المحتوى الرئيسى

أخطر تنظيم للإخوان

07/18 14:55

بقلم: وليد رمضان الشهبة

حين يتكلم البعض عن قوة جماعة الإخوان المسلمين يؤيد عرضه هذا بحيثيات يجدها جديرة بتحقيق هذه القوة، منها: انتشارها في جذور المجتمع، وقدرتها على حشد الجماهير، وتفاني رجالها في خدمتها، ووجود التنظيم الإداري الذي يربط أعضاءها على مستوى القطر الواحد أو حتى التنظيم العالمي- إن وجد- وحجم تمويله الضخم الذي طالما أقلق الكثيرين، وربما كانت هذه أيضًا حيثيات بعض الإخوان للأسف الشديد.

 

والحقيقة أن كل ما سبق- على أهميته- ليس هو موطن القوة الحقيقية لهذه الجماعة، بل إنني أرى أن كل ما سبق لا يعدو كونه عملاً تنظيميًّا يمكن لأي اتجاه سياسي أن يحققه طالما أخذ بمقوماته، فهي كلها مكتسبات تنظيمية يسهل تحقيقها إذا توفر لها من يقوم بها.

 

إن التنظيم الأقوى والأخطر للإخوان حقًّا هو التنظيم العالمي لهذه القلوب التي انصهرت وتفانت في خدمة دينها ودعوتها، والخطر الذي نتحدث عنه ليس خطر على الدولة أو المواطنين، بل إنهم معه على خطر عظيم؛ لأن فيه بقاؤهم وقوتهم الحقيقية.

 

ومواطن القوة في هذا التنظيم كثيرة وجلية، ومنها: أنه يستعصي على كل محاولات التقسيم، ولكونه يستحيل اختراقه من أي جهة كانت، وهو يربط كل فرد من أعضائه بباقي أعضاء التنظيم على مستوى العالم أجمع، كما أنه تنظيم غير مرئي، ولأنه لا يتوفر لأي تيار آخر إلا إذا بني على تقوى من الله ورضوان من أول يوم، ولأنه يجمع الكثيرين على اختلاف الزمان والمكان والجنس واللغة: روحًا، وقلبًا، وعقلاً، ووجدانًا، وفكرًا، وتنظيمًا، وهدفًا.

 

الحقيقة –أيها الإخوان- أن الأخوة هي موطن القوة في جماعتكم، والمعين الذي منه تنهلون، والركن الذي إليه تؤون. إن الرابطة التي تربط الإخوان في كل زمان ومكان أقوى تنظيم حققه الإخوان المسلمون على مدار وجودهم؛ فيه يسيرون، ومنه ينطلقون، وعليه يحيون، وفي سبيله يضحون، وعليه يموتون مهما اختلفت آراؤهم حول معالجة بعض الأمور.

 

لذلك نجد الإمام الشهيد حسن البنا يولي اهتمامًا كبيرًا بهذا التنظيم؛ فقد جعل الأخوة ركنًا من الأركان العشر لبيعة الإخوان المسلمين التي لا تنعقد بغير اكتمال أركانها، فهو يقول عن هذا الركن: "وأريد بالأخوة: أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة، والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها، والأخوة أخت الإيمان، والتفرق أخو الكفر، وأول القوة: قوة الوحدة، ولا وحدة بغير حب، وأقل الحب: سلامة الصدر، وأعلاه: مرتبة الإيثار.. والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه؛ لأنه إن لم يكن بهم، فلن يكون بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره".

 

هذا هو التنظيم الحقيقي والأقوى للإخوان؛ فهو موطن قوتهم، وإكسير حياتهم، ومادة وجودهم، ولذلك "كان من أصول الإصلاح الاجتماعي الكامل الذي جاء به الإسلام: إعلان الأخوة بين الناس".

 

وحين يرمي البعضُ الإخوانَ بتهمة العنف واللجوء إلى السلاح، نجد الإمام الشهيد حين يتكلم عن القوة، ويضع مراتبها يقول: ".. فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة: قوة العقيدة والإيمان, ثم يلي ذلك قوة الوحدة والارتباط, ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح, ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعًا, وأنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال، مضطربة النظام، أو ضعيفة العقيدة، خامدة الإيمان، فسيكون مصيرها الفناء والهلاك".

 

فمراتب القوة على الترتيب والتوالي: قوة العقيدة، وقوة الوحدة والأخوة، وقوة الساعد والسلاح، وقد استنبط ذلك من فعله– صلى الله عليه وسلم- حين دخل المدينة، فكان أول ما صنع: بناء المسجد ليكون تحقيقًا للبناء العقدي، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار ليحقق بذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم عقد معاهدة مع يهود، وأخذ يدرب المسلمين على القتال.

 

وفي سبيل تحقيق هذا التنظيم القلبي حرص الإمام البنا على جعله محور الأسرة في جماعة الإخوان المسلمين؛ فعندما شرع في بناء الأسرة جعل لهذا البناء التربوي أركانًا ثلاثة: التعارف والتفاهم والتكافل؛ ليتحقق بذلك مفهوم الجسد الواحد على الأسرة، وليجتر ذلك تطبيقًا عمليًّا على أرض الواقع.

 

ولأن الإمام البنا كان يعلم قوة الأخوة، ويعمل على تحقيقها، فقد كانت وصيته للإخوان: "والله ما أخشى عليكم الدنيا مجتمعة، فأنتم عليها أقدر، وإنما أخشى ما أخشاه عليكم أمرين: أن تنسوا ربكم فيكلكم إلى أنفسكم، أو أن تنسوا أخوتكم فيصير بأسكم بينكم شديدًا"، وهو بذلك يقرأ قول الله تعالى: "يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم" [الأنفال: 1].

 

فاتقوا الله: لا تنسوا ربكم، وأصلحوا ذات بينكم: لا تنسوا أخوتكم.

 

وآثار هذا التنظيم على أرض الواقع ظاهرة جلية، فيكفي أن يلتقي اثنان من الإخوان قدرًا ولأول مرة، لتجد ترابطًا قلبيًّا وروحيًّا ليس له مثيل، وتجد التقارب في التفكير والوجدان والتفاهم وكأنهما ولدا وتربيا معًا، وهم أكثر الناس حرصًا على التعارف فيما بينهم، وهم الذين يشتاق بعضهم إلى بعض دون أن يكونوا قد التقوا مسبقًا، وهم الذين تهفو قلوبهم إلى خدمة إخوانهم، وتقديم مصلحة إخوانهم على مصالحهم الشخصية، وهم الذين يحرصون على تفقد إخوانهم، والوقوف جانبهم في السراء والضراء دون معرفة مسبقة، فقط لأنهم من الإخوان، إنها: تلك الطمأنينة الأبدية التي تملأ قلبك.. أن سيفين سيفك.. صوتين صوتك، كما قال شاعرنا أمل دنقل.

 

وأظهر دليل على قوة هذا التنظيم هو أن يوم الإخوان في كل زمان ومكان يتقارب كثيرًا بحيث يمكن أن نعده يومًا واحدًا؛ فكلهم يبدأ يومه بركعتين قبل الفجر، وبعد الفجر يجلسون لتلاوة وردهم في كتاب الله، ثم يقرؤون المأثورات التي تتجلى فيها وحدة القلوب والعقول؛ فإذا بدأ أخوان الأذكار في بلدين مختلفين فإنهما ينتهيان منها في وقت واحد، بل إن وقفاتهم في تلاوتهم واستئنافهم واحد، وكأنه انسجام روحي لا تستطيع قوة أن تعطله، ثم هم يحرصون على قراءة هذه المأثورات في المساء، ثم يتبعونها بورد الرابطة الذي يقوى رابطتهم، ويزيد وحدتهم، وكل ذلك الترابط نعنيه بقولنا: إذا عطس الأخ في أسوان قال له أخوه الذي في الإسكندرية: يرحمك الله.

 

ومن المواقف الكثيرة التي تجلت فيها قوة هذا التنظيم أنه خلال زيارتي الأولى إلى مرسى مطروح أحسست بالغربة، ولكن بمجرد أن قابلت أحد الإخوان حتى انشرح صدري، وأحسست أني ولدت في مطروح، وقد اطمأن قلبي، وزادت ثقتي، وزالت المسافات بيني وبين أخي حتى نظرت إليه نظرة حانية وقلت له: "يا واد يا معاذ"، فقط لأنه يصغرني سنًا، رغم أنه مهندس، ليرد عليّ بابتسامة قلبية صافية: "نعم يا أستاذ وليد"، وقتها لمست هذه النعمة فهتفت: الحمد لله على نعمة الإخوان، وما أعظمها من نعمة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل