المحتوى الرئيسى

مسارات العلاقة بين ثلاثي الشعب والحكومة والجيش بعد الثورة

07/16 19:57

مصر تتجه إلى الفوضى.. هذا هو مجمل النتيجة التي قد يخرج بها أي متابع للموقف في البلاد على مدى الأيام القليلة الماضية.. فقد شهدت مصر حالة من الغليان إزاء تصاعد حالة الغضب على ما اعتبرته العديد من القوى الوطنية عدم تحقيق مطالب الثورة، فكانت مليونية جمعة 8 يوليو التي أعادت الى الأذهان بدايات الثورة في يناير الماضي.. ووسط الضجة التي تملأ الفضائيات المصرية يبقى السؤال إلى أين تسير ثورة يناير بعد ستة أشهر من قيامها؟

وهل فقدت قوى الثورة البوصلة التي توجهها إلى الطريق الصحيح؟.. أم هل تأكل قوى الثورة بعضها وهو ما يبدو في التباين الشديد بين العديد من القوى التي كانت الوحدة سمة لها خلال مراحل الثورة؟.. وإذا كان جانباً من الغضب قد انصب على رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف ابن الثورة والذي رفعه الثوار إلى كرسي الحكم.. فما هو تقييم أداء شرف وحكومته على مدى الشهور الماضية؟.. أين أخطأ وأين أصاب؟.. وإذا كان الجيش كان الدرع التي تحمى الثورة فيما يحاول البعض أن يوجه سهامه إليه الآن فما هي أبعاد هذا التطور؟

هذه محاولة رغم اتساع نطاقها وعموميتها، تحاول أن تقدم بانوراما عامة لصورة العلاقة بين قوى ثورة يناير الثلاث الشعب والجيش والحكومة: كيف كانت؟.. وما هو الواقع الذي هي عليه الآن؟.. وإلى أين تسير؟.. مع محاولة لتقديم رؤية تقييمية لأداء حكومة شرف على مدى فترة ما بعد الثورة ومدى استجابتها للتطلعات الشعبية وأين نجحت وأين أخفقت؟

 

بديل "شرف".. فوضي وأحكام عرفية وفرحة إسرائيلية

مئات من الشباب يغلقون مجمع التحرير الذي يقطع آلاف المصريين البسطاء مئات الأميال من قراهم للحضور اليهم لإنهاء مصالح خاصة بهم.. ثم يظهر شباب آخرون علي التليفزيون المصري يعلنون أن من أغلقوا المجمع ليسوا منهم ولكنهم (شباب مستقلون)!، ومئات آخرون بالإسكندرية يغلقون بورصة الأوراق المالية بشارع طلعت حرب بمنطقة محطة الرمل ويعلقون لافتة على مدخلها كتبوا عليها: «مغلق لحين تحقيق مطالب الثورة»، فتنهار البورصة وتخسر ملياري جنيه في دقائق.. وفريق ثالث في السويس يهدد بغلق قناة السويس (التي قال الجيش إنها خط أحمر) ويغلق طريق السويس السخنة ويعطل العمل في الميناء، فتتوالي الخسائر الاقتصادية.. وتهديدات أخري بغلق المزيد من المؤسسات الحيوية في حال استمرار تجاهل مطالب الشعب.. والسؤال هو: هل هذه هي الثورة؟.. هل هؤلاء يريدون كما يقولون تحقيق مطالب الثورة؟.. وما هي مطالب الثورة؟.. وما الذي حققته حكومة الثورة المفترضة (حكومة شرف) منذ قيامها؟

بالطبع لا خلاف بين المصريين الذين ثاروا علي الظلم علي مطالب محددة أبرزها الانتصار لدماء الشهداء والقصاص من قاتليهم الظلمة، وكذا القصاص من المسئولين والوزراء الفاسدين.. ولا خلاف علي أن حكومة شرف أمينة علي هذه المطالب، وأن الجيش هو حامي هذه المطالب وحامي الثورة – برغم حملة التشكيك المشبوهة ضد الجيش - ولكن الخلاف هو حول طريقة وأسلوب الوصول لهذا الهدف، حيث إن نسبة من التيارات الثورية تري أن هناك بطئاً ربما يكون متعمدا أو بحسن نية في محاكمة الظلمة وقتلة الثوار، وتطالب بتسريع هذه المحاكمات، ونسبة أخري متحمسة – ولكن يختبئ خلفها تيار الثورة المضادة الراغب في إشعال الأوضاع – تتوجس من أن يكون هناك في السلطة الآن صف ثان أو ثالث من أنصار النظام البائد والحزب الوطني (في المحليات والمحافظات وبعض الوزارات) يحاول إجهاض مطالب الثورة عبر هذا التأخير المتعمد للمحاكمات وعدم علانيتها وعدم شفافية الأخبار الخاصة بمحاكمة الرئيس السابق ونجليه.

والمشكل أنه ظهر حتي الآن 190 ائتلافاً ثورياً في مصر بعضها يضم خمسة أو عشر شباب فقط، وكل بضعة ائتلافات منها تقود مظاهرة أو وقفات احتجاجية وتتصرف بحماس مندفع لغلق مصالح حكومية أو طرق أو التهديد بوقف مترو الأنفاق وغلق ماسبيرو وغلق الكباري مثل كوبري 6 أكتوبر، دون أن نسمع آراء باقي الائتلافات والقوي السياسية، ودون أن تتوقف هذه الائتلافات وهؤلاء الشباب ليسألوا أنفسهم: ما مطالب الثورة الحقيقية؟.. أليست هي هذا الإنسان المصري البسيط الذي طحنه النظام السابق وظلمه سياسياً واجتماعياً واقتصادياً؟.. والذي نحيل حياته لمزيد من الحجيم عندما نغلق الميادين والطرق والكباري والمصالح الحكومية ونسهم في هدم الاقتصاد ونزيد التضييق عليه؟!

وعود حكومة شرف

عندما تولي الدكتور عصام شرف رئاسة الحكومة قبل أربعة أشهر (3 مارس 2011)، حرص علي الذهاب إلي ميدان التحرير لتدشين شرعيته من الميدان، ولكن ملابسات توليه السلطة جاءت ملتبسة، حيث تولي المهمة في ظل ظروف صعبة للغاية بسبب الاقتصاد المنهار وانفجار المطالب الشعبية والفئوية وانفلات أمني مخيف، وهي ظروف يصعب معها حل أزمة مصر وإزالة جبال المشكلات المتراكمة إلا في سنوات، ناهيك عن اضطرار شرف للعمل بحكومة نصفها من المسئولين السابقين الذين لا يجمعهم مع الجدد برامج أو توافق محدد، وإن ظل هدف شرف كما أعلنه هو الاقتصاد والأمن كأولوية قصوي تمس المواطن البسيط الذي قام بالثورة.

ولذلك تركت حكومة شرف ملفات مثل محاكمة رموز النظام السابق والضباط قاتلي الثوار تسير بالطريقة المعتادة داخل جهاز القضاء المتخم بالقضايا، بحيث مرت أربعة أشهر دون أن يحدث تقدم كبير بسبب التأجيل المتكرر للقضايا، كما تركت قضايا فرعية أخري تتصل بشباب الثوار مباشرة مثل اعتقال بعضهم في حالات الصدام مع الشرطة العسكرية بميدان التحرير وأمام السفارة الاسرائيلية أو اعتقالهم خطأ وتقديمهم لمحاكم عسكرية، وكذا ترك الضباط المتهمين بقتل الثوار في مناصبهم بما أغري بعضهم – من موقع المنصب والقوة - للتحاور مع بعض أسر الشهداء لدفع دية مقابل التنازل عن القضية، ما أعطي انطباعاً بأن حقوق أسر الشهداء تضيع، وزاد الأمر توتراً، نشر شائعات عن تواطؤ المجلس العسكري في عدم محاكمة مبارك بصفته قائداً عسكرياً سابقاً، والمقارنة بين محاكمة قاتلي الثوار أمام محاكم مدنية ومحاكمة الثوار أمام محاكم عسكرية.

وساعد علي تصاعد الغضب ضد حكومة شرف اتخاذه قرارات متضاربة – سببها الأساسي عدم التجانس داخل حكومته - مثل تشكيل مجلس استشاري دائم أسند رئاسته إلى الدكتور على الغتيت لمدة 3 أسابيع ثم إلغاؤه، وقبول استقالة نائبه الدكتور يحيي الجمل ثم الإبقاء عليه، بخلاف التخبط الاقتصادي بطلب قروض أجنبية ثم رفضها بعد رفض المجلس العسكري لها، وزيادة الحد الأدنى للأجور الى 700 جنيه فقط بدلا من 1200 جنيه كما وعد، وفرض ضرائب جديدة على الأرباح الرأسمالية، وإنشاء شريحة ضريبية جديدة بنسبة ٥% لمن تزيد أرقام أعمالهم على ١٠ ملايين جنيه سنوياً للأفراد والشركات, ما أدى الى خسارة البورصة الأسهم لنحو ٧.٥ مليارات جنيه كرد فعل على الضريبة الجديدة, ما دفع محمد عبدالسلام رئيس البورصة المصرية لمهاجمة الحكومة قائلاً: «أنا محبط لأن القرارات اتخذت دون وجود تمثيل لهيئة الرقابة المالية والبورصة, أنا فوجئت به من وسائل الإعلام».

كما تعرضت الحكومة لاتهامات من جانب هيئة الاستثمار لأن الضريبة الجديدة من شأنها هروب المستثمرين الأجانب خارج مصر في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى جذب الاستثمارات الأجنبية واثر تلك الاتهامات ونتيجة الخسائر التى تعرضت لها البورصة المصرية تراجعت الحكومة عن قرار تطبيق الضريبة الجديدة المقرر فرضها على الأرباح والأسهم بدعوى أن إعلان الوزير الدكتور سمير رضوان عن القرارات الأخيرة جاء دون دراسات مستفيضة يشارك بها جميع الأطراف المعنية بالتطبيق!

وقد دفع هذا بعض ائتلافات الثوار الذين رفعوا شرف علي الأعناق قبل أربعة أشهر للانقلاب عليه، بل والانقلاب علي المجلس العسكري نفسه، وتصوير شرف علي أنه مجرد منفذ لسياسات المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يقوم فعلياً بإدارة وحكم البلاد ودعاه بعض الشباب لمصارحتهم ما إذا كان يتعرض لضغوط من المجلس العسكري أم لا؟.. وأن يستقيل ويعود للتحرير.

أما شرف فأكد – في بيان مرور 100 يوم علي حكومته - أن الحكومة علي العكس استطاعت وقف النزيف الاقتصادى، ودخلت بمصر إلى مرحلة «البناء على أسس سليمة قائمة على الشفافية ومعايير العدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد»، ورأى أن ما يظنه البعض تقصيرا أو تباطؤا فى أداء الحكومة، هو أمر غير صحيح، موضحا أن الحكومة ورثت مشاكل لها أبعاد مؤسسية وثقافية عميقة، وكان لابد من معالجة جذور المشاكل من خلال ترتيبات مؤسسية، تضمن عدم تكرارها وتسليم الأمانة لمن يأتى بعده وقد وضع مصر فى طريق الانطلاق.

وقال: إن حكومته جاءت لتدير «أزمة طبيعية تلازم الثورات»، موضحاً أن الأزمة يتم فيها «الانتقال من نظام قديم يحمل فى طياته مؤشرات الانهيار السياسى والاقتصادى والاجتماعى، إلى نظام جديد نريد أن نقدم له عوامل النجاح»، وأشار إلى أن هذا النظام «مبنى على نداءات الشعب التى تعالت فى ميدان التحرير ونادت بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية».

حكومة شرف تصرفت حتي الآن في حدود الإمكانيات وفي ظل وقت ضاغط وحكومة غير متجانسة وتحت ضغط الميدان.. نعم أخطأت عندما تركت ضباط قتل المتظاهرين في مناصبهم ولم تعزلهم وعندما لم تسرع في حل مشكلات أسر الشهداء وتعويضهم.. ولكنها عدلت طريقها بعد جمعة الثورة الأخيرة ومظاهرات أسر الشهداء واعترفت بالخطأ.. وهناك فارق بين أن يقال: إنها حكومة متواطئة مثل فلول الثورة المضادة ويطالب البعض بالخروج عليها، وبين أن يقال: إنها حكومة ضعيفة أو بطيئة ونطالب بتسريع خطواتها.

والمطالب التي رفعها البعض باقتحام مجلس الوزراء وعزل شرف وتنصيب محمد البرادعي رئيسا للوزراء بدلا منه ليس لها سوي معني واحد هو الصدام مع الجيش الذي يحمي هذه المصالح الحكومية وجر الثورة لمرحلة الفوضي الكاملة.

 

الفوضي والأحكام العرفية

فالسؤال الذي لم يسأله أحد من ائتلافات الثورة هو: هل انتصرت الثورة وتغير النظام القديم أم لا؟.. وإذا كانت الثورة انتصرت وتغير النظام ونعيش حالياً مرحلة التحول والانتقال من نظام لآخر فلمن توجه الدعوات لعصيان مدني أو غلق الطرق والمصالح الحكومية والكباري والبورصة وقناة السويس؟.. وهل هناك محاكمات تجري بالفعل لمنتسبي النظام السابق أم لا؟.. فواقع الأمر أن المشكلة الحقيقية ليست في نجاح الثورة من عدمه، ولكنها عدم قناعة البعض بأن الثورات لا تنتج تغييرا بين يوم وليلة وأن الأمر يحتاج وقتا.. وأنه إذا كان ظلمة النظام السابق قد عاثوا في الأرض فسادا وظلموا المصريين سنوات طويلة، فقمة العدالة الحقة التي علمنا إياها الإسلام هي في تقديم أعلي درجات العدالة في محاكمة من ظلمونا (ولا يجرمنكم شنأن قوما علي ألا تعدلوا).. فلا معني للحديث عن تسريع العدالة وسلق جلسات المحاكمة وصولا لحكم قد يكون بالبراءة (كما حدث ببراءة خمسة من الوزراء من أحد القضايا لا كل القضايا).

وليس أمام التصعيد ضد حكومة شرف والمجلس العسكري بمزاعم أن كبار قادة الجيش هم من بقايا النظام السابق!.. أو أن «الثوار ما عادوا يأتمنون الجيش على الثورة» كما قال الإعلامي حمدي قنديل بفضائية «أون تي في»، سوي إدخال شباب الثورة في مواجهة مع المجلس الأعلي للقوات المسلحة، ما يعني انتشار الفوضي والعنف ومن ثم عودة مصر الي المربع رقم صفر ونزول قوات الجيش مرة أخري بكثافة للشوارع وفرض الأحكام العرفية، وبدلاً من أن تسير البلاد في طريقها نحو الانتخابات ووضع دستور جديد كما تفعل تونس حالياً، تستمر حالة الفوضي والتصعيد والتحريض خصوصا ضد الجيش، ما يبهج إسرائيل ويسعدها لأن جيش مصر سيتورط لو تصاعد التوتر في الداخل بدلا من تفرغه لحماية الجبهة الخارجية.

ربما لهذا أكد الدكتور عصام شرف رئيس مجلس الوزراء احترامه جميع الآراء والتظاهرات والاعتصامات السلمية، مطالبا في الوقت نفسه بضرورة عدم تعطيل الحياة العامة، وقال - فى تصريح للقناة الأولى بالتليفزيون المصرى -: «إن الاعتصام حق من حقوق المواطن ولكن يجب فى الوقت نفسه الحفاظ على المرافق فى جميع المواقع التى تشهد اعتصامات»، وتأكيده علي (أهمية الحوار فى هذه المرحلة) وأن يدرك المواطنون أن الحكومة تبذل قصارى جهدها لتحقيق أهداف ثورة 25 يناير، والتحذير ضمناً من أن تعطيل الموظفين عن عملهم أمر لا يرضى الكثير من المواطنين.

 

تحذير الجيش والمستقبل

والحقيقة أنه لا يمكن النظر للبيان الذي اصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة صباح يوم الثلاثاء الماضي 12 يوليو وتلاه اللواء محسن الفنجرى، والذي توعد فيه الخارجين عن القانون والشرعية الدستورية بإجراءات عنيفة، وأنه لن يسمح بأى عمل من شأنه الإضرار بالوطن، سوي علي أنه بيان تحذير لهؤلاء الذين خرجوا عن الخطوط الحمراء بالحديث عن غلق قناة السويس أو مجلس الوزراء والبورصات والكباري وأغلقوا بالفعل طرقاً حيوية ومجمع التحرير للخدمات الجماهيرية، وبدأوا يصعدون ضد الجيش بطريقة لن تؤدي في النهاية سوي لهدم وتفتيت الصخرة الوحيدة التي يستند لها أمن مصر.

إن بديل حكومة شرف في ظل عدم الصبر عليها - وبرغم تصحيح بياني شرف الأخيرين الكثير من أخطائها - هو بالتالي الفوضي الأمنية، لأن جانبا من المصريين أصبح ينظر باستغراب للتصعيد غير المبرر في التحرير – برغم استجابة الحكومة لمطالب المحاكمات السريعة وعزل الضباط القتلة - وهذه الفوضي وسعي ائتلافات الثورة لفرض أمر واقع بالقوة لا يقبله كل المصريين وخرق دوائر حمراء تمس أمن مصر، سوف يدفع الجيش دفعا لنزول الشارع وفرض الأحكام العرفية ما يعني الحكم المباشر للجيش، ومن ثم تعطيل الانتخابات وتعطيل وضع دستور جديد واستمرار نزيف الاحتياطي النقدي الأجنبي في الخزانة العامة ونزيف الاقتصاد، وتشويه الثورة ودخولها مرحلة جديدة من التخبط.

 

خلل في أداء الحكومة

توافق شعبي على نزاهة رئيس الوزراء والاختلاف على سياساته

كان هناك توافق مجتمعي على شخصية د. عصام شرف ليتصدر حكومة تسيير الأعمال للانتقال بمصر إلى بر الأمان.. استمرت الحكومة في عملها لمدة شهور، وجاءت هذه الحكومة بالعديد من الآليات المستجدة في سلوكيات النخبة السياسية المصرية في فترة ما بعد 25 يناير، وكان من أهم هذه الآليات إصدار قرارات أسبوعية، وعقد العديد من اللقاءات مع مختلف القوى السياسية وعدد من ائتلافات شباب الثورة، ثم تفعيل ما يسمى بالحوار الوطني لكافة القوى السياسية الفاعلة على الساحة المصرية.

إلا أن هذه الآليات لم تأت بجديد، فالأمر كان أقرب لما يسمى بـ «البروباجندا» الإعلامية، فلا يزال سيناريو التهدئة دون تنفيذ، الأمر الذي دفع العديد من القوى السياسية، إلى الخروج عن الصمت رافضة ذلك متمسكة بمطالبها الداعية للتغيير وإرساء قواعد العدالة والشفافية، وهو ما دفع رئيس مجلس الوزراء إلى استحداث آلية جديد تتمثل في عدد من البيانات والتصرحات التليفزيونية والتي وصل عددها إلى 9 بيانات كان أكثرها ضعفاً البيان الأخير الذي كان بمثابة رصاصة وجهت إلي الثوار الذين حملوه علي الاعناق وأتوا به من ميدان التحرير.

إن بيان د. عصام شرف ذكر بتصريحات رؤساء الدول العربية في القمم العربية والتي كان تركيزها على انتقاء الالفاظ والكلمات في التصريحات والخطب بصرف النظر عن التنفيذ، حيث تأخر بيان شرف ليس لتنفيذ ما يود الإعلان عنه ولكن لتهذيب الكلمات والعبارات التي ينتقيها في بيانه مثلما استبدل عبارة «الضباط المتهمين بقتل المتظاهرين» بـ «الضباط المتورطين في قتل المتظاهرين».. وإصراره على استخدام كلمة «الإجراءات» بدلاً من «القرارات» التي تتعلق بتلبية مطالب الشعب، الأمر الذي يشير إلى المماطلة في التنفيذ، وهو ما تأكد في جملة «وذلك فى أقرب وقت ممكن»، دون تحديد الخطة التنفيذية لذلك، كان من الأفضل القرارات تأكيداً لمصداقية التنفيذ.

وفي النقطة الثانية التي تناولها د. عصام شرف حول إصدار قرار بإنهاء خدمة كافة القيادات والضباط المُتهمين فى قضايا قتل الثوار، أثير العديد من التساؤلات كان أهمها لماذا لم يتم ذلك منذ شهور؟.. وهل هذا كافٍ؟.. وهل د. عصام شرف يعتقد أن هذا مطلب الثوار؟ أم أن هناك عدم إدراك وانسجام بين مطالب الشعب وتصريحات الحكومة؟

وفي السياق نفسه، أشار د. عصام شرف إلى تأسيس آلية مُستدامة للحوار مع القوى الوطنية وشباب الثورة لبحث كل ما تتطلع إليه تلك القوى وما يمكن تحقيقه على المديين القريب والبعيد، لكنه لم يوضح هذه الآلية، وهل لا تكفي آليات الحوار الوطني واللقاءات الأسبوعية التي تقوم بها الحكومة منذ تشكيلها؟

لقد دعا ذلك الكثيرين الى الاشارة الى ان بيان د. عصام شرف كان محاكاة لخطاب مبارك الثالث الذي أراد به التهدئة، إلا أنه أشعل لهيب الغضب لدى الشعب، فالشعب لا يشكك في وطنية د. عصام شرف لكنه مل من سياسات التهدئة ويريد التغيير والتصحيح، ولم يتم ذلك بالعبارات العاطفية أو الصمت والدخول في لقاءات وحوارات بل تتم بالقرارات الحاسمة سريعة التنفيذ.

إن ما يقوم به د. عصام شرف هو محاولة إرضاء الجميع، وهذا مستحيل، فلابد أن يكون هناك أولويات للسياسات العامة تلبي احتياجات وطالب القوى الوطنية، وهو يدرك هذه المطالب، لكنه لم يقم حتى اللحظة بتلبيتها فلا يوجد انسجام بين بياناته وما ينفذ على أرض الواقع.

وبغض النظر عن النيات فمن الواضح أن السياسات التي تتبعها الحكومة المصرية تشعل لهيب المتظاهرين، وهو ما يتطلب من الحكومة تقييم أدائها وتغيير سياساتها بشكل يتفق مع متطلبات واحتياجات القوى الوطنية، فمصر الآن لا تحتمل مناورات وما يخشاه الجميع أن تأتي لحظة يقول الشعب فيها للحكومة: «لقد نفد رصيدكم»!

الأداء الاقتصادي لحكومة شرف.. خطط مبشرة وأخطاء غير مبررة

 

قد تكون الفترة الماضية التي تولت فيها حكومة شرف إدارة الأمور في البلاد قصيرة وغير كافية للحكم على الأداء الاقتصادي لحكومة جديدة، جاءت في ظروف شديدة الخصوصية، وتحملت أخطاء عقود طويلة ماضية، وفي نفس الوقت ضمت وجوهاً غير مألوفة للشعب المصري، ولم يكن أغلب عناصرها يتوقعون أن يدلفوا إلى السلطة من هذا الباب الأوسع.. ومؤدي كل ذلك بالطبع، أن يكون أفضل توصيف لها هو أنها حكومة تسيير أعمال سواء بحكم خطاب التكليف أو بحكم ظروف اللحظة، وهو ما يجعل من الصعب تصور أن لها سياسة اقتصادية من الأصل، ناهيك عن إمكانية تقييم تلك السياسة.

وبالرغم من ذلك، فإننا سنحاول في السطور التالية إلقاء قليل من الضوء على الجوانب الاقتصادية في السياسة التي تبنتها تلك الحكومة، محاولين تلمسها من خلال عدد من القضايا العامة والتوجهات العامة للسياسة الحكومية في تلك القضايا، وتشمل: تقييم مدى نجاح الحكومة في توظيف العلاقات الخارجية في خدمة قضايا الاقتصاد الوطني، وتقييم أداء الحكومة في وضع الموازنة العامة والدولة، وتقييم توجهات السياسة الحكومية في العلاقة مع صندوق النقد الدولي.

أولاً: توظيف العلاقات الخارجية في خدمة قضايا الاقتصاد الوطني:

عندما نأتي لقضية كيفية إدارة العلاقات الخارجية لخدمة الاقتصاد المصري، نجد أن الحكومة كان لها وجهة نظر خاصة في هذا الأمر تتسق والتوجهات العامة للبلاد في فترة ما بعد الثورة، التي ترى أن العلاقة مع الخارج لا يجب أن تكون مثقلة بعبء الديون التي أوقعت الكثير من الدول في مشاكل وأزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية خطيرة يصعب حلها، كما ترى أن الاستفادة الحقيقية من التعاون مع الآخر لا تكون عن طريق تلقي المنح أو المعونات أو القروض، إلا في حدود ضيقة وظروف خاصة، وإنما عن طريق التبادل التجاري وتلقي الاستثمارات.

وفي هذا السياق، قام رئيس الوزراء بعدة جولات في الخارج أهمها زيارة عدد من الدول الأفريقية، وعلى رأسها إثيوبيا، وهو أمر مبرر ومنطقي، نظراً لأن أزمة مياه النيل كانت لا تزال محتدمة، حيث لم تعلن إثيوبيا ودول حوض النيل الأخرى عن التوقف عن إقامة مشروعات منفردة على النيل وتعليق الاتفاقية التي تقضي بذلك، الموقعة في العام الماضي، إلا في أوائل مايو الماضي. وقد كان للوفد الشعبي الذي تصدره رئيس حزب الوفد دور مهم في هذا ولا شك.

ومن المتصور ان بروز دور الوفد الشعبي أو ما وصف بالدبلوماسية الشعبية في نزع فتيل أزمة مياه النيل لا يقدح في كفاءة رئيس الحكومة ولا في دوره، لسبب بسيط جداً، وهو طبيعة المرحلة التي علت فيها المشاعر قليلاً على صوت العقل، فكان من الطبيعي أن تكون استجابة الدول الأفريقية للوفود الشعبية أسرع من استجابتها للوفود الرسمية. إضافة إلى ذلك، فإن تنامي دور الدبلوماسية الشعبية في إدارة الشئون الخارجية أمر مسلم به على مستوى العالم، بل ويعتبر من ضرورات التحول الديمقراطي الذي يجري في مصر.

وبعد نزع فتيل أزمة مياه النيل، جاء دور جذب الاستثمارات المباشرة. وهنا كان تركيز الحكومة على الدول العربية عامة ودول الخليج بصفة خاصة، وليست الدول الغربية. وتقوم الفلسفة التي تقف وراء هذا التوجه على خلفية ثورية بالأساس، ولا تعبر عن توجهات اقتصادية صرفة خاصة بالحكومة. إذ من المرجح أن الدافع الأساسي وراء ذلك هو تفادي المشروطية السياسية المرتبطة –في المخيلة الشعبية- بالتعامل الاقتصادي مع الغرب، سواء كانت تلك المشروطية أمراً حقيقياً أم متخيلاً. ولا يتعارض مع هذا التصور فكرة أن العامل الاقتصادي على الجانب الآخر، وهو الأزمة المالية الطاحنة التي يواجهها الاتحاد الأوروبي – الشريك الأكبر لمصر - قد يكون هو الدافع الرئيسي وراء تفضيل التعامل مع البلدان العربية.

وفي هذا السياق، قام شرف بزيارة لعدد من دول الخليج، وهي: السعودية وقطر والكويت والإمارات، وأجرى خلالها مباحثات متعددة، سواء على مستوى الملوك، أو وزراء الشئون الاقتصادية، أو رؤساء المشروعات. وكما قلنا في البداية: لم تسنح الظروف بعد بشكل نهائي لتقييم نتائج تلك الزيارات وما أسفرت عنه من مشروعات مشتركة، نظراً لأنه لم يمر وقت كاف لكي تتحول إلى واقع ملموس، فضلاً عن أن ما يشاع عن تردي الأحوال الأمنية في مصر لا يشجع على قدوم استثمارات كبيرة إليها، إلا إذا كانت مدفوعة بدوافع سياسية قوية، وليست اقتصادية.

وعلى الرغم من تلك التحفظات، إلا أن هناك العديد من مؤشرات النجاح، أهمها التوصل لاتفاق جديد مع الأمير وليد بن طلال حول تسوية عقد أرض توشكى، الموقع في عهد النظام السابق، برغم ما في العقد الجديد من تنازل «طفيف» من جانب مصر، وهو أمر مبرر تماماً، في ضوء حقيقة أن الهدف الرئيسي لأي سياسة اقتصادية رشيدة لمصر الآن هو جذب الاستثمارات، وليس تصفية الحسابات.

وهناك مؤشر آخر، وهو الوصول لاتفاق مبدئي مع حكومات كل من قطر والسعودية والكويت والإمارات لتقديم مساعدات اقتصادية لمصر يصل مجملها إلى 20 مليار دولار، وتتقاسمها الدول الأربع كالتالي: 10، و4، و3، و3 مليارات دولار على الترتيب. وتتوزع تلك المبالغ ما بين المنح المباشرة والقروض الميسرة والاستثمارات المباشرة. أي أن الحكومة نجحت لحد بعيد في توظيف العلاقات الخارجية في خدمة قضايا الاقتصاد الوطني.

ثانياً: تقييم أداء الحكومة في وضع الموازنة العامة للدولة 2011/2012:

إن الحديث عن الظرف الخاص والدقيق الذي مرت به عملية إعداد الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2011/2012، هو أمر بديهي ولا يحتاج إلى مزيد من القول. فمن ناحية تعد أول موازنة بعد ثورة 25 يناير، ومن ناحية ثانية لا يوجد مجلس شعب ليقوم بمناقشتها، ومن ناحية ثالثة، كان من المتوقع أن يؤدي انخفاض الإيرادات الواضح نتيجة انخفاض عوائد السياحة والاستثمارات إلى إدخال تغييرات كبرى على شكل الموازنة، ومن ناحية رابعة، تعد الموازنة الأولى التي يتم فتح باب مناقشتها على مصراعيه بين النخبة وبين رجال الاقتصاد بل وبين الجماهير العريضة التي تنسمت عبير الحرية لأول مرة وراحت تعبر عنها بكافة الوسائل الممكنة، وتمثلت أبرز تجلياتها في المطالب الفئوية لتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، وهو ما مثَّل ضغطاً هائلاً على التكنوقراط الذين توجب عليهم إعداد موازنة تقلصت مواردها لدرجة كبيرة، وتمددت أوجه الإنفاق فيها بصورة ربما تكون مبالغاً فيها.

وقد كان من أبرز نتائج الاستجابة لهذه الضغوط الشعبية تضمين الموازنة العامة لعام 2011/2012 باباً جديداً للمرة الأولى، يسمى «مصر بلا فقر»، ويتضمن كافة عناصر الإنفاق المالى المخصصة لمواجهة الفقر.

وقد تركزت معظم الانتقادات الموجهة للموازنة العامة في أنها لا تختلف كثيراً في مضمونها عن الموازنة الماضية عن العام المالي 2010/2011، إلا في بعض القضايا الجانبية مثل زيادة الحد الأدنى للأجور دون هيكلة واضحة للأجور والمرتبات؛ وتمويل هذه الزيادة عن طريق فرض ضرائب جديدة قد تهدد الاستثمار الأجنبي في مصر.

وشملت الانتقادات أيضاً أن الموازنة لم تحاول زيادة الإيرادات الخاصة بالدولة وفتح آفاق جديدة للتنمية والاستثمارات، وأنها تعبر عن استمرار نفس سياسة التحيز للطبقة الرأسمالية الكبيرة المحلية والأجنبية التي كانت متبعة في عهد المخلوع حسني مبارك من خلال مواصلة توجيه الدعم لغير مستحقيه وهم الشركات الأجنبية الكبرى التي تستفيد من الدعم الهائل لمصادر الطاقة؛ وأنها رفعت حد الإعفاء الضريبي من 9 آلاف جنيه إلى 12 ألف جنيه فقط, وهو غير كاف، وكان ينبغي رفعه إلى 18 ألف جنيه لكي يساير معدلات التضخم المرتفعة, مما يشكل ظلماً وقهراً للفقراء وللطبقة الوسطي.

وعلى الرغم من أهمية تلك الانتقادات وقيمتها العلمية، إلا أن بعضها فقط يتعلق بالموازنة، وكان يصلح للتطبيق في الموازنة الحالية التي نحن بصدد مناقشة تقييمها، أما أغلبية تلك الانتقادات فلا تصلح من قريب أو بعيد لتقييم الموازنة العامة لعام 2011/2012، فهي تمثل امتداداً للانتقادات الموجهة للموازنات العامة في السنوات السابقة والتي لم يسعف الوقت لتلافيها في الموازنة الحالية، وإنما قد تصلح لانتقاد الميزانية التالية لعام 2012/2013، أو لما يليها إذا جاءت على هذا النحو، فمشروع الموازنة الحالية قد بدأ العمل في إعدادها، وفقاً للفكر الثوري الجديد في عهد الحكومة الحالية منذ منتصف مارس الماضي فقط، وقد تم الإعلان عن ملامحها الأولية تباعاً خلال شهر مايو، حتى اكتملت في أوائل يونيه، وهو وقت ليس كافياً لمراجعة موازنة عامة موضوعة بالفعل وتدقيقها، ناهيك عن إعدادها من الأساس. ولا يكفي هذا الوقت بالطبع لوضع توجهات ثورية، ولا لفتح آفاق جديدة، ولا لإيجاد مصادر إيرادات غير تقليدية، ولا لتغيير هيكل الموازنة من ناحية تقليل الدعم الموجه في وجهات غير صحيحة، على النحو الذي ذهب إليه الكثير من تلك الانتقادات. وبالتالي يمكن – بدرجة كبيرة من الثقة - القول إن الموازنة العامة للعام المالي الحالي، رغم ما بها من أخطاء، تمثل نقلة نوعية في القدرة على زيادة الإنفاق العام في ظل تراجع الإيرادات والاستغناء عن التمويل الأجنبي في نفس الوقت

ثالثاً: إدارة العلاقة مع صندوق النقد الدولي:

لقد بدا بوضوح في علاقة مصر بصندوق النقد الدولي، كما رأتها الحكومة الجديدة، التوجه العام الذي تمت الإشارة إليه سابقاً بشأن النفور الغريزي من فكرة الاستدانة من الغرب، أو المؤسسات المالية التي يعتقد على نطاق واسع أنها تخضع لهيمنته، حتى لا تضطر البلاد للخضوع لشروطه في مجال رسم السياسة الاقتصادية. كما بدا بوضوح أيضاً أن الحكومة مترددة في الميل نحو توجهين أو موقفين متعارضين في هذه القضية، الأول يرى أن مواجهة انخفاض الإيرادات وعدم القدرة على تعويضها من خلال الضرائب، وزيادة أوجه الإنفاق، في نفس الوقت- تتطلب جميعها أن تقدم الحكومة بعض التنازلات في مجال العلاقة مع الصندوق، حتى لا تتوقف المسيرة وتقع البلاد في أزمة مالية قد لا تستطيع أن تتجاوزها بسهولة.

بينما كان الاتجاه الآخر يرى أنه يمكن التغلب على ضغوط الميزانية من خلال تقليل أوجه الإنفاق الزائد والترفيه، ومن خلال زيادة حصيلة الضرائب، ومن خلال القروض والمنح العربية، الأقل في مشروطيتها؛ لتحقيق الهدف الأهم وهو الاستغناء عن الصندوق تماماً، وقد استند أصحاب هذا الاتجاه على أنه، حتى لو حدثت أزمة مالية نتيجة لذلك، واضطرت معها الحكومة لاتباع سياسة تقشفية، فإن القبول الشعبي الجارف للسياسات الاستقلالية عن الخارج سيتجاوز عدم الرضا عن هذا التقشف المفترض. وقد اتضح في النهاية أن الاتجاه الأخير هو الذي حظي بالاختيار.

ففي البداية، طلبت الحكومة المصرية من الصندوق قرضاً تتراوح قيمته بين 10 و12 مليار دولار لسد العجز الكبير في الموازنة، في يوم 13 مايو 2011. وعلى غير المتوقع، أبدى الصندوق تفهمه للمطالب المصرية واستعداده لتلبيتها بدون شروط، على النقيض من مواقفه التقليدية من الطلبات السابقة التي كانت تتقدم بها مصر وغيرها من البلدان النامية؛ حيث كان يشترط تطبيق حزمة من التعديلات الهيكلية على الاقتصاد المصري، تتضمن ضبط الميزانية وتقليل الدعم، وتعديل هيكل الأجور، والحد من دور القطاع العام، وغير ذلك من الشروط المعروفة.

بل وأكثر من ذلك، أصدر الصندوق بياناً قصيراً، يوم 3 يونيه الماضي، للتعليق على إعلان الميزانية الجديدة لمصر، رحب فيه بمشروع الموازنة العامة المصرية، مشيراً إلى أن الأهداف العامة لها، خاصة العدالة الاجتماعية ودعم الأسر محدودة الدخل وإنعاش الاقتصاد وتوفير فرص العمل مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي، هي نفس المبادئ والأهداف التي يتبناها الصندوق، كما أعلن أن المشاورات التي تجريها بعثة الصندوق مع الحكومة المصرية – في ذلك الوقت - تسير على نحو طيب، وتتناول عناصر الخطة الاقتصادية المصرية التي يمكن أن يوفر لها الصندوق الدعم المالي.

وبعد ذلك بيومين فقط، أعلن سمير رضوان وزير المالية المصري عن إبرام اتفاق مع الصندوق يقضي بمنح مصر قرضاً بقيمة 3 مليارات دولار بفائدة نسبتها 1٫5% فقط، وأن هذه الفائدة منخفضة مقارنة بالفائدة التي تبلغ 7%، والتي تفرض على القروض لمصر في السوق المفتوحة؛ ونفى رضوان أن يكون قد تم ربط القرض بأية شروط باستثناء نصائح عامة من الصندوق لمصر بشأن ضرورة خفض عجز الموازنة فى فترة محددة وخفض معدلات التضخم.

وبالرغم من ذلك، فوجئ الجميع بإعلان الحكومة المصرية، على لسان عبدالفتاح الجبالي، مستشار وزير المالية، يوم 25 يونيه، أي بعد إعلان الموافقة بأسبوعين تقريباً، أن مصر قررت التخلي عن الاقتراض من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، نتيجة لضغوط الرأي العام، حتى تتجنب البلاد عبء الفوائد وأقساط القروض، مشيراً إلى أن الحكومة اتبعت سياسة خفض العجز في موازنة الدولة، بدلاً من الاقتراض لتمويلها، وأنها ستتجه إلى القروض المحلية والمساعدات والهبات، في حالة حاجتها لتمويل عجزها.

وقد تركزت معظم الانتقادات التي انصبت على هذا القرار أنه قرار شعبوي (ديماجوجي)، قد ينقذ الحكومة من جدل سياسي غير مقبول داخلياً، لكنه خاطئ من الناحية الاقتصادية؛ حيث رأى بعض الاقتصاديين أنه بدون مساعدة صندوق النقد الدولي، فسوف تواجه مصر بأعباء صعوبة التمويل وارتفاع تكاليف الديون والتضخم، وأن النشاط الاقتصادي في القطاع الخاص سيواجه أوقاتاً صعبة من أجل تجميع رؤوس الأموال اللازمة لاحتياجاته الاستثمارية، الأمر الذي قد يفرض على الشركات المصرية أن تتنافس بصورة أكثر شراسة لكي تحصل على رأس المال الاستثماري الذي تحتاجه، وهو ما يهدد بزيادة الضغوط التضخمية، ومن ثم وضع عبء على كاهل الفقراء المطحونين في مصر، بدلاً من تخفيفه. وقد كان من الممكن الحصول على هذه القروض الدولية الكبيرة بشروطها الميسرة، وحتى وإن أمكن الاستغناء عنها في تمويل عجز الموازنة؛ نظراً لأن البلاد تحتاجها بشدة كاستثمارات لتوفير فرص العمل وضخ الحيوية في الاقتصاد وخصوصاً في مجال السياحة، أو لسداد الديون باهظة التكاليف.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل