المحتوى الرئيسى

هل زرت الديوان الملكي؟

07/17 11:53

علي سعد الموسى

دلفت إلى أبواب الديوان الملكي السعودي مرتين: الأولى مع الضيوف الأجانب لمهرجان الجنادرية للتراث والثقافة، والثانية مع وفد خاص في مهمة وطنية. ولعل محدودية المهمة الثانية وقلة عدد أفرادها قد أعطتني فرصة كبيرة للتعرف على معالم الديوان الملكي ومكاتبه وهيكلته الإدارية.

ولعل ما يشدني اليوم للكتابة هو ما قرأت للصديق العزيز، يحيى الأمير، بحر الأسبوع الماضي عن القفزة الإدارية وحمى التغيير التي تشهدها أركان الديوان الملكي، ولعلي أسترجع كلمات أحد المسؤولين الكبار في الديوان، وهو يقول لي مودعاً: إن الهدف الإداري المستهدف هو أن نقلص فترة أو زمن دورة معاملات المواطن وشكواه، بحيث تكون المدة أقصر من دورتها في الإدارة الحكومية التي يراجعها المواطن أياً كان في مدينته.

يشير لي ذات المسؤول وأنا أجادله إلى أن الديوان الملكي في الذهنية الانطباعية لدى المواطن سيل من المعاملات التي تتطلب وتيرة طويلة إلى شيئين أساسيين: الأول، إلى أن الماكينة الجديدة في تسيير العمل الإداري بالديوان الملكي قد اكتشفت أن سواد الطلبات والمعاملات، بالتحديد الواردة للديوان الملكي، لا تحتاج إلى – خوف – الاستقصاء والبحث والدراسة التي تؤخر في العادة صدور القرار السامي الكريم على هذه الطلبات، ولذلك كانت مهمة الهيكل الإداري المتجدد للديوان الملكي أن يصل إلى وتيرة فرز تستطيع التفريق الفوري بين طبيعة الطلبات والمعاملات، ومدى حاجة كل منها على حدة إلى الاستقصاء والبحث من عدمه، وهذه، كما يشير، مهمة بالغة الحساسية، لأن قرار ولي الأمر في نهاية المطاف عادة ما يعتبر فصلاً نهائياً في الحقوق والمنازعات والتظلمات التي يرفعها إليه المواطن.

الثاني، أن قسماً كبيراً من التظلمات والمعاملات الواردة للديوان الملكي، وبالخصوص فيما يتعلق بالمواطنين، قد لا يحتاج قراراً سيادياً من ولي الأمر، وكان بالإمكان أن تحله الوزارة أو الإدارة المعنية ولكن المواطن نفسه ينظر إلى القرار الأعلى من ولي الأمر، وهو عادة ما ينحاز للمواطن على حساب المؤسسة الإدارية التي يتظلم المواطن من قرارها. وفوق هذا فإن ولي الأمر نفسه، هو من يعطي على الدوام تعليمات واضحة بعدم رد شكوى أي مواطن، مهما كان اليقين من خضوعها للقوانين أو الأنظمة حتى قبل أن يصل بها المواطن للديوان الملكي.

أعطتني فرصة زيارة الديوان الملكي في المرة الثانية والأخيرة هذه المشاهد: أولاً، وهو الأغلى الأحب إلى نفسي، أن خلية النحل الحقيقية التي تسير مفاصل العمل الإداري في دهاليز الديوان الملكي، هم من فئة الشباب، وأغلب هذه الوجوه، بل جلها في منتصف العقد الثالث من العمر. ولعل هذه هي إحدى مكاسب العقد الأخير من هيكلة الديوان الملكي الإدارية، وبالخصوص إذا ما عرفنا أن هذه الأماكن بطبيعتها نخبوية في الانتقاء، كما كنت أظن، من قبل أن أشاهد عشرات الوجوه في المكاتب. ثانياً، أن هذا الكادر الجديد من الشباب هو من حول الديوان الملكي إلى آلة تقنية جبارة. وأكثر ما يلفت الانتباه هو نظافة المكاتب نفسها من – ثقافة الورق – التي تحولت إلى – ثقافة رقمية – بفضل أصابع الجيل الجديد من عصر الديجيتال.

ثالثا، وهو الأهم، أن الديوان الملكي في وجوه هؤلاء الشباب قد تحول إلى طيف وطني واسع من كل المناطق السعودية. ودائماً ما أحمل معي في زياراتي إلى الأماكن العليا من القرار الوطني، سؤال الجذور كلما أقابل موظفاً على مكتب: من أين أنت؟ حملت معي في نهاية الزيارة خريطة وطن شبه مكتملة. وهؤلاء الذين يبدؤون اليوم صغاراً في المكاتب الثانوية، هم الذين سيكبرون غداً على المكاتب الأعلى، وبكل تأكيد سيحملون معهم ثقافة التعدد والطيف والتباين، وهم الذين سيزرعونها في بقية مكامن اتخاذ القرار الوطني، ومفاصله المختلفة.

ولعل الأهم من هذا كله هو أن نحافظ على هذه الميزة الخاصة التي لن تجد لها مثيلاً في العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم.. أن يظل الديوان الملكي هو بيت المواطن وهو يشعر أنه في قمة – الأمان – حين يصل بأوراقه إلى يد ولي الأمر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل