المحتوى الرئيسى

أبعد من استقبال حماة للسفيرين الأميركي والفرنسي

07/16 03:23

خير الله خير الله

بدل مهاجمة السفارتين الأميركية والفرنسية في دمشق، يفترض في النظام السوري أن ينظر إلى أبعد من ذلك وأن يسأل نفسه لماذا استقبلت حماة السفيرين الأميركي والفرنسي بالورود؟ ربما كان السؤال الأسهل كيف يمكن أن يتحوّل السفير الفرنسي، الذي كان يمتلك من الغباء السياسي ما جعله من مناصري النظام ومن المدافعين عنه بحماسة ليس بعدها حماسة، إلى منتقد شرس له؟

عندما يتجرأ النظام على طرح مثل هذا النوع من الأسئلة بدل الرد بالاعتداء على مقري السفارتين، يصبح هناك بعض الأمل بالتفكير في إصلاحات جدية تؤدي إلى انتقال سورية إلى بلد طبيعي يتصرف في إطار القانون ويحترم مواطنيه وجيرانه قبل احترامه لمقرات البعثات الديبلوماسية في دمشق.

رغم التصرف غير اللائق في حق السفارتين، يشكّل اللقاء التشاوري الذي دعا إليه النظام، وشاركت فيه شخصيات عدة، خطوة إلى الامام، خصوصاً أن عدداً لا بأس به من الذين اتيحت لهم فرصة إلقاء كلمات في اللقاء تحدث صراحة عن ضرورة الانتهاء من الدولة الأمنية والقمع، بما في ذلك التوقف عن إطلاق النار على المتظاهرين، وإقامة نظام جديد مختلف يقوم على الديموقراطية وتبادل السلطة سلمياً. بكلام أوضح، لا مفرّ من تغيير النظام عاجلاً أم آجلاً بدل الجدل البيزنطي في شأن إصلاحات غير قابلة للتحقيق. هذا ما أراد قوله الذين قاطعوا اللقاء التشاوري. هؤلاء تجاوزوا مرحلة الرهان على الإصلاحات وباتوا في معظمهم على قناعة بأن سورية مقبلة على مرحلة انتقالية. من سيتولى نقل البلد إلى الديموقراطية في ظل دستور جديد يقر بحق المواطن بممارسة حرياته والتمتع بحقوقه؟

من يقرأ جيداً الخطاب الذي القاه نائب رئيس الجمهورية السيد فاروق الشرع في افتتاح مؤتمر الحوار الوطني يكتشف أن كل ما يحاول النظام عمله هو الاكتفاء بكلام عن الشكليات تفادياً للبحث في الأزمة العميقة التي يعاني منها النظام. يبدو من كلام الشرع، ابن درعا التي ترفض أي حوار معه، أن هناك رهاناً لدى قادة النظام على أن ما يجري حالياً في سورية مرحلة عابرة. من الواضح أن هناك رهاناً على تجاوز المرحلة عبر توفير بعض الحريات والتظاهر بأن النظام تغيّر في انتظار اليوم الذي تتوفر فيه الفرصة للانقضاض مجدداً على كل الهيئات والشخصيات التي توّلت تعبئة المواطنين خلال الثورة الشعبية التي تشهدها سورية حالياً.

لذلك، يتحدث كل من له علاقة ما بالنظام عن أهمية المحافظة على الوضع الراهن من جهة، وتأكيد قدرة الرئيس السوري الدكتور بشّار الأسد على قيادة المرحلة الانتقالية من جهة أخرى. هناك تجاهل تام لواقع يتمثل في أن مطالب الشعب السوري تجاوزت هذه المرحلة وأنّ المطلوب أكثر من أي وقت أخذ العلم بذلك وايجاد ترتيبات تمهد للانتقال إلى مرحلة جديدة مختلفة جذرياً. إنها مرحلة مختلفة عن كل ما هو قائم في البلد منذ العام 1963 تاريخ تولي «حزب البعث» السلطة اثر انقلاب عسكري، ثم انقلاب الرئيس الراحل حافظ الأسد على الذين شاركوه في السلطة حتى العام 1970 حين نفّذ انقلابه على رفاق الدرب، وكانوا في معظمهم من السذّج مقارنة به.

ما تبدو سورية في حاجة إليه في هذه المرحلة يتجاوز الشكليات، خصوصاً أن معظم المنتمين إلى النظام ما زالوا يتحدثون عن «مقاومة» و«ممانعة» و«مؤامرة خارجية» لتبرير القمع الذي استخدم في مواجهة الشعب السوري. لقد استقبل أهل حماة السفير الأميركي في دمشق بالورود، كذلك السفير الفرنسي. هل يمتلك النظام ما يكفي من الشجاعة لمواجهة هذه الحقيقة وطرح الأسئلة المترتبة على مثل هذا الحدث؟ الأكيد أن أهل حماة ليسوا معجبين بالسياسة الأميركية أو مغرمين بها إلاّ أنهم على استعداد لعمل اي شيء من أجل التخلص من النظام الحالي...

ما شهدته حماة دليل على مدى الوعي الذي يمتلكه السوريون لطبيعة النظام والشعارات الفارغة التي يرفعها. فـ«المقاومة» و«الممانعة» ليستا سوى مقاومة وممانعة بالكلام. في واقع الحال انهما رمز لسياسة تقوم على الابتزاز والتخريب في كل المنطقة العربية. انه وهم الدور الاقليمي الذي لا وجود له سوى لأنّ إسرائيل لا تمانع في أن يبقى النظام السوري قادراً على ممارسة دوره الحالي على كل صعيد في المنطقة بدءا بمتابعة تسهيل وصول الأسلحة إلى لبنان!

في النهاية، لا معنى لأيّ كلام عن إصلاحات في سورية يتولاها النظام في حال لم يتخلّ عن شعاراته المضحكة- المبكية من نوع «المقاومة» و«الممانعة» و«الصمود». تبين بعد الذي حصل في حماة لدى زيارة السفيرين الأميركي والفرنسي للمدينة أن النظام في واد والشعب في واد آخر. لا هدف لهذه الشعارات سوى تمكين النظام من متابعة ممارسته لعملية الهروب إلى أمام واللعب في الوقت ذاته على التناقضات العربية- العربية كما حصل في الأعوام القليلة الماضية عندما دخل على خطّ التنافس بين السعودية وقطر. استفاد من ذلك لبعض الوقت، إلى أن جاء اليوم الذي ارتدت تلك الألاعيب عليه بعدما تبين أنها دليل على قصر نظر لا أكثر. هل يمكن لنظام يسعى بالفعل إلى إصلاحات في سورية نفسها أن يدعم عملية تخريب منظمة في لبنان تعتمد على السلاح الفلسطيني في قواعد عسكرية سورية داخل الاراضي اللبنانية وتشجيع ميليشيا مذهبية إيرانية على فرض حكومة من لون معيّن على الشعب اللبناني؟ كيف يمكن لنظام يشكو من إثارة الغرائز المذهبية في سورية أن يتصرف بالطريقة التي يتصرف بها خارج حدوده حيث لا همّ له سوى دعم المجموعات الميليشيات المذهبية المسلّحة أكانت شيعية او سنّية؟

هذه ليست الطريق إلى الإصلاحات في سورية. انها الطريق الأقصر لتأكيد أن النظام السوري غير قابل للإصلاح، وأنه عاجز عن أخذ العلم بأن العملية الإصلاحية كلّ لا يتجزّأ. لا يمكن على سبيل المثال وليس الحصر القبول بتعددية حزبية في سورية والعمل على نسف كل ما له علاقة من قريب أو بعيد بما بقي من حياة ديموقراطية في لبنان والاصرار على ممارسة لعبة عفا عنها الزمن تعود بالضرر على السوريين واللبنانيين في آن.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل