المحتوى الرئيسى

أيام الجحيم بين كوسوفا والقاهرة

07/16 10:52

حالة ميدان التحرير آخر " لخبطة" لم نعد نعرف من مع من، ومن ضد من؟ ولماذ الناس تهيج على بعضها لدرجة تبادل الضرب والشتام، وانتهت حالتة الرومانسية، التي كانت تغذي عقولنا وقلوبنا في الأيام الأولي للثورة؟!.  حالة غريبة وإن كنا نعتبرها طبيعية لشعب فتح لنفسه طاقة في سجن الحرية، ولم يصدق بعد أن معه مفاتيح الزنازين التي عاش بداخلها طوال 30 عاما، دون أن يفكر في "الشعبطة" على خوخه الباب ولا حديد الشباك.

كلام الناس في الميدان وخارجه آخر حلاوة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بضرورة محاسبة اللصوص ورموز الفساد وتحقيق العدالة السريعة والحرية، ولكن من غير المفهوم أن يتقاتل البعض على هوية البلد، ويخرج من يقول هي مصر إسلامية ولا عربية ولا فرعونية على قبطية؟، ويدفع بالمناقشات إلى الجدل حول: هو الدستور أولا أم الانتخابات؟ ليس بهدف سوى الالتفاف حول طبيعة الدولة المصرية؟. كانت المناقشات تجري على الملأ بخفة دم واستظراف، إلى أن خرج بعض رموز  الفتنة برسوم وتصريحات تسئ للمسلمين، وجعل الناس تتطرف في ميولها تجاه أي فكر ليبرالي، بل تشكك في المدافعين عنه!.

أساءت بعض المظاهرات لما هو مقدس، بعد أن أشاعت جوا من الفحش في القول والفعل، الأمر الذي دفعني إلى مقاطعة الميدان، بعد أن فقد رومانسيته، التي عشت بها في الأيام الأولى للثورة. جاءت فرصة الخلاص من وجع الدماغ، برحلة عاجلة إلى دولة كوسوفا التي شهدت مذابح جماعية لسكانها على يد الزعيم الصربي مليسوفيتش، في العقد الماضي. كنت أحسب أني هارب من جحيم القاهرة،حيث الغليان في التحرير، ودرجة الحرارة الملتهبة تخطف الأنفاس، للاستمتاع بأجواء جبال الألب الأوربية الشاهقة، مصدر النسائم العطرة على جنوب البلقان وشمال البحر المتوسط.

عندما ركبت الطائرة المتجهة إلى كوسوفا اكتشفت أنني استجرت من الرمضاء بالنار، فالرحلة التي منتيت بها النفس، لم تكن سوى علقة ساخنة. فقد اتجه الموكب الطائر إلى العاصمة اسطنبول، لأن الدولة التي طرت ناحيتها، لم تحصل من مصر على حق تشغيل خط طيران مباشر لها. وبدلا من أن تكون السفرة في ساعة ونصف، من القاهرة إلى برشتينا مباشرة، توجهت الطائرة فوق البحر المتوسط إلى اسطنبول، في ساعتين، وهناك افترشنا الأرض 7 ساعات، انتظارا لطائرة أخرى تقلنا من اسطنبول إلى برشتينا في ساعة و30 دقيقة، بعد عبورها أجواء اليونان ودول الاتحاد اليوغسلافي المنحل، مثل مقدونيا والصرب. بعد وصولنا بلحظات إلى مطار الدولة التي يبلغ رقعتها نحو 10 آلاف كيلو متر مربع، ويسكنها مليوني شخص، بما يوزاي منطقة شبرا ، أو أحد أحياء الأسكندرية.

الأمر الذي لم أكتشفه إلا في رحلة العذاب أن دولتنا الحائرة في ميدان التحرير الآن، مع اتجاهات ممولة وإعلام يقوده أرجوزات وفلول النظام، يسمي من يتمسك بدينه في هذه الآونة" حشاشون" ويطلب اقصاء أي رجل يقول ربي الله من الميدان وراء النكبة التي جعلتنا نعيش 72 ساعة من الجحيم. فحكومتنا السابقة التي تخاف من كل من يتذكر أنه مازال يعرف أنه مسلم، رفضت الاعتراف بدولة كوسوفا، لأن الصرب المدعومين من روسيا والكنيسة الأرثوذوكسية في موسكو، طلبت من مصر عدم الأعتراف بدولة كوسوفا منذ قيامها عام 2008. كانت لدى روسيا ورقة تريد الضغط بها على مصر، حينما كانت السودان تتجه إلى انفصال جنوبها عن شمالها، ولم ترغب مصر في أن يتجه العالم إلى الاعتراف بدولة جنوب السودان، فإذ بالأمور تتطور ويعلن النظام السابق أنه سيكون أول من يعترف باستقلال جنوب السودان بعد الخرطوم، وتحصل تلك الدولة على اعتراف من الأمم المتحدة فور قيامها الأسبوع الماضي، بعد أن حصلت على الدعم المصري ودول الجوار فقط، بينما دولة كوسوفا لم تتمكن من الحصول على مقعد لها في الأمم المتحدة، رغم حصولها على الاعتراف من 76 دولة أخرى، لأن جارتها صربيا لم تعترف بها وطلبت  روسيا والصرب من مصر تنظيم حملة لمنع الدول الإسلامية من الاعتراف بكوسوفا المسلمة نهائيا!.

خسرت مصر مصالحها في جنوب السودان بيدها وليس بيد الصرب، الذين قتلوا نحو مليون مسلم في كوسوفا، أي 50% من عدد السكان خلال 10 سنوات فقط، وإذا حسبنا من قتلوهم منذ احتلال الصرب لأرض المسلمين في البلقان أثناء الحرب العالمية الأولي، لعرفنا حجم المأساة التي يعيشها أهل كوسوفا، طوال قرن كامل. وبينما قامت دولة مسيحية في جنوب السودان، يسكنها 17% مسلمون كانوا يسيطرون على وسائل التجارة 18و % من المسيحيين الذين تعمدهم حملات تبشيرية أمريكية وبريطانية، و65% من السكان بدون ديانة، لفظنا دولة تتحصن بنا يقيم  على أرض محروقة، نحو 95% من أفرادها يدينون بالإسلام، يتعلمون اللغة العربية في القاهرة، ويستعينون بأبنائنا ومعلمينا في تلقينهم دينهم ومعارفهم.

تلك الأزدواجية المفطرة لدى النظام السابق في تحديد أولوياته الاستراتيجية، وعدم معرفتة لعدوه من صديقه، هي التي أسقطته في الوحل، فجعلته في خصام مباشر مع مسلمين يعشقونه، لصالح مبشرين يسرقون مستقبله. الغريب أن النظام الفاشل أورث بعض سكان خيام ميدان التحرير وأنصارهم آفاته، فجعلهم يكرهون الدين، كراهية التحريم، ولا يفرقون بين المسلم المعتدل والمتطرف وبين الخائف على قيمه ودينه من التميع في وقت تنحرف فيه العقول، والذي يتشدد لاتخاذ الأمر وسيلة للانقضاض على السلطة. ويحاول الكارهون للدين دفع الحكومة إلى محاربة كل متدين، بما يملكونه من مال وقنوات وبرامج وصحف هابطة، وهؤلاء بالطبع لا ينظرون إلى مشاكل دولة مثل كوسوفا تئن تحت الاستعمار والضغط الروسي الصربي، منذ قرن كامل. فهذه النوعية من مدعي الثورة وأرجوزات الإعلام يجرون وراء السفريات مع أشكالهم، الذين لا يتعبون ويمرحون و يعودون محملين بالهدايا والذي منه، بينما دولة مثل كوسوفا أو المسلمون الغلابة في كل مكان يحتاجون إلى من يمد لهم يد العون والدفاع عن حقوقهم المسلوبة.

لذا ضاع الأمل في أن يساهم أمثال هؤلاء، في رسم خارطة طريق للمستقبل، لأن ضلاهم، أعمى قلوبهم وأضاع كلمتهم، بينما كل الأمل في نظامنا الجديد وحكومتنا المؤيدة من كل ثائر بحق، أن تعيد ملفات كوسوفا لتكون داعما لدولة مهمة في قلب أوربا، تعشق مصر، وكم كانت مصدرا لخير حكامها، وهو محمد على باشا والعديد من القادة العظام، فقد سقطت أوراق الضغط الدولية ولن يبق النظام إلا بأن يستجيب لطلبات الشعب.

Adelsabry33@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل