المحتوى الرئيسى

(غوبلز) في زمن المغفلين بقلم:د.عمر فوزي نجاري

07/15 18:59

الدكتور عمر فوزي نجاري

(غوبلز) في زمن المغفلين

( عندما تخرج الكلمة من القلب, فإنها تستقر في القلوب, أمَا إذا خرجت من الشفاه فإنَها لن تتجاوز الآذان), حقيقة ساطعة كالشمس في وضح النهار لا يحجبها غربال الكذب, ومن يتكل على الكذب لإيصال مراده, مثله كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه!.

في عهد النازية الألمانية اعتمد ( غوبلز) وزير إعلام هتلر, على مقولة( اكذب , اكذب, اكذب, حتى يصدقك الآخرون). في الواقع ربما صدقه آخرون كثر وقتها سواء داخل ألمانيا أو خارجها, إلاّ أنّ ما لم يدركه(غوبلز) أنّ أكاذيبه صدمت الشعب الألماني عندما اكتشف الحقيقة متأخراً, تلك الحقيقة التي ارتبطت بسقوط النازية تحت نعال الحلفاء.

مقولة (غوبلز) السابقة, لا تزال معتمدة من قبل بعض أجهزة الإعلام التي لم تستطع الانفتاح على الذات في الداخل ولا على الآخرين في الخارج, لأنّها و ببساطة لا زالت غير قادرة على إدراك كنه التطورات الهائلة في وسائل الاتصال والإعلام في عصر التواصل الاجتماعي عبر الشبكة العنكبوتية والفيس بوك والتويتر وغيرها!.

مقولة (غوبلز) الشهيرة, انتهت صلاحيتها مع الانفجار المعرفي والتواصلي الذي شهدته البشرية مع مطلع القرن الحادي والعشرين, وانتهى معها زمن طيبة المغفلين, وقد بات العالم أجمع اليوم قرية كونية لا ينقطع الاتصال بين أجزائها في أي لحظة من اللحظات.

إنّ من يعتمد مقولة (غوبلز) في إطلاق ما يريده من معلومات ضمن هذا الزخم الاعلامي الهائل, لن يجد من يصدقه, حتى داخل دائرته الاعلامية الضيقة, عصر بات يفرض نفسه على الإعلام و الإعلاميين: من لا يصدق مع نفسه لن يجد من يصدقه, لأنّه وكما يقال: ( حبل الكذب قصير), فقل الحق ولو على نفسك, فتربح نفسك وتكسب ود الآخرين, فالإعلام الحر هو الإعلام الصادق, هو الإعلام الذي يدخل القلوب ويستقر في العقول, وما عداه لا يتجاوز صيوان الأذن ليرتد خائباً نحو مصدره!.

الصدق موضوع أكبر من الواقع وأقرب إلى الأحلام في عصر الشبكة العنكبوتية وثورة الإعلام, فهو قوة نارية تخترق القلوب والعقول وتؤجج المشاعر, من خلال قدرته على التغلغل في النفوس, ومن يعجز عن التحلي بفضيلة الصدق ستجرفه دوامة التغيير كما جرفت (غوبلز) من قبل, وسيظل لصيقاً مع المتخلفين في مزبلة التاريخ.

لا نعدم وجود أفراد يزعجهم سماع الحقائق, وتزعجهم كلمة الصدق, لأنّ وجودهم مرتبط بالأكاذيب, إنّها مأساة أمة لم تعتد سماع كلمة حق أو كلمة صدق, بل اعتادت الاكتفاء بوجهة نظر واحدة, أمة بمثقفيها لم تكن قادرة على رؤية الحقائق إلاّ من زاوية واحدة, أمة لا زالت لا ترى سوى الحمام والعصافير لأنّها تطير في النور, وقد غاب عنها وجود الخفافيش لأنها تطير في الظلام؟!.

إنّ المخاطر التي تواجهها الأمة, لا تأتي مع الجيوش العابرة للقارات ولا مع الصحافة والإعلام فحسب, بل تأتي- وهو الأهم- مع الآلية والكيفية التي تتم بها صياغة الحقائق, فالغلبة في النهاية لمن هو أبلغ في الإفصاح عن الصدق؟!. لأنّ من الكلام ما هو أقطع من الحسام!. فالصدق يكشف وينير, والكذب يحجب ويضلل.

قد يثني أحدهم على كلمة الحق, وقد يقول آخر عنها ما لم يقله مالك في الخمر لغاية في نفس يعقوب؟!. فلندع كل يدافع عن رأيه, والغلبة في النهاية لأصحاب الحجج المحقة مهما هدد وندد وجعجع الآخرون!.

وما علينا إلاّ أن نمحص ونفند الحجج والبراهين بعد تحرير أنفسنا من الأحكام الخاطئة المسبقة, وألاّ نقبل إلاّ ما ثبت للعقل يقيناً وبداهة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل