المحتوى الرئيسى

الثابت والمتغير في‮ ‬السياسة الخارجية الإيرانية

07/16 14:51

نوري حمزة

تكتفي‮ ‬السياسة الخارجية الإيرانية بظواهر الدبلوماسية خلافاً‮ ‬لفحواها،‮ ‬حيث لم‮ ‬يعتمد السلك الدبلوماسي‮ ‬الإيراني‮ ‬يوماً‮ ‬ما على نظرية واضحة المعالم من النظريات المطروحة في‮ ‬علم العلاقات الدولية،‮ ‬بتبنيه مهمته وذلك على العكس لما‮ ‬يراه المرء في‮ ‬معظم دول العالم حيث هنالك عدة مناهج تتبناها الشؤون الدبلوماسية وذلك حتى في‮ ‬البلدان النامية من أجل التعريف بمصالحها على كافة الأصعدة والدفاع عن حقوق مواطنيها المغتربين‮.‬

بلمحة تاريخية نشاهد أن الدولة الفارسية منذ عهد الإخمينيين وتأسيس أول إمبراطورية لهم في‮ ‬العام‮''‬539‮ ‬ق م‮'' ‬نتيجة تواطؤ الفرس وبني‮ ‬إسرائيل ضد حكومة بابل‮ (‬العراق‮) ‬الذي‮ ‬أصبح مكشوفاً‮ ‬في‮ ‬التاريخ،‮ ‬حيث تم إنشاء هذه الإمبراطورية على أنقاض حضارات العيلام‮ (‬الأحواز‮) ‬وبابل‮ (‬العراق‮) ‬وسيلك‮ (‬مقاطعة أصفهان‮) ‬ومارليك‮ (‬جنوب بحر قزوين‮) ‬والمدينة المحروقة‮ (‬بشمال بلوشستان‮) ‬حتى عهد الاشكانيين وصولاً‮ ‬إلى الساسانيين حيث هزمت إمبراطورية الأكاسرة على‮ ‬يد المسلمين‮.‬

ولا ننسى هجوم المغول على العراق في‮ ‬فبراير‮ ‬1258م وذلك بتواطؤ من الفرس وبتدبير الملا نصير الدين الطوسي،‮ ‬وبعد أن استسلم الخليفة العباسي‮ ‬المستعصم الذي‮ ‬لقي‮ ‬حتفه بعد خمسة أيام من دخول المغول بغداد،‮ ‬ويعيد التأريخ نفسه مرة أخرى في‮ ‬القرن السادس عشر حيث حاول الصفويون احتلال مكة المكرمة بتواطؤ مع البرتغاليين،‮ ‬وأخيراً‮ ‬احتلال العراق في‮ ‬سنة‮ ‬2003‮ ‬بالتواطؤ الفارسي‮ ‬‭-‬‮ ‬الإسرائيلي‮ ‬‭-‬‮ ‬الغربي،‮ ‬حتى تصل عدد الاحتلالات الفارسية للعراق ثلاث مرات،‮ ‬ومحاولات لاحتلال لعدة دول عربية ناهيك عن احتلال الأحواز في‮ ‬العشرين من نيسان سنة‮ ‬‭,‬1925‮ ‬كي‮ ‬نتذكر نحن العرب الخطر الفارسي‮ ‬على منطقتنا وتدخلاته اللامشروعة في‮ ‬شؤوننا الداخلية والتوسع على حساب الجغرافيا السياسية العربية،‮ ‬نتيجة‮ ‬غياب الدور العربي‮ ‬الناتج من احتلال بلدان عربية كالأحواز ومن ثم العراق وصعود نجم إيران في‮ ‬المنطقة ومد سيطرتها وهيمنتها على الدول العربية خاصة في‮ ‬منطقة الخليج العربي‮.‬

يبدو ما هو واضح في‮ ‬السياسة الخارجية الإيرانية التهجمية انعكاساً‮ ‬لشعور العقلية الفارسية بالعزلة الثقافية خاصة فيما‮ ‬يتعلق ببعد انتشار اللغة الفارسية والمذهب الرسمي‮ ‬حيث ترتسم للسياسيين الفرس خطورة‮ ‬غياب البعد الاستراتيجي‮ ‬لدولتهم نتيجة محدودية اللغة الفارسية والمذهب الشيعي‮ ‬الاثنا عشري‮ (‬حتى في‮ ‬داخل البلاد‮)‬،‮ ‬خلافاً‮ ‬لجيرانهم من العرب والأتراك والآخرين الذين‮ ‬يتمتعون كل على حده ببعد استراتيجي‮ ‬وقومي‮ ‬وثقافي‮ ‬لا مثيل له،‮ ‬حيث للعرب إضافة للبعد الجغرافي‮ ‬الممتد من المحيط إلى الخليج هناك تربطهم صلة من حيث العرق واللغة مع العرب الأحوازيين في‮ ‬داخل الحدود الإيرانية،‮ ‬وهكذا الأتراك تربطهم نفس الصلة بأتراك إيران الذي‮ ‬يقدر عددهم قرابة الـ28‮ ‬مليون نسمة منتشرين في‮ ‬أكثر من خمس محافظات إيرانية،‮ ‬ناهيك عن البعد الاستراتيجي‮ ‬لدولة تركيا التي‮ ‬يمتد من الأناضول إلى القوقاز وصولاً‮ ‬لمقاطعة سين كيانك حيث موطن الأتراك الأيغور في‮ ‬شمال‮ ‬غرب الصين وصلتهم بالدول المحيطة بهم من حيث المذهب السني‮. ‬

نشاهد هنا أن الدولة الفارسية تفتقر للكثير من مكونات البعد الاستراتيجي‮ ‬المطلوب،‮ ‬وتقع إيران في‮ ‬موقع جغرافي‮ ‬في‮ ‬منطقة الشرق الأوسط الساخنة على مد العصور حيث تاريخها الحافل بالصدامات‮.‬


عملت الدولة الفارسية الحديثة منذ تأسيسها ولاتزال على نشر اللغة الفارسية والمذهب الشيعي‮ ‬من أجل إيجاد موطئ قدم في‮ ‬أي‮ ‬مكان في‮ ‬العالم خاصة في‮ ‬منطقة الخليج العربي‮ ‬وذلك عبر الهجرة المنتظمة للعمالة الإيرانية ودعم السلطة للمغتربين الفرس المتمثل ببناء مدارس ومؤسسات بمسميات مختلفة وتشييد المزارات في‮ ‬العراق منذ القرن الماضي،‮ ‬حيث جاء الدعم المادي‮ ‬من قبل‮ ''‬تاج الملوك‮'' ‬والدة محمد رضا بهلوي،‮ ‬شاه إيران وبتنفيذ‮ ''‬عباسعلي‮ ‬خلعتبري‮'' ‬وزير خارجية الدولة الفارسية آنذاك ومن بعده من مسك بقيادة الشؤون الخارجية لطهران‮.‬

بإطلالة سريعة على تدخل الدولة الفارسية في‮ ‬القضايا العربية فإنه‮ ‬يتبين للمرء وجود تطابق كامل في‮ ‬المواقف فيما قبل وما بعد ثورة‮ ‬‭,‬1979‮ ‬بداية من استمرار احتلال الأحواز والجزر الإماراتية الثلاث،‮ ‬والمطالبة المتكررة‮ ‬يومياً‮ ‬على لسان ساسة إيران بضم البحرين،‮ ‬والرغبة الواضحة والمعلنة في‮ ‬الهيمنة على المنطقة العربية التي‮ ‬تأتي‮ ‬بالتمهيد للهيمنة من حيث المنطلق الفكري‮ ‬المتمثل بالتشيع وتعلم اللغة الفارسية‮.‬

بالتالي‮ ‬لا أرى في‮ ‬العقلية الفارسية أي‮ ‬فرق بين مفهومي‮ ''‬شاهنشاه‮'' ‬و‮''‬ولاية الفقيه‮'' ‬حيث‮ ‬يعني‮ ‬الأولى‮ ''‬ملك الملوك‮'' ‬والثاني‮ ''‬الولاية المطلقة‮'' ‬على المسلمين جميعاً،‮ ‬ويأتي‮ ‬مفهوم ملك الملوك منذ زمن الاخمينيين وما هو إلا ترجمة وانعكاس واضح لمكونات العقل الفارسي‮ ‬بحب السيطرة على العالم،‮ ‬وتم تطبيق مرتكزات هذه النوع من الفكر التوسعي‮ ‬في‮ ‬عهد السلالة الإخمينية وما خلفها من ملوك الفرس باحتلالهم لدول راحت ضحيتها شعوب وحضارات وجغرافيا سياسية بالغة الأهمية والتي‮ ‬لاتزال إيران تهيمن على أقسام كبيرة منها حتى‮ ‬يومنا هذا‮.‬

وهكذا مفهوم ولي‮ ‬الفقيه حيث الذين صنعوا هذا المفهوم أيضاً‮ ‬حب السيطرة على العالم‮ ‬يخيم على عقلهم وباختلاف بسيط مع مفهوم ملك الملوك حيث هؤلاء‮ ‬يبحثون عن الولاية المطلقة على جميع مسلمي‮ ‬العالم بعد تشييعهم ومن ثم تشييع العالم‮ ‬غير الإسلامي‮ ‬بأسره تمهيداً‮ ‬لتوسع الفارسية وكسر العزلة التاريخية التي‮ ‬تعيشها هذه اللغة‮.‬ فإذا عمل كل من تاج الملوك وعباسعلي‮ ‬خلعتبري‮ ‬على بناء مدارس ومؤسسات إيرانية خارج البلاد وتشييد المزارات الشيعية في‮ ‬العراق فاليوم‮ ‬يعمل الإيرانيون على توسع المدارس الدينية بجانب المدارس الرسمية ومؤسسات كبيرة وما نشاهده في‮ ‬سوريا ولبنان والخليج خير دليل على ذلك وإذا كان الشاه أراد أن‮ ‬يلقب بشرطي‮ ‬الخليج كمنصة ونقطة انطلاقه لمد سيطرة الفرس على العالم العربي‮ ‬بأسره،‮ ‬فإن الخميني‮ ‬أراد أن‮ ‬يقوم بدور أكبر من ذلك بكثير،‮ ‬وهو دور الجندي‮ ‬الممهّد لعودة الإمام الثاني‮ ‬عشر ليؤسس الدولة المهدوية العالمية بكل ما تحمله من مضامين حسب الفهم الفارسي‮ ‬من المذهب الشيعي‮.‬

كما أرى أن إيران لا تستطيع تحمل صعود النجم الخليجي‮ ‬في‮ ‬العقود الآتية وإعادة كفة التوازن العربي‮ ‬الفارسي‮ ‬خاصة بعد‮ ‬غياب دور العراق منذ سنة‮ ‬2003‮ ‬ولهذا الدولة الفارسية تعمل ما بوسعها ودون تحفظ على مد سيطرتها على الخليج العربي‮ ‬وكافة دوله ومن الشواهد على كلامي‮ ‬هذا المحاولات الإيرانية المستمرة لإيجاد موطئ قدم فارسي‮ ‬في‮ ‬البلدان الخليجية للحيلولة دون توصل مجلس التعاون إلى دور عربي‮ ‬مستقل برأيه السياسي‮ ‬تجاه ما‮ ‬يحدث في‮ ‬محيطه‮.‬ نستنتج هنا أن من‮ ‬يعول على الانتخابات الإيرانية المقبلة بغية الحد من الهجمة الفارسية أو هدنة قصيرة المدى وكف الشر الفارسي‮ ‬مؤقتاً‮ ‬على البحرين والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن والنهاية لملامح التدخل في‮ ‬مصر وليبيا وتونس والكويت مخطئ برؤيته هذه‮.‬ وفي‮ ‬ظل ما تشهده إيران اليوم من صراع محتدم تتباين المواقف تجاه هذا الصراع فبعض المراقبين والمحللين الذين‮ ‬يرفضون فكرة الخطر الإيراني‮ ‬يعتقدون أن التيار المحافظ على علله أخف ضرراً‮ ‬من التيار الإصلاحي‮ ‬يعدون مخطئين برؤيتهم هذه أو متأثرين بإسلام إيران الذي‮ ‬اتضحت ملامحه للعالم‮.‬

كما أرى أن نجاح أي‮ ‬تيار إصلاحي‮ ‬كان أو محافظاً‮ ‬في‮ ‬الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقبلة لن‮ ‬يغير شيئاً‮ ‬في‮ ‬مبدأ‮ ''‬الهجوم هو أفضل دفاع‮'' ‬عند الإيرانيين بتعاملهم مع دول الجوار العربي‮ ‬حيث نرى أن التيار الإصلاحي‮ ‬ذو توجه قومي‮ ‬ليبرالي‮ ‬يسعى للهيمنة على الخليج العربي‮ ‬ويميل في‮ ‬طروحاته إلى المعسكر الغربي،‮ ‬ونظراً‮ ‬لوجود قوميين متشددين بين مكوناته فهو أكثر عداءً‮ ‬للعرب أيديولوجياً‮.‬

هكذا ليس كما‮ ‬يزعم البعض أن عداء التيار المحافظ للغرب‮ ‬يعني‮ ‬بالضرورة حبهم أو صداقتهم للعرب،‮ ‬هذا إذا لم تكن درجة العداء للعرب لديهم أكبر منها للغرب كما أثبتته الوقائع،‮ ‬فقد تعاونت إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل من أجل تزويدها بالسلاح للاستمرار في‮ ‬الحرب ضد العراق في‮ ‬قضية مكشوفة للجميع ومعنونة في‮ ‬الإعلام الدولي‮ ‬بـ‮ ''‬إيران جيت‮''‬،‮ ‬كما تعاونت معها فيما بعد من أجل احتلال العراق والسيطرة عليه كما ذكرت سابقاً‮. ‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل