المحتوى الرئيسى

جدلية العلاقة بين التخطيط الاستراتيجي والتفكير الاستراتيجي بقلم:علي بشار بكر اغوان

07/18 20:04

جدلية العلاقة بين التخطيط الاستراتيجي والتفكير الاستراتيجي

علي بشار بكر اغوان

طالب ماجستير

جامعة النهرين - كلية العلوم السياسية - قسم الاستراتيجية

مرحلة الكتابة

المقدمة :

... تطورات الدراسات في مجال التخطيط الاستراتيجي وشهدت نقلة نوعية متطورة سعى من خلالها الباحثين والمتخصصين إلى الارتقاء بالتخطيط الاستراتيجي والإعلاء من شأنه حيث أصبح هناك مفاهيم كثيرة وعديدة متداخلة معه ساعدت في اغنائه والرفع من شأنه وما لهذه المفاهيم من علاقة جدليه مع التخطيط الاستراتيجي ومن بينها التفكير الاستراتيجي وما لهذا الحقل من دور في تطوير العملية التخطيطية وجعلها أكثر علمية ودقة بعد أن أصيبت قبل ذالك بالعشوائية وعدم الدقة لذى فأن للتفكير الاستراتيجي علاقة جدلية وطيدة مع التخطيط الاستراتيجي وذلك من خلال الإضافة العلمية التي قدمها التفكير الاستراتيجي لعملية التخطيط من خلال استناده على بنى فكرية أساسية وقاعدة فلسفية نابعة من عمق تطلعات الدولة للنهوض بواقعها عن طريق التخطيط لمستقبلها القريب والمتوسط والبعيد.

فظاهرة التخطيط الاستراتيجي وفق ما أشارت إليه الدراسات العلمية قديمة الوجود قدم الإنسانية فقد غدت الإستراتيجية وبكافة المقاييس تمثل القوة المحركة والمسيرة للحركة والحياة من خلال ما تشتمل عليه من زيادة في فرص النجاح والعمل بالضد من الفشل.

فالإنسان كان قد وضع في مقدمة أهدافه هدف البقاء أمام جملة من المخاطر والتحديات التي كانت تمثلها البيئة الطبيعية المحيطة به . لذا كان لابد من إستراتيجية يعتمدها للتكيف أولا مع البيئة ومن ثم التمكن والسيطرة على البيئة ، وتسخيرها لخدمته وبما يصب في تحقيق الهدف في البقاء مضافاً إليه هدف آخر وهو مستوى المعيشة الأفضل . وأخذت تتطور ملامح الرؤية الإستراتيجية لدى الإنسان من خلال تطور حاجاته والتحديات التي تواجهه ، الأمر الذي دفعه إلى توسيع دائرة التفكير الاستراتيجي سواء عن طريق تنويع مصادر العيش وتحسين مستواه وتحقيق الاتصال بالآخرين والدفاع عن نفسه ضد الأعداء والسعي الجمعي لبناء القرية ومن ثم المدينة فالدولة . من زاوية أخرى نجد أن الرؤية وملامح التفكير الاستراتيجي كانت موجودة كذلك لدى الأنبياء والرسل الذين حملوا رسالات سماوية ، هنا نجد نبي الله نوح ( عليه السلام ) الذي رسم إستراتيجية بعيدة المدى لمواجهة خطر الطوفان وبدء بتنفيذها من خلال زرع الأشجار التي استفاد منها لاحقاً بصنع السفينة التي سوف يستخدمها في مواجهة خطر الطوفان ، وامتد هذا البعد الاستراتيجي ليشمل ليس فقط الجانب المادي من رسالة الأنبياء وإنما شمل كذلك الجانب الفكري حيث حملوا فكراً ومنهجاً استراتيجياً في الدعوة إلى تحقيق الأهداف السماوية المتجسدة في الرسالة الإلهية إلى البشر.

الأهمية : تتكون أهمية الموضوع من أن للتخطيط الاستراتيجي والتفكير الاستراتيجي هما محوران أساسيان لا يمكن أن يستغنيان عن بعضهما حيث تربطهما علاقة وثيقة وقوية نابعة من حاجة المفهومين إلى التمازج والتلاقح لكي تتولد لدينا خطط إستراتيجية ناجحة نابعة من فكر ناضج لذلك أن التخطيط الاستراتيجي الناجح هو الذي يقوم على أسس فكرية إستراتيجية نابعة من فلسفة الدولة ، لذى فأن هذه العلاقة الجدلية مابين المفهومين هي علاقة تعاضديه قائمة على مبدأ الوجهان للعملة الواحدة .

الإشكالية : للدراسة إشكالية وهي تنبع من خلال تحديد من هو الأسبق هل الفكر الاستراتيجي أم التخطيط الإستراتيجي وهذه الإشكالية متولدة من خلال التداخل ما بين المفهومين اللذان لا يكادان ينفصلان عن بعضهما في أي عملية إستراتيجية ناجحة وهذه الإشكالية تطرح نفسها وبقوة وتدفعنا إلى البحث والتحري لكي نصل الى الحقيقة أو أجزاء منها.

الفرضية : تفترض الدراسة ان للتخطيط الاستراتيجي والتفكير الاستراتيجي علاقة متداخلة وهذه العلاقة قائمة على أساس ان أحداهما يكمل الأخر فأن هذا الافتراض متولد من العلاقة التعاضدية مابين المفهومين حيث ان الفكر الاستراتيجي هو الأسبق من التخطيط الاستراتيجي وهذا الكلام يسحبنا الى طرح التساؤلات الآتية لكي نبرهن على هذا الافتراض ونثبت صحته او خطئه او نعدله وهي كالأتي :

(1) ما هو مفهوم التخطيط الاستراتيجي والتفكير الاستراتيجي؟؟

(2) هل للتخطيط والتفكير الاستراتيجي علاقة تجادليه وما هي طبيعة هذه العلاقة؟؟

(3) كيف يمكننا ان نميز من الأسبق هل التخطيط الاستراتيجي ام التفكير الاستراتيجي ؟؟

(4) وهل يمكننا ان نخطط دون ان نفكر !!!؟؟؟


الهيكلية :

المحور الأول

في مفهوم التخطيط والتفكير الاستراتيجي


المحور الثاني

طبيعة العلاقة ما بين التخطيط والتفكير الاستراتيجي




المحور الأول

في مفهوم التخطيط والتفكير الاستراتيجي :

تختلف الحكومات في درجة اهتمامها في عملية التخطيط الاستراتيجي حيث يتوقف هذا النوع من التخطيط ومستواه ومداه على وفق طبيعة النظام السياسي والاديولوجي والقيم السياسة والاجتماعية والاقتصادية الداخلية والخارجية وهذا الكرام يدل على العلاقة الجدلية ما بين الفكر الاستراتيجي والتخطيط الاستراتيجي الذي ينبع من الأسس الفكرية للدولة على الرغم من أننا تناول مفهوم التخطيط الاستراتيجي في المحاضرات السابقة إلا ان طبيعة الموضوع اقتضت بأن نقدم توطئة صغيرة عن مفهوم التخطيط الاستراتيجي لكي يكون لنا المدخل والبوابة للتفكير الاستراتيجي ودراسة طبيعة العلاقة ما بين المفهومين وعلى هذا الاساس سوف نعرف التخطيط الاستراتيجي ومن ثم نعرف التفكير الاستراتيجي. (1)فالبعض يرى ان التخطيط هو عملية إدارية تكفل إيجاد البدائل والاختيار فيما بينها في مجال الأهداف.(2)

وتعرفه الموسوعة السياسة على انه تحديد الاهداف القومية الشاملة للدولة التي يجب ان يحققها مجتمع ما (الدولة) خلال مدة زمنية محددة مع تحديد الادوات والوسائل اللازمة لتحقيق الاهداف ووضع الوسائل والامكانات وضع التنفيذ.(3) ويعرف التخطيط ايضا بانه اسلوب علمي وعملي للربط بين الاهداف والوسائل المستخدمة لتحقيقها ، ورسم معالم الطريق الذي يحدد جميع القرارات والسياسات وكيفية تنفيذها ومحاولة التحكم بالاحداث عن طريق اتباع سياسات مدروسة محددة الاهداف والنتائج .(4)

وتعرفه وودودة بدران بأنه احد مظاهر المجتمع المعاصر ويقصد به تحديد الاهداف التي يسعى إليها هذا المجتمع سواءا أكانت هذه الاهداف سياسية ام اقتصادية ام اجتماعية عبر وضع خطة قريبة او متوسطة او بعيدة المدى.(5) ويعرفه برجنسكي على انه هو الفهم الصحيح للتطور التاريخي . (6)

اما فيما يخص التفكير الاستراتيجي فأن هناك ايضا الكثير من التعريفات واهمها هو ما ذكره الأستاذ منعم العمار على انه هو مسار فكري وعقلي محدد او قناة فكرية تبث وتستقبل صورا وأفكارا تتناسب مع الهدف المنشود تعمل على فلترة المعلومات الواردة الى الذهن وتقوم بفلترتها وتنقيتها من الشوائب. وايضا هو مجموعة التأملات الفكرية والإطلالات العقلية والذهنية التي تحدث في الذهن لكي تصوغ لنا أفكار وقيم جديدة .(7) وأيضا الفكر الاستراتيجي المعاصر يشارك في "إزالة الأوهام" عن العالم، وقد حلله السيسيولوجيون منذ "ماكس فيبر" و أسس على الفصل بين النشاطات الإنسانية و محاولة عقلنتها.(8)

وايضا هناك تعريف أخر للفكر الاستراتيجي والذي ينص على انه هو جميع الرؤى والتطلعات والأفكار النابعة من العقيدة الفلسفية للمفكر الاستراتيجي الذي يتقلب في بواطن الأفكار لكي يصوغ لنا هدفا استراتيجيا ذو قيمة عالية.


المحور الثاني

جدلية العلاقة ما بين التخطيط والتفكير لاستراتيجي

ترتبط عملية التخطيط الاستراتيجي بشروط عدة مهمة تتوقف عليها فرص نجاح التخطيط الاستراتيجي وعدم الأخذ بها يقود الى التلكؤ ومن ثم الفشل ومن هذا المنطلق اختلف الدارسون للتخطيط في تحديد شروطه الا انه درجوا على تثبيت اهمها واكثرها التصاقا بمراحل التخطيط الاستراتيجي اذ أكدوا ان عملة التخطيط الاستراتيجي يجب ان تسبق بعملية التفكير الاستراتيجي.(9)اذ يشترط في المخطط الاستراتيجي ان يمتاز بخزين واسع من الأفكار والمعلومات ولديه ملكه فكرية إستراتيجية وقد قال بوب جارلت مرتكزات اساسية في التفكير الاستراتيجي تعد شروطا ضرورية في المخطط الاستراتيجي حتى يضمن النجاح في مراحل التخطيط وفق رؤيته الاستراتيجية وهي كالأتي :

(1) النظرة في اتجاه المستقبل مع إدراك جذوره في الماضي وبالتالي وإجراء محاولات تنبؤ تعتمد على الوعي والإدراك .

(2) رؤية شاملة على جميع الاهداف العليا والدنيا بجانب الاهتمام بتفصيلها وإجراءات الوصول إليها

(3) الإبداع في الإدراك الاستراتيجي ضروري أي بالنظر الى مسار التخطيط بشي من الحذر تحسبا لحالات ومتغيرات غير متوقعة .

(4) النظرة البعيدة متجاوزا النظرة الى المستقبل والتنبؤ به الى نظرة تعبر عن عملية لبناء المستقبل.(10)

(5) ان يكون التفكير أساسا لاكتشاف الفرص واستغلالها في الحاضر والمستقبل (11)


فالتخطيط الاستراتيجي هو مرحلة من مراحل العملية الادارية وهي رؤية للمستقبل او التنبؤ به وهذا يتطلب تفكيرا استراتيجيا عميقا ودقيقا لما يمكن ان يكون او يجب ان يكون في المستقبل بمعنى اخر تحديد الهدف الواجب تحقيقه.(12)


ومن هنا نستنتج ان للفكر الاستراتيجي دور في عملية صياغة أهداف الدول والتخطيط لها عن طريق المزج ما بين هذين المفهومين لكي تتولد لنا علاقة جدلية ما بين الفكر والتخطيط الاستراتيجي حيث يوفر الفكر الاستراتيجي الأرضية الصلبة التي يبنى عليها التخطيط المستند على اسس علمية رصينة قائمة من تجارب الشعوب وتاريخها الطويل وهنا تكمن طبيعة العلاقة ما بين المفهومين حيث ان الفكر الاستراتيجي هو الذي يولد منه التخطيط السليم لان عملية التخطيط هي عملية لاحقة للتفكير الاستراتيجي حيث ان عملية التفكير الاستراتيجي هي عملية ذهنية عقلية غير مرئية قائمة في العقل بينما ان عملية التخطيط الاستراتيجي هي عملية قائمة على تحركات فعلية عن طريق رصد الموارد والامكانات التي يحتاجها هدف ما لكي توصل الى الغاية المبتغى الوصول إليها وكذلك العملية التقويمية التي تحدث إثناء فترة التخطيط عن طريق تقويم الأمور الغير واقعية وتعديلها قبل الشروع في عملية التنفيذ.

لذى فأن هذه العلاقة الجدلية ما بين التخطيط الاستراتيجي والتفكير الاستراتيجي تغني طبيعة التخطيط وترتقي به الى أعلى المناص من خلال رفده بكل الأمور التي تساعده على تقويم عمل المخطط الاستراتيجي فلا يمكن للمخطط الاستراتيجي ان يكون ناجحاً الا إذا كان مفكرا استراتيجيا ناجحاً .

وعلى هذا الاساس فأن عملية التفكير الاستراتيجي هي الأسبق من عملية التخطيط الاستراتيجي لان الفكرة عندما تولد ، تولد جزية ثم ما تلبث الى ان تتحول مع مرور الزمن الى مجموعة أفكار متناسقة يعمل المفكر الناجح على تأطيرها في اطار معرفي لكي يصوغها لنا على شكل خطة استراتيجية قصيرة او متوسطة او بعيدة المدى وهذه الخطة هي وليدة الفكرة المتطورة التي أصبحت فيما بعد خطة مقومة من قبل المفكر الاستراتيجي حيث يقوم بأختبار صلاحيتها وتعديلها بما يتماشى مع الإمكانات المتاحة للهدف المراد تحقيقه كغاية نهائية.

ومن خلال ذلك يمكننا ان نلاحظ من بين كل الذي سبق ان عملية التفكير لاستراتيجي هي العملية الأولى التي تسبق عملية التخطيط الاستراتيجي ،حيث لا يمكن ان يكون هناك تخطيط استراتيجي دون ان يكون هناك تفكير سابق لما نريد ان نخطط أي ان الفكرة هي التي تذهب الى صياغة الخطة وليس الخطة هي التي تولد الفكرة.وهذا الحديث يدل على ان كل خطة استراتيجية ناجحة بدأت بعملية تفكيرية ذهنية من قبل المفكر الاستراتيجي وانتهت بوضع خطة استراتيجية ناجحة ،ويجب ان نشير الى النسبية التي تتمتع بها الخطط الاستراتيجية وذلك لان المفكر الاستراتيجي مهمى عمل على سد جميع الفراغات والثغرات الموجودة في فكرته الا انها تبقى تحمل معها امور سلبية تظهر في العملية التخطيطية .


الخاتمة :

ان الحديث انف الذكر يوضح جدلية العلاقة ما بين التخطيط الاستراتيجي والتفكير الاستراتيجي ويعرض إلية العلاقة المتبادلة ما بين المفهومين ، حيث توصلنا الى ان اسس العملية التخطيطية الناجحة تقوم على فكر استراتيجي ناضج وبناء غايته تقويم العلملية التخطيطية ، وكذلك فان لا يمكن لنا ان نتصور ان هناك عملية تخطيطية لا تستند الى اسس فكرية حتى باصغر الامور الذي يقوم بها الانسان بمعنى ان التخطيط هو نتاج عن التفكير الذي يحدث ذهنيا ويترجم على شكل خطط عملية ونظرية ، لهذا فأن التخطيط ذو علاقة جدلية مع التفكير الاستراتيجي .



أهم أخبار مصر

Comments

عاجل