المحتوى الرئيسى

"استعادة الروح والوطن"

07/18 10:45

بقلم: د. خالـــد فهمي

قراءة في ملامح القصيدة عند ثريا نبوي

(1) ثريا نبوي

وشعر ليس عابرَ سبيل

يوشك من يقرأ شعر الشاعرة المجيدة الأستاذة/ ثريا عبدالفتاح نبوي أن يستقر في وعيه ابتداء أنه أمام شعر مقيم وليس عابر سبيل، وهي العبارة التي تعني أننا أمام شاعرية متدفقة حقيقية، تأسر القارئ، وتدخله عالمها.

 

ويوشك الذين يتنسمون ما يهب من وراء تراكيب ثريا نبوي الشعرية من أنفاس قدسية في صورة معانٍ جليلةٍ أن يسخط من هذا العالم الذي قسا على اسم ثريا نبوي، فلم يحظ شعرها بما هو له أهل من الذيوع والشيوع والانتشار.

 

ولا أحب لأحد أن يرى في هذه الأسطر المتقدمة بعضا من فيض مجاملة، فذلك ما لا يصح سوقه بين يدي الكلمة، ولاسيما في زمن هو في أمس الحاجة إلى الكلمة الراشدة، بعد ما خان الكثيرون كل شيء، وخانوا الكلمة، وخانوا شرفها.

 

إن الشاعرة ثريا عبدالفتاح نبوي شاعرة كبيرة بحكم الرصيد الرائع الراقي من الشعر الفصيح الذي أبدعته قريحتها، ونظمته ملكتها.

 

وهو شعر ممتد بعد القصائد والدواوين، فهي شاعرة أنتجت ما يلي؛ وهي جميعا دواوين كبيرة تضم عددا كبيرا من القصائد:

 

(1) التراب المرتهن

(2) عذرا حبيبي المصطفى

(3) الشاطئ البعيد

(4) على ناي حزني

(5) العصفور الذي بكى

(6) عندما تبكي الديار

فضلا عن ديوان كتبته بالعامية المصرية وعنونت له بعنوان:

(7) كلام من خشب.

وهي شاعرة مجيدة صاحبة صوت منتم بحكم المنابر التي ارتادتها، ونشرت فيها قصائدها منذ فترة طويلة.

 

وهي شاعرة عرفت التنافس، فأخذت منه وعلت بقدر القصيدة عندها؛ بحكم ما نالته من جوائز.

 

وهي بعد ذلك شاعرة معروفة القدر بحكم عضويتها لعدد من الأندية والجمعيات والروابط الأدبية؛ من مثل عضويتها العاملة في رابطة الأدب الإسلامي العالمية.

 

(2) شاعرية تحترق بنبل الفكرة

إن فحص المنجز الشعري الفصيح للشاعرة ثريا عبدالفتاح نبوي يبين أن هذا الشعر يكاد يدور حول فكرة كبرى تنسرب أجزائها الصغار، وتفاصيلها الفرعية في بنية قصائدها جميعا.

 

وهي فكرة نبيلة تحترق بها التعابير الشعرية في القصائد جميعا، وتوجّه معجمها، وتراكيبها، وصورها، واستدعاءاتها الإنسانية، والمكانية.

 

ولست أبالغ إذا ما قررت أن الفكرة الأم التي تسيطر على بنية المعنى المركزي في دواوين الشاعرة جميعا يمكن أن تأخذ عنوانا ظاهرا، هو ما طفر في عنوان هذه القراءة تحت اسم: (استعادة الوطن .. استعادة الروح)، أو (استعادة الروح .. استعادة الوطن).

 

وهي الفكرة التي تسيطر على تصميم لغة القصائد التي حملت الدواوين أسماءها عناوين لها على الأقل.

 

ولعل في المفتتحات التالية، ما يبرهن على هذا الذي ندعيه؛ تقول الشاعرة في مفتتح قصيدتها: (التراب المرتهن) التي هي في أصلها معارضة لواحدة من القصائد المتميزة للشاعر المنتمي يوسف أبي القاسم الشريف:

 

• عربية كل المواجع في دمك

نارية تلك المواجع في دمي

فأنا أفتش في الدروب

وفي الخرائط عن وطن.

وثريا عبدالفتاح نبوي بهذه المعارضة توشك أن تعيد إلى الذاكرة غلبة الخنساء لحسان في محكمة النابغة الشعرية، يوم فاخرته، وأسقطت مفاخرته بقومه.

 

وهي التي تقول مؤكدة هذا الاحتراق بآلام الوطن وآلام الروح معا في قصيدتها: (عندما تبكي الديار):

 

• أيا أيها النهر الذي بالأسر سلم وارتضى

من تراه في دجى الليل نضا

عنك أثواب المعالي ومضى

دار ابن لقمان تعاني

وراءها تيك المعاني.

ويزداد اليقين بآلام الروح بسبب من آلام الوطن عندما يصل بكاء الشاعرة مداه في القصيدة نفسها، وهي تتذكر ماضيا ماجدا غاب في الحاضر بسبب من تآمر الغرباء، وعجز الأبناء، تقول:

 

• أمة دانت لها في المزن

إذ تعدو بشارات النماء

أمة قامت لها روما

وذلت كل أعناق البغاة.

ولم يكن الشعور بطغيان هذه الفكرة النبيلة وليد ما ظهر من هذا الذي نقلته لك من عددٍ من مطالع قصائدها، وإنما هو شعور يدعمه كذلك (معجم شعري) تتبدى مفرداته ظهيرا ينتصر لفكرة تقرر أن استعادة الروح سبيلها استعادة الوطن.

 

لقد امتلأت قصائد ثريا نبوي بمعجم كانت مفرداته الدوارة من قبيل:

(التراب/الخرائط/وطن/موطن/النهر/الديار/أمة ... إلخ) وهي جميعا مفردات مركزية تصرّح بهمّ القصيدة الأول عند الشاعرة.

 

والربط بين غربة الوطن وغربة الروح أمر ظاهر وليس خفيا، بمعنى أن الشعور بآلام الروح الإنسانية - التي هي ناتج المجد الممزق للوطن والأمة – لم يكن هاجسا فرضته القرائن التي استنبطتها القراءة لقصائد الدواوين، وإنما كان هذا الشعور وليد تصريح لا يخفى في بعض تراكيب القصائد، من مثل قولها في مطلع قصيدتها: (الشاطئ البعيد):

 

• روحي فدا غريب

يصارع الندم

فالشاطئ البعيد

النسيان والعدم

والنورس الحزين

يجاهد الحنين

أحلامه الغزيرة

تهمي على الجزيرة.

وهذه الفكرة كما تظهر فكرة من أصول الأفكار الرومانسية التي أخذت صبغة منتمية إلى الفكرة أو الروح الإسلامية حولتها من الجغرافيا الغربية التي صبغت الرومانسية بالحزن السلبي، والاحتراق الهارب من الحياة، إلى الوجدانية الإيجابية المتحرقة شوقا إلى مجد الوطن، والتذكير بأمجاده في سبيل استعادتها.

 

بهذين الدليلين يمكن أن تقتنع معي بأن ثمة روحًا تسعى الشاعرة ثريا نبوي جاهدة أن تستعيدها آمنة مطمئنة عن طريق بوابة استعادة الوطن الماجد النبيل.

 

(3) ملامح عصرية القصيدة في شعر ثريا نبوي

والذين يقرءون شعر الشاعرة ثريا نبوي يدهشهم تمتع القصيدة في دواوينها بعدد من ملامح العصرية والشاعرية معا، تجعلها قصيدتها بنتا للعصر الذي تعيشه ونعيشه معها.

 

في قصيدة ثريا نبوي نزوع ظاهر إلى الحكاية بما هي أثر من آثار تقارض الفنون، وتتمتع القصيدة القصصية في شعرها بروح شفيفة تعيد فيه الشاعرة التأكيد على حقيقة المرأة القاصّة، وهو الملمح الذي يبدو جليا في تصميم قصيدة (العصفور الذي بكى)، وبعض ملامح الحكي ظاهر منذ مطلع القصيدة التي تقول فيها:

 

• كان عصفور صغير قد تغنّى شارحًا

للإلف أسرار الجمال

كيف ينساب النسيم الحر ما بين الربى

أو عابثا شد الرحال

وتستمر في القصيدة علامات القص لدرجة تستحيي فيها الشاعرة عددا من العبارات المألوفة في مقام الحكي؛ من مثل قولها:

 

• ذات يوم ........

وفي ملمح ثانٍ تلجأ الشاعرة إلى تقنية استدعاء الشخصيات التراثية التي غلب عليها طابع الشخصيات الماجدة سواء كانت شخصيات إنسانية، أو شخصيات مكانية، من مثل استدعاء شخصيات: (المعتصم/وأبي حنيفة/والعز (سلطان العلماء)/والنووي) وهي جميعا يلفها مجال دلالي واحد يدعم فكرة المجد الذي كان أصلا أصيلا في تكوين هذه الأمة.

 

ومن مثل: (الغار (غار حراء)/وقريش/ومكة/ونهاوند/والمدائن/ودار ابن لقمان /وإيوان كسرى)؛  وهي جميعا أماكن ماجدة بما هي أساس للمجد وبنائه، كما يتجلى في المعاني الكامنة وراء توظيف (الغار) بما هو محط نزول الوحي الكريم، وهي كذلك جميعا أماكن ماجدة بما هي أثر من آثار الالتزام بهذا الذكر الحكيم، بما هي علامات على سيادة الدنيا؛ بما يظهر من قصص الفتوحات، بدءًا من فتح مكة ومرورًا بفتح نهاوند والمدائن وغيرهما؛ تقول:

 

• وفي بدر لكم عبرة

بأيدي المصطفى رمية

فشاهت أوجه

وتوضأت قربُ

وفي ملمح آخر تلجأ الشاعرة إلى التكافل مع عدد من النصوص المركزية في التراث الذي تحنو عليه، وتنتمي له، وهي تفعل ما يسمى في برنامج النقد الحديث (بالتناصّ) واعية بما تتناصّ معه، مدركة لمسوّغات هذا الاشتباك.

 

وقد تنوعت النصوص التي تناصّت معها لتتوزع على نصوص قرآنية وحديثية شريفة؛ من مثل قولها في مطلع قصيدتها: (عذرا حبيبي المصطفى):

 

• يا سيدي

نحن الذين أتت بهم

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل