المحتوى الرئيسى

هويدا طه : الثورة مستمرة .. والمنافقون يمتنعون

07/17 12:12

لا ضرورة لتكرار الحديث عن مبدأ هام قال به الكثيرون مرارا وكنت من ضمنهم.. مبدأ التمييز بين القوات المسلحة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، القوات المسلحة جيشنا نحترمه من طرفنا كشعب.. ويعرف من طرفه واجبه الوحيد الأوحد: حماية مصر أرضا وشعبا من أعداء الخارج، أما المجلس الأعلى فهو جمع من الرجال ذوي الرتب الأعلى في الجيش، قدموا أنفسهم للشعب باعتبارهم الحماة لثورته ودليلهم أنهم رفضوا قتل الشعب حين أمروا، إذن الحديث عنهم (ليس حديثا عن جيشنا) الذي نحترمه لحمايتنا من أعداء الخارج، أما أعداء الداخل فشيء آخر.. نحتاج بشأنهم إلى أدوات حماية مختلفة.. ليس منها قوات وسلاح..

** رجال المجلس الأعلى مع احترامنا لشخصهم، كانوا موجودين طوال العقود الماضية تحت إمرة مبارك ويدينون له بالولاء، فنظام مبارك لم يكن يبقي أبدا على مسؤول إلا إذا أثبت ولاءً بيناً لشخص الرئيس، وحتى عندما تسرب عنهم أنهم (تململوا) من بشائر مشروع التوريث البغيض.. لم يبد منهم أي محاولة لإيقافه.. بل تحرك الشعب للإطاحة بذلك المشروع الخبيث فتنفس العسكر الصعداء.. وعند تلك اللحظة بالذات انحازوا إلى الشعب في ثورته، فكانت فترة الحب الرومانسية بين الشعب والمجلس العسكري في البداية.. ثم سرعان ما بدأ (الزئير) بين الطرفين.. الشعب والمجلس،

** المجلس أراد (الاكتفاء) بإزاحة الوريث ورفاقه الفاسدين.. ولعلكم تلاحظون أنه لا يتطرق إلى (اسقاط النظام) في بياناته.. ولا يبدو من مواقفه أنه (يرغب) في اسقاط نظام هو نفسه كان ينتمي إليه.. بينما قطاع كبير من الشعب (فطن) إلى ذلك مع الوقت.. حيث ظهر عزوف المجلس عن التغيير الجذري في إحاطة المخلوع الفاسد بالرعاية في منتجع شرم الشيخ.. ثم في الاستهانة بلوعة أسر الشهداء المطالبة بقصاص عادل.. ثم المحاكمات العسكرية للثوار.. ثم إحجامه عن الرد على التشكيك في مدى انحيازه بالفعل لمطالب الثورة.. هل رد المجلس مثلا على الشكوك الشعبية حول مكان مبارك الحقيقي أو ظروف الرفاهية التي تروى عن محبس العادلي ونجلي مبارك؟.. هذه سلوكيات لا تفهم ممن يقول بأنه يحمي الثورة..

** كثير من المواطنين في البدء رفض تصديق نظرية أن بالأمر تواطئا في شكل تباطؤ.. واختلطت قراءة الواقع بالعواطف وبمخاوف من أن تتعرى الدولة.. بعد أن أصبح الجيش الحائط الأخير كما تم تصويره.. حتى أن مواطنا قال بذكاء:” علاقة مصر بالمجلس زي الزوجة اللي عارفة إن جوزها بيخونها بس ساكتة عشان متخربش البيت”! لكن مع الوقت بدأ كثير من المواطنين يقر وهو حزين بأن مواجهة مع بطء العسكر آتية لا ريب.. وبدأت تتردد بصوت عالٍ عبارة (مبارك ماسك إيه على رجالة المجلس) وزادت وتيرة الشكوك مع (تعمد) المجلس تجاهلها، حتى أصبح السؤال: (سكوت المجلس عن الرد على الارتياب فيه: ناجم عن تعالٍ على الشعب أم عن خوف من افتضاح حقيقة ولائه؟)، وعندما ألقى اللواء الفنجري (بيان التهديد) ظهر موقف المجلس حين حرض المواطنين على الثوار ووصفهم وهم القابضين على جمر الثورة بأنهم (خونة) ، ثم تصاعد السؤال فأصبح: من هو الخائن.. ثوار يحلمون بتطهير حقيقي لمصر أم من يريدون (الاكتفاء بجزء من الثورة).. ولا يبدون حماسا لوصول الثورة إلى مداها الذي اندلعت لأجله: الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية؟

** إذا كان الثوار خونة فما هو وصف من يسلطون إعلاما منافقا كذوبا كي يثير كراهية عموم الشعب ضد الثورة والثوار؟ هل الثوار خونة وهم الذين لم يهرولوا إلى فتات المكاسب المزيف؟ والذين استمروا يدافعون عن ثورة تاريخية يراد تقزيمها إلى مجرد حركة إصلاحية؟.. عموما كل الثورات العظمى هرول فيها بعض الشركاء نحو فتات السلطة بعد تحقيق النصر في أول جولة.. ودون انتظار انتهاء كامل المعركة، لكن أيضا بقي فيها ثوار حقيقيون ناضلوا حتى النفس الأخير، وهذا ما لم يصل بعد للناس لأنهم (أسرى) إعلام ينافق المجلس أو يسعى وراء مصالح ليس لعموم الشعب فيها نصيب..

** ومن هؤلاء الشركاء المهرولين نحو فتات السلطة: الجماعات المتأسلمة بمختلف أطيافها، (متأسلمة) لأنه (من غير المقبول) أن تعتبر نفسها أو يعتبرها أي أحد الممثل الوحيد للإسلام فالإسلام ملك للجميع.. ونقد سلوكها الانتهازي ليس نقدا للدين.. الذي هو ليس محل صراع هنا بأي حال من الأحوال.. لا مجال للمزايدة الدينية هنا.. ومن غير المقبول أن يخرج علينا أحد واصفا من يرفض الموقف السياسي لهؤلاء المتأسلمين بأنه ضد الإسلام، هذا التهديد بل هذا (التهويش) لن نتوقف عنده، لكننا نتوقف عند موقفهم (غير النبيل) من ثورة شاركوا فيها في البدء (حتى وإن جاءت تلك المشاركة بعد تردد موثق لا يمكنهم نكرانه)، لكن أن يعلن الدكتور عصام العريان وهو قطب من أقطاب جماعة الإخوان أن المعتصمين في التحرير ما هم إلا (صوت زاعق) وأنهم (ليسوا وكلاءً عن الشعب) ويحرض عليهم مجلس العسكر فهذا شيء غير مقبول.. يادكتور العريان هؤلاء الصامدون ضد بلطجية المنتفعين وضد بقايا نظام لا يريد أن يسلم ويموت.. هؤلاء الصامدون رغم قسوة المحاكمات العسكرية التي تعرفها.. هؤلاء الذين لم يهرولوا إلى نفاق العسكر.. هؤلاء الشباب ليسوا (شيئا) زاعقا وليسوا كماً مهملا.. هؤلاء يدافعون عن حقي وحقك وحق الجميع بمن فيهم المتلهفون للوصول إلى السلطة، وبينما تملك البعض الغرور حتى باتوا يقذفون بالتصريحات وكأن وصولهم إلى السلطة (أمر مسلم به)، هناك أيضا شباب يحلم بالحرية في حين يقول عنهم البعض أنهم.. أصوات زاعقة، يالبؤس المنافقين..

** وهنا لابد من الحديث قليلا عن الانتخابات التي يستميت المتأسلمون في عقدها الليلة قبل الغد! لماذا هذا (الجزم) بأنكم ستكونون فيها الفائزين؟! لو أن لديكم احتراما للإرادة الشعبية التي (تتاجرون بها) لانتظرتم النتائج بدلا من الحديث عن السلطة القادمة (بضمير المتكلم)!.. لن نسمح سوف نفعل سوف نصدر سوف نؤسس.. الخ! هذا شيء ملفت للنظر حقا.. إلا إذا.. إلا إذا كان هناك (إعداد في الخفاء لتزويرها)! والتزوير ليس فقط مجرد (تسويد أوراق التصويت في الصناديق).. التزوير قد يكون بتشويه الآخرين أو برشوة بعض المصوتين أو بعقد الصفقات أو بتكفير الرؤى الأخرى أو تخوينها أو أو.. فهذا متأسلم آخر يخرج علينا في الفضائيات ليقول إن المعتصمين في التحرير ما هم إلا (بقايا الشيوعيين والملاحدة)! هذا خبث في تأليب المواطنين على الثوار غير مقبول، ولماذا ترفضون وثيقة القواعد الحاكمة للدستور المنتظر؟ وهي ما هي إلا (قواعد ثابتة تتحدث عن حق تام للمصريين في الكرامة وحرية التعبير والاعتقاد والاختيار)، رفضها يعني أنكم – وبظنكم أنكم واصلون إلى السلطة ومنفردون لا محالة بوضع الدستور- سوف تضعون شيئا.. مختلفا.. عن وثيقة تعطي لكل مصري الحق الكامل في الكرامة والحرية.. تراه كيف يمكن إذن أن يكون دستوركم الذي تنوون وبه تتوعدون؟!

** طالما استمر العسكر في حصار الثوار وتأليب الرأي العام عليهم وعقد المحاكمات العسكرية لهم وفض اعتصاماتهم بالقوة والعصي الكهربية والغاز المستورد حديثا (رغم الشكوى اليومية من تناقص احتياطي مصر من النقد!)، وطالما استمر المتأسلمون في نفاق المجلس والتحريض على الثوار بهذه الفجاجة وإثارة الريبة حول ثقتهم في الوصول إلى السلطة (والشك حول استعداد ما لتزوير الانتخابات مازال مجرد شك لكنه يتصاعد)، وطالما استمر بقايا النظام القديم في السيطرة على الإعلام والكذب على الشعب بسيل من أكاذيب عن الاقتصاد المتهاوي والإنتاج المتعطل، وطالما استمر بعض رجال الأعمال في تأجير البلطجية البؤساء لإيذاء الثوار الصامدين.. وطالما استمر تجاهل القوى السياسية قديمها وجديدها لغضب الشباب الثائر.. فإن الثورة ستستمر.. الصراع سيستمر، لكن الشعب قد يخرج من شرنقته مرة أخرى عندما يتبين له بجلاء أي الفريقين يعمل في صفه حقا.. الطامعون في السلطة لمصالح ضيقة (أو ربما لمواراة ملفاتهم).. أم الشباب الثائر المستميت من أجل وضع العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة في قمة الأهداف، ومازلت حتى الآن أذكر تلك السخرية الفجة التي علق بها أحد كتبة النظام السابق على مقالات لي ولغيري كانت تتحدث عن (ثورة قادمة لا محال) ضد الظلم والفساد، وقولهم باستخفاف (مازال البعض يحلم بالثورة في زمن انتهت فيه الثورات)! حسنا.. الثورة قامت! وسوف تستمر.. طالما لم يقرأ كل هؤلاء سطور المعاناة على وجوه البؤساء في مصر..

** طوال الأشهر الماضية تكررت مقولات – بحسن نية أو بتعالٍ طبقي- عن أن الثوار هم من (شباب متعلم مثقف وولاد ناس)! وراح الجميع ينكر (بفخر) أن الثورة لم تكن (ثورة جياع)! حسنا ياسادة، الجياع من حقهم أن يثوروا! بعد كل هذا الضغط على آدميتهم وحقهم البديهي في الغذاء والدواء والمسكن والملبس والتعليم بل حتى على حقهم في الحياة، من حقهم أن يثوروا.. بعد هذا التقليل من شأنهم وكأنهم (أشياء)! ولديّ هذا الإحساس العميق بأن الثورة القادمة (قريبا جدا) هي ثورتهم.. وعودوا للسخرية الفجة مرة أخرى لكنها ثورة وشيكة! ولنرى حينئذ ماذا أنتم أمامها فاعلون؟! وهي ثورة لو تعلمون من التاريخ.. باطشة! وإن أردنا تحاشيها فليس أمامنا سوى سبيل واحد: التعجيل بوضع العدالة الاجتماعية على رأس المطالب والهموم والخطط والرؤى.. هذا ما أدركه الشباب برفعهم شعار (الفقراء أولا)، ولعل هؤلاء الجوعى الآن يستعدون (وربما دون أن تدروا أو يدروا هم أنفسهم) ليوم آتٍ لا ريب.. يخرجون فيه غاضبين مكتسحين لكل ماهو ومن هو أمامهم. وما حماية مصر من بطش المظاليم إلا بالعدل.. العدل.. العدل..

** لكن طالما الثورة مستمرة فإن الشباب الثائر عليه أيضا أن يطور أدواته، لابد من التطوير والتصعيد.. سواء في المطالب أو في الوسائل، ليكن يوم 23 يولية يوم التذكير بأهداف ثورة يوليو! هل تذكرون؟! “إقامة حياة ديمقراطية سليمة” كان أحد أهداف ثورة الجيش! ولما كان هذا الهدف السادس ولم يتحقق إذن لنحتفل مع الجيش في عيده بتذكيره بهذا الهدف! وإذا كان العسكر وأعوانهم يهاجمون اعتصامات الشباب في مختلف المدن ويفضونها بالقوة أو بالبلطجة.. فليكن تطوير الثورة باتفاق شباب كل المدن على التركيز والتكاتف للاعتصام في ميدان واحد، تركيزا للجهد وتفعيلا للثورة.. المستمرة.. ثم التركيز على المطالب التي تتعلق بالعدل وأهم ملامحه عدالة التوزيع لموارد البلاد..

** التصعيد في الثورة يعني أن (نعيد الاعتبار لبعدها الاجتماعي الحقيقي).. أن استرداد الشركات والمصانع والأراضي المنهوبة ضرورة، أن فرض ضرائب تصاعدية على الأثرياء ضرورة، أن إنشاء مشاريع ذات طابع قومي يهتم بالمحرومين أولا.. ضرورة، أن رفع الأجور ضرورة، أن خفض الأجور المليونية المستفزة ضرورة، إضافة إلى أن عزل النائب العام الباقي من الزمن الغابر ضرورة، وأن تطهير القضاء ضرورة، وأن إلغاء وزارة الإعلام وتطهير الإعلام الكذوب ضرورة، وأن إعادة هيكلة الشرطة ضرورة، باختصار.. إعادة الاعتبار للثورة بتبني مطالب الشعب التي تنشد التخلص من المعاناة.. مهمة تقع على كاهل تلك الثورة.. وهؤلاء الثوار..

لا استقرار إلا بتحقيق العدل، هذا ما يجب أن يصل إلى كل بيت مصري.. دور هذا الجيل الذي صنع ثورة كما لم تصنع في مصر من قبل.. ولا تلتفتوا أيها الشباب لمن يحاول تكسير عظامكم وعزيمتكم.. وتذكروا قول أبو العلاء المعري: “تعــد ذنــوبي عنــد قـومٍ كثـيرةً.. ولا ذنــب لـي إلا العـلا والفضـائلُ، وإنــي وإن كــنت الأخـير زمانـه .. لآتٍ بمــا لــم تســتطعه الأوائـلُ”.. ثورتكم مستمرة وإنكم لمنتصرون..

مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل