المحتوى الرئيسى

قناة السويس وتغريبة التهجير

07/16 08:10

استنكر البعض عنوان « قناة السويس خط أحمر» الذى كتبته منذ عدة أيام، قائلاً: «الثورات ليست بها خطوط حمراء، وتكبيل الثورات بالخطوط الحمراء هو اغتيال لمعنى الثورة نفسها»!!، وأعتقد أن هذا كلام أقل ما يقال عنه أنه يجافى الحقيقة والمنطق، فعدم وجود أى خط أحمر يحول أى ثورة لفوضى عارمة وبركان فوار يقذف بالحمم عشوائياً على الجميع، وثورة يناير لم تنجح بالفوضى، بل نجحت بالنظام والتخطيط إلى جانب الإرادة والتصميم، وعندما انتقل الـ«فيس بوك» من مرحلة الشات والفضفضة إلى مرحلة التخطيط والتحريض المنظم حدثت شرارة الثورة التى شارك فيها الشعب وهتف سلمية.. سلمية، ولم يدر بخلده أبداً أن يأتى اليوم الذى يهدد فيه مواطن مصرى ـ وللأسف من منطقة القناة ـ بقطع المجرى الملاحى لقناة السويس.

لم يكن ارتباطى بقناة السويس كحياة وعمل هو مصدر حماسى ودهشتى من موقف بعض سكان القناة الذين رفعوا هذا التهديد، ولكن ما شاهدته وأنا طفل أثناء إجازاتى الصيفية فى دمياط وفى قرية الشعراء تحديداً عندما عاصرت فترة تهجير أبناء بورسعيد إلى محافظة دمياط بعد هزيمة 67، مازلت أتذكر طابور المهجرين أو من كانوا يسمونهم أحياناً «الغرب» –جمع غريب – وهم يقفون فى طوابير بالآلاف لتسلم البطاطين التى تحميهم من صقيع دمياط القارس، مازلت أتذكر المهانة والذل اللذين كانا يسكنان عيونهم المنكسرة وهم يهبطون من سيارات النقل لكى يناموا فى فصول مدارس رأس البر وكأنهم فى عشش فراخ دون أدنى مراعاة لأبسط معانى الإنسانية بحجة أنه لا صوت يعلو على صوت المعركة، لقب المهجر كان دائماً يحكم تصرفات هؤلاء البؤساء الذين أجبروا على ترك مساكنهم ومدارسهم وأعمالهم وحياتهم فى لحظة وبمجرد قرار، اضطروا إلى قبول العيش فى ظروف طاحنة تحت خط الفقر وهم أبناء الرفاهية البمبوطية والبهجة البورسعيدية، اضطروا إلى الاندماج أو تمثيل دور الاندماج كى تستمر الحياة وتمشى عجلة العيشة، ساعدهم على اجتياز تلك المرحلة العصيبة دون انتحار أو ذوبان هوية أنهم والدمايطة أبناء عمومة، وقد فتح لهم الدمايطة اقتسام البيوت وشراكة التجارة وحتى علاقات النسب والزواج، ولكن ظل التمايز واضحاً رغم ذلك، وظل الحنين مؤرقاً والحزن غالباً مغلفاً كل التصرفات، وظلت نظرة الحنين ودمعة الهجر والشجن تغلفان كلماتهم، حتى عادوا إلى مدينتهم وكذلك الإسماعيلاوية والسوايسة، كلهم ظلت وسائدهم قبل العودة أشواكاً، وبيوتهم سجوناً، وضحكاتهم بكاء مكتوماً، حتى حدث نصر أكتوبر وعادوا إلى مدنهم على ضفاف القناة وقد منحتهم الغربة جرحاً ظل كالوشم يصرخ تمسكاً بالمدينة الوطن والأم.

من نسى أو تناسى تلك التجربة المريرة لابد من أن أذكره بها، فآفة حارتنا النسيان كما يقول نجيب محفوظ، لابد أن يتذكر كل من نادى بهذا العبث وهدد بقطع المجرى الملاحى ولو فى لحظة غضب، لابد أن يتذكر لحظات التهجير المغموسة فى ملح الذل والهوان، فالتحرش بشريان الحياة لا يخضع للهذار أو اللهو أو اللعب، وقد كان التهجير محتملاً ونحن 20 مليون مواطن مصرى، أما ونحن 85 مليوناً، فهنا سيكون التهجير كارثة ودعوة صريحة لأكل لحوم البشر وسفك دم الأخ لأخيه دفاعاً عن لقمة العيش، ومن كان يعتبر مهجراً بالأمس سيعتبر مخرباً وخاطفاً للقمة العيش من فمى اليوم!!.

النسيان أحياناً يكون علاجاً، ولكن فى أحيان أخرى يكون مرضا وداء بلا دواء.

info@khaledmontaser.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل