المحتوى الرئيسى

عمر الحاذق يكتب : هل أنت "طرطور"؟!

07/16 10:54

منذ أيام قليلة وعلى أثر تداعيات جمعة 8 يوليو، بادر الدكتور شرف إلى اقتراح ثوري ربما لأول مرة منذ توليه رئاسة الوزارة ، فقرر إنهاء خدمة الضباط المتهمين بقتل متظاهرين ، وحين عدتُ للبيت وجدتُ إخوتي غارقين في الضحك ، مالكوم يا ولاد ؟ قالوا إن وزير الداخلية منصور العيسوي صرّح بأنه ليس "طرطورا" ، وأنه لن ينهي خدمات الضباط إياهم . في البداية ضحكت من قلبي ، لأن أحدا لم يقل للسيد العيسوي بأنه طرطور، ليؤكد لنا نفي التهمة عنه ، لكنني بعد ذلك تذكرتُ فرحتي الأولى باختياره وزيرا للداخلية ضمن حكومة شرف ، وقتها بحثتُ عن اسمه على اليوتيوب وسمعتُ منه آراء شجاعة جدا عن الشرطة من قبل الثورة . الآن أشعرُ بالأسى من وزارة العيسوي ، التي أرجو أن تكون نهايتها قريبة جدا ، وقبل أن ينفد رصيده تماما وينقلب إلى غضب عارم ضده وضد الحكومة . كان يمكن للسيد العيسوي أن يوقف هؤلاء الضباط عن العمل لحين انتهاء التحقيقات ، وهو إجراء قانوني ومنطقي ومتكرر الحدوث ، لكنه في حركة التنقلات الأخيرة ، قرر قرارات خطيرة، ويجب أن نتوقف عندها ونتأملها .
 - مبدئيا : نعلم جميعا أن العلاقة بين الثوار والمجلس العسكري وصلت لأصعب مراحلها بسبب عجز المجلس عن تقديم أداء ثوري حقيقي ، وعجز وزارة الدكتور شرف عن الخروج من عباءة المجلس ؛ العباءة التي خلعها مبارك وألبسها للمجلس ليرتاح في شرم الشيخ من المصريين " الغوغاء " كما قال علاء وجمال عنا مؤخرا في رسالة لرجل أعمال عماني . ونعلم جميعا أن اندفاع الثوار إلى الميادين يوم 8 يوليو واعتصامهم واندفاع بعضهم إلى تهور مرفوض تماما مثل إغلاق مجمع التحرير ... كل ذلك أربك المجلس والحكومة تماما وورّطهما في بيانات وخطابات زادت الطين طينا دون قصد ؛ وهو ما دفع الدكتور شرف لتهدئة الثوار بالإعلان عن إنهاء خدمة هؤلاء الضباط، والتعجيل بحركة التنقلات المرتقبة في ظل الدعوات المتوالية لإعادة هيكلة الداخلية  .
 - يترتب على ذلك أن يكون السيد العيسوي شديد الدقة في قراراته وتصريحاته لأن الموقف مشتعل فعلا ، ويتطلب حنكة سياسية بالغة لاحتواء الموقف ، فماذا فعل السيد العيسوي ؟ أكّد لنا أنه ليس طرطورا !! أحمدك يارب . لكن هذا التأكيد ، مع الأسف ، أثار شهيتي للتأمل البسيط في كيفية رؤيتنا للمفاهيم ، وقدرتنا على تشويهها وتحريفها ، لذلك دعنا نتأمل معا يا عزيزي القارئ حول هذه المعضلة : من هو الطرطور؟ هل هو الرجل الذي يعلّق الملايين آمالهم عليه ثم يخذلهم خذلانا مبينا ؛ خاصة إذا كانت آمالهم هذه من أساسيات عمل هذا الرجل ، مثل حفظ الأمن ومعاقبة المذنبين وتوقيفهم لحين انتهاء محاكماتهم وحماية أهالي الشهداء من التهديدات و.....
-  طيب ، بدأنا ننتظر حركة تنقلات الداخلية ، ولا أخفي عليك عزيزي القارئ أنني بدأت أشعر بقلق بالغ من الاستقطاب العنيف الحادث بين المجلس والشعب ؛ خاصة أن الخبرة الإنسانية البسيطة تقول إن أي إنسان إذا دخل معركة ليفوز بأي شيء وفاز به فعلا ثم اكتشف أنه مخدوع فإنه سيعيد المعركة لكن بأسلحة أخرى أكثر عنفا وغضبا؛ فما بالك لو كانت المعركة معركة أسرة شهيد لمحاكمة قاتل ابنها ؟ وهذا ما يفسر قيام أسر شهداء الإسكندرية بقطع طريق الكورنيش يوم 8 يوليو، حتى أقنعهم النشطاء بخطورة هذا التصرف ، في نفس الوقت الذي توجه فيه المتظاهرون في السويس لمكتب إرشاد السفن ، وقام فيه بعض متظاهري التحرير بتصرف أهوج وأغلقوا المجمع . الحمد لله لأن الأغلبية الواعية في هذه الميادين كلها أنقذت الموقف وأفهمت الأقلية غير الواعية بخطورة تصرفاتهم الغاضبة ، وهذا من الدروس المهمة جدا للثوار: أن ينجحوا في اكتشاف أخطائهم ، والاعتراف بها ، ومن ثم تصحيحها قبل فوات الأوان .
-  وبسبب قلقي من هذه الهوة الكبيرة بين المجلس والشعب قررتُ بشكل شخصي ألا أنزل مظاهرة اليوم " الجمعة 15 يوليو" على أمل أن ينجح الدكتور شرف في اختبار الفرصة الأخيرة ويختار وزارة تريح قلوبنا ، لكنني عرفتُ اليوم صباحا أن وائل الكومي المتهم بقتل 23 شهيدا سكندريا نُقل إلى شرطة الكهرباء ، في البداية ظننتُ أن شرطة الكهرباء هي الإدارة المختصة بتعذيب المواطنين بالكهرباء ، ثم اكتشفت أنها إدارة يحلم بها الضباط ويعتبرونها ترقية و"تزبيطا" لتضاعف المرتبات فيها ، ثم عرفتُ أيضا أن اللواء خالد غرابة أصبح مدير أمن الإسكندرية ؛ وهو الذي سحل المتظاهرين في إضرابات المحلة سنة 2008 ، كما سحل متظاهري الإسكندرية عام 2010 . هنا قررتُ نزول المظاهرة فورا . أنقل الآن هتافا واحدا من جملة هتافات الإسكندرانية أمام مديرية أمن الإسكندرية احتجاجا على اختيار غرابة مديرا لأمنها وخالد شلبي حكمدارا لها: آدي مفهومهم للتغييرْ / خالد غرابة يبقى مديرْ . والهتاف يقول كل شيء .
- مازلت أستغرب كثيرا من إصرار الحكومة والمجلس على استفزاز الشعب المصري. وهنا أستدعي لقطة حضارية مذهلة للمصريين : حين تفرجتُ على مقاطع اليوتيوب عن موقعة الجمل لاحظت أمرا عجيبا : مشاهد كثيرة لمتظاهرين يمنعون زملاءهم من ضرب البلطجية الذين أمسكوا بهم ، بل الأغرب من ذلك : مشاهد لعشرات البلطجية المقيّدين في أركان الميدان بعد ربط جروحهم بالشاش والقطن بسبب سقوطهم من على الجمال والأحصنة . قلت لنفسي : ما هذا الشعب يا ربي ؟؟ أين يمكن أن تجد شعبا طيبا لدرجة أن يداوي جروح البلطجية الذين قتلوا المتظاهرين بالشاش والقطن والأدوية الخاصة بالمتظاهرين أنفسهم (الضحايا) والتي لم تكن متوفرة بكثرة بل كانت تأتي بتبرعات شخصية!! حقيقة لن تجد شعبا بهذه الطيبة ، وهي الطيبة التي جعلت قادة المجلس يدركون جيدا أن الجندي المصري لن يطلق الرصاص أبدا على المتظاهرين لأنهم أهله. وحين نقرأ مبادئ الأنثروبولوجيا والتاريخ نعلم أن هناك قيما حضارية تلازم الشعوب التي تؤسس بيئتُها هذه القيم وترسخها لآلاف السنين ، فالبيئة النهرية الفيضية ربطت الشعب المصري بأحد أعظم أنهار البشرية الذي ينتظرون فيضه الرحيم ليروي زراعاتهم ، ومن هنا ارتبطوا بالزراعة التي علمتْهم الحنان والرعاية الدائمة والانتماء للأرض وحب السلام .
   لقد قال وول ديورانت دون تردد في " قصة الحضارة " إن حضارة المصريين علّمت العالم كيف يمكن أن تكون الحياة جميلة راقية وادعة. تأمّلْ معي قول ديورانت : "ولم يُعثر على شواهد يُستدل منها على وجود شرطة.... وليس في العالم كله غير مصر –إذا استثنينا الأمة الصينية- جرؤتْ أن تعتمد كل هذا الاعتماد على العواكل النفسية لحفظ الأمن في البلاد". تذكرتُ كل ذلك حين رأيتُ صورا لبعض البلطجية الذين عذبهم المتظاهرون ونزعوا ملابسهم وعلّقوهم في التحرير. ومنذ ساعات صرح اللواء حسن الرويني بانزعاجه من ضرب البلطجية وتعليقهم في الميدان قائلا إن المتظاهرين كانوا دائما يسلمون البلطجية للجيش مباشرة، أريد أن أقول له: اسأل نفسك يا سيادة اللواء، لماذا فعل المتظاهرون ذلك الفعل الذي نرفضه جميعا ؟
أريد أن أصرخ بكل طاقتي وأقول إنني أخاف أن نفقد "مصريّتنا" العظيمة التي كانت السبب الحقيقي في إبهار العالم بثورتنا، وأنا لا أعفي إخواني الثوار من اللوم العنيف على هذه التصرفات، لكنني أؤكد للمجلس العسكري أنه سيندم حقا (وسنندم جميعا) إذا استمر استفزاز المصريين والتباطؤ في تنفيذ مطالب الثورة لأنني خائف فعلا من انفلات الأمور، خاصة مع تصريح بعض أهالي الشهداء في برامج التوك شو بأنهم يكتمون آلامهم حتى يستردوا حقوق شهدائهم بالقانون، لكنهم سينفذون القانون بأيديهم إذا لم يُنفّذه القائمون عليه ، وهذا أمر أرفضه طبعا لكنني أتفهّمه لأنني لو قُتِل أخي أمامي في مظاهرة ، فسأسعى للقصاص العادل بالقانون، أما لو كان القائمون على تحقيق العدالة لا يفهمون معنى أن أرى أخي يُقتل أمامي برصاص ضابط مجرم ، فإنني بصراحة وصدق لن أقاوم تنفيذ العدالة بيدي رغم ما في ذلك من خطورة على المجتمع بأسره لأن هذا المجتمع فرّط في أبسط حقوقي الإنسانية. أرجوك يا مجلسنا العسكري أن تضع نفسك مكان هؤلاء الآباء المفجوعين .
سأنتظر التغيير الوزاري القادم وسأعلّق أملي مرة أخرى على الدكتور شرف، وسأدعو له من قلبي أن ينقذ مصر لأنها تعيش لحظات من أقسى لحظات تاريخها المفعم بالحب والسلام.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل