المحتوى الرئيسى

الشيخ الفوزان والشيخ ابن عثيمين

07/18 04:20

بدرية البشر

اعتبر عضو هيئة كبار العلماء الشيخ صالح الفوزان أن «تزويج الصغيرة التي دون البلوغ من كفء سائغ إجماعاً». الشيخ الفوزان لا يعتبر أن هذا الرأي هو رؤية فقهية يجوز الاختلاف فيها، بل اعتبر أن كل من يدعي بعدم جوازه من المخالفين للشرع. أنا شخصياً لا أخوض في هذه المسألة من باب فقهي، ولن استحضر آراء الأئمة القائلين بخلاف ذلك، لكنني أريد أن أسأله إن كان الشيخ صالح بن عثيمين - رحمه الله - الذي يخالفه الرأي تنطبق عليه تهمة أنه من المخالفين للشريعة؟ ففي آخر الشريط السادس من شرح صحيح البخاري يورد ابن عثيمين منع تزويج الصغيرة، وأن ذلك متعين، ولكل وقت حكمه، إذ يقول رحمه الله: «الذي يظهر لي أنه من الناحية الانضباطية في الوقت الحاضر، أن يمنع الأب من تزويج ابنته مطلقاً، حتى تبلغ وتستأذن، وكم من امرأة زوجها أبوها بغير رضاها، فلما عرفت وأتعبها زوجها قالت لأهلها: إما أن تفكوني من هذا الرجل، وإلا أحرقت نفسي، وهذا كثير ما يقع، لأنهم لا يراعون مصلحة البنت، وإنما يراعون مصلحة أنفسهم فقط، فمنع هذا عندي في الوقت الحاضر متعين، ولكل وقت حكمه». الشيخ الفوزان لم ينظر إلى الأخذ بالأقوال المخالفة بالتأكيد من أصحاب العلم الشرعي، ولم يأبه بقرار مجلس الشورى، الذي وافق على تنظيم يقتضي بمنع زواج السعودية أو السعودي من ابنة خاله العربية المسلمة على رغم أن هذا جائز شرعاً، لكنه عنى تحديداً ما تنشره الصحافة والصحافيين من فتح ملف زواج الصغيرات، ومعالجة ظاهرة المتاجرة بالفتيات من آباء غير مسؤولين، واعتبر أن هذه الصحافة تخوض في ما ليس لها به علم.

دائماً يأتي الحديث عن الصحافة والصحافيون وكأنهم كتيبة غازية هبطت على أرضنا وفق مخطط تخريبي يستهدف النساء وإخراجهن من الدين. ينسى كثيرون أن الصحافيين والصحافيات هم أمهات وآباء وأزواج وزوجات وإخوة وأخوات، وهم قبل كل هذا مواطنين ومواطنات. أنا شخصياً يهمني الحديث في موضوع مثل هذا الموضوع لأنني أفكر في مستقبل ابنتي وبناتها، هذا عدا دوري كمتخصصة في علم الاجتماع، أوظف ما أعرفه لصالح مجتمعي.

المعلومات التي تنشرها منظمات صحية واجتماعية عالمية تشير إلى أن زواج الصغيرات يعرضهن لمخاطر تنتج عن الحمل والولادة ومباشرة العلاقة الجنسية في وقت لم يكتمل فيه نموهن، وقد تصل هذه المخاطر للموت أو أمراض مزمنة، عدا الأعراض النفسية المدمرة التي تعيشها طفلة لم تتجاوز الطفولة في سياق مثل سياقنا اليوم، فمن في سنها يلعب ويتعلم، بينما هي تحمل مسؤوليات الكبار، كما أن الأم الطفلة التي اختطفت من طفولتها لا تعيش أمومتها بشكل سوي، بل تحمل شعوراً متنامياً بالظلم. وقد أثبتت الإحصاءات أن معظم الأطفال الذين يتعرضون للعنف غالبية أمهاتهم هن أمهات تم تزويجهن في الصغر. هذه الإحصاءات لا تتحامل على مجتمع ولا على دين، فهي دراسات تعني بمجتمعات مثل الهند وأفريقيا وآسيا التي تنتشر بها مثل هذه الأعراف.

من هذه المنطلقات يتحدث كثير منا، من منطلق المصلحة الإنسانية للطفلة «الإنسان»، ومن منطلق المصلحة الاجتماعية للمجتمع، ومن منطلق مصلحة الدولة كي تحظى بمواطن مستقر الشخصية، خال من التشوهات، بل حتى من المصلحة الاقتصادية، فالأمراض التي يتسبب بها زواج الصغيرات تكلف الدولة الكثير لعلاجها.حين يصبح القول بعدم منع زواج الصغيرات ليس مجرد رأي، بل تهديد وتوجه للمخالفين بأنهم مخالفين للشرع، فإن هذا يجعل الأمر ليس مجرد ممارسات آباء فردية، ولا تفكير جمعي ينظر للنساء باعتبارهن سلعاً لا تصلح إلا للاستهلاك الجنسي، بل خطاب يفرض نفسه بالقوة، ويرفض التصالح مع مصالح مجتمعه، ويرفض تنظيمات مؤسساته، وإن كانت المسألة تتعلق برخصة موجودة في الدين، فهل بالإمكان أن يخرج علينا اليوم من يطالب بأن لا تقف التنظيمات الحديثة أمام استرقاق الناس بدعوى أن تحريم الرق مخالف للشرع؟

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل