكس فيها علم البلاد. كما سحقت أقدام الثوار سيناريو التوريث إلى الأبد. و تحقق الهدف الأعظم وهو استعادة ثقة المصريين في أنفسهم وفخرهم بانتمائهم الوطني، بعدما نجح نظام المخلوع في إقناع كثيرين أن شعب مصر خانع يرضى بالذل والمهانة. وللمرة الأولى في مصر، يسقط حاكم طاغية وزمرته بأمر الشعب، ثم تقال حكومة بأمر الشعب، بعدما كنا نسمع عن إقالة الحكومات من وسائل الاعلام دون أن ندري لماذا أقيلت، أو لماذا عينت أصلا.. وللمرة الأولى يهدر شعار: "الشعب يريد"، فيستجيب القدر والحكام!

 وفي مقابل المنتفعين أو من المرتعبين؛ كانت هناك أغلبية ساحقة تعاني من جرائم النظام وتعرف أنه لا سبيل للتخلص من هذه المعاناة إلا بثورة، لكنها لاتمتلك القدرة على تحمل المخاطر، وهؤلاء هم الأغلبية الصامتة، يساندون الثورة بقلوبهم ويدعون  لها ليل نهار، ويضعون آمالا كبيرة على الثوار وتضحياتهم.

وبعد إسقاط المخلوع، ثم إزاحة الحكومة التي اختارها، وتولي حكومة يرأسها مشارك في الثورة؛ فانضم المناصرون للثورة بقلوبهم، والخائفين على أبنائهم الثوار، إلى رافضيها في مطالبة الثوار بالعودة إلى بيوتهم، بحجة دوران عجلة الإنتاح! وشاركهم أيضا جماعة الإخوان التي انضمت إلى الثورة بعد أيام من بدايتها، و كان لها دور لا ينكر في دعمها حتى تولى المجلس العسكري الحكم.  وعاد الثوار إلى حياتهم العادية لكن عيونهم لم  تغفل عن حراسة ثورة دفع ثمنها رفاق لهم، شهداء ومصابون؛ وكانوا هم أنفسهم شهداء أو مصابين محتملين.

  وما أن شعر الثوار بتباطؤ، في حقيق مطالب الجماهير ـ وأولها محاسبة المسئولين عن قتل نحو ألف من زملائهم وإصابة أكثر من ستة آلاف ـ حتى قرروا العودة إلى الميدان، رغم غياب فصيل سياسي مهم هو جماعة الأخوان التي فضلت، كعادتها، تمييز نفسها عن بقية الصف الوطني. وانضمت إلى المتشككين في الثوار ولاعنيهم حتى من فوق منابر المساجد. ولكنها خسرت رهانها في مليونيات باهرة كان أبرزها في أول ابريل وفي 27 مايو، اللتين نقلت عنهما وسائل الاعلام ووكالات الأنباء المحايدة صورا مذهلة للحشد والتنظيم المتحضر الدقيق في 18 محافظة. وفي جمعة الثامن من يوليو، قرر الإخوان ـ في اللحظة الأخيرة ـ المشاركة ( بعد أسبوع من الدعوة، وحدت فيه القوى الأخرى جهودها رغم اختلافها سياسيا، ونظمت حركة الميدان وأمنت المداخل وأعدت المستشفى الميداني وغير ذلك) واقتصرت مشاركتهم على إقامة منصة ضخمة التف حولها أنصارهم أمام عدسات التليفزيون، ثم انسحبوا في السادسة مساء رافضين اعتصامًا دعت له كافة القوى الأخرى. ومع احترام حقهم في رفض الاعتصام، أثار سلوك الجماعة في ذلك اليوم استياء الكثيرين من مبدأ "إما أركبها أو أخربها"، الذي هاجم بموجبه أفراد منها منصات الآخرين معتبرين أن شعار "ايد واحدة" يعني احتشاد الآخرين حول منصة واحدة هي منصة الجماعة. وفشلت جهودهم، في إقناع الجماهير العادية بفض الاعتصام. وخرجت القوى السياسية في مسيرات بالشوارع ؛ لتنضم إليها حشود غفيرة شاركت في الاعتصام. وبدا الميدان بعد رحيل الإخوان أكثر حشدا، وسادته مشاعر الألفة ووحدة الصف، وهو مناخ ساعد على جذب الآلاف بعد ذلك للانضمام الى الاعتصام الناجح حتى الآن.

ومع نجاح اعتصام الملايين في ميادين تحرير مصر؛ اشتدت حمى التشويه، سواء من أعداء الثورة، أو من الرفاق الذين قرروا الابتعاد عن الصف؛ مستغلين أخطاء  لا تخلو منها ثورة. ومتجاهلين أن حشود الملايين في الشوارع تضم أشخاصًا متفاوتي الثقافة والتعليم والوعي. وليس بمقدور أحد أن يضمن انفعالات جماهير تفجر غضبها بعد صبر عشرات السنين، أو يضبط ردود أفعالها على نوتة موسيقية واحدة. ولم يسمع أحد في التاريخ عن ثورة مهذبة لا يرتكب المشاركون فيها أخطاء. وبكافة المقاييس، تعتبر ثورتنا المصرية إعجازا في هذا الشأن لايستطيع إنكاره سوى مكابر.

وكما يعلمنا تاريخ الثورات؛ فإن من خرجوا مستعدين للتضحية بأرواحهم، لايتوقفون قبل تحقيق أهدافهم. ولايوجد ثائر حقيقي يتوقف بعد أيام من الثورة.  فلا يتخيلن أحد الثورة رحلة خلوية، أو حفلة تتوقف في المنتصف للاستراحة؛ وإنما معركة متواصلة لا تتوقف إلا بعد تحقيق النصر.  وتذكروا أن الجماهير الحقيقية غير المسيسة هي التي خرجت بعد يوم 28 يناير تحمي أبناءها الثوار، الحاملين لواء الذود عن حقوقها. وأن الملايين العشرين التي خرجت ليست أقلية بين أبنائ الشعب، فكل فرد من هذه الملايين لديه أسرة تناصره، وهو ما يعني أن أنصار الثورة هم الغالبية فعلا بين ابناء الشعب، لكن الجميع بطبيعة الحال لايمتلكون نفس القدرة على المخاطرة. ولايستطيع أحد أن يقف في وجه الجماهير؛ فإما الاستجابة إلى مطالبها، وإما أن تستمر في ثورتها حتى تنتزعها بأيديها، وفي هذه الحال سوف تتصاعد أساليبها وربما تصل إلى ما لم نكن نريد الوصول إليه. ويومها لايستطيع أحد أن يلوم جماهير تم استفزازها بالتحايل على مطالبها المشروعة. هكذا هي الثورات.. وهذا ما يعرفه كل من لديه أدنى معرفة بتاريخ الثورات في العالم.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل