المحتوى الرئيسى

استفادة قوى اليسار المعارض المغربي من الإعلام العمومي ليس منة بقلم: سعيد فردي

07/15 16:55

استفادة قوى اليسار المعارض المغربي من الإعلام العمومي ليس منة

بقلم: سعيد فردي

إذا كانت قد استفادت بعض قوى اليسار المعارض غير الممثلة في البرلمان والمقاطعة للاستفتاء على الدستور من حقها في الولوج إلى الإعلام العمومي بين قوسين ، وإن بدرجات متفاوتة وبمساحات قصيرة ومتحكم في توجيهها، كحزب المؤتمر الوطني الاتحادي والطليعة الديمقراطي الاشتراكي والحزب الاشتراكي الموحد والنهج الديمقراطي والمركزية النقابية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل.

استنادا في الظاهر إلى توصية الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) بفتح البرامج أمام جميع التيارات والحساسيات . طبقا لقانون الاتصال السمعي البصري الذي ينص على أن الاتصال السمعي البصري حر، وأنه تمارس هذه الحرية في احترام كرامة الإنسان وحرية التعبير وملكيته والتنوع والطابع التعددي للتعبير في جميع أشكاله.

أما غير الظاهر للعلن فإن فسح وسائل الإعلام العمومي في القناتين الأولى والثانية وقناة تمازيغت، والإذاعة الوطنية وفي الإذاعات الجهوية والإذاعات الخاصة للتعبير المباشر عن موقف مقاطعة الاستفتاء لليسار الراديكالي كما ذهب إلى نعثه مسؤولون في الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية، أملته إشارات قوية من أعلى سلطة سياسية في البلاد.

ويظل المنطق السائد والوحيد في إدارة دفة إعلامنا العمومي هو منطق التعليمات بعيدا عن إبراز التعدد أو الاختلاف بمبادرات جريئة من المسؤولين الظاهرين في الصورة، على الأقل لنثق أنهم هم فعلا من يسيرون ويتحكمون في تدبير هذا الإعلام العمومي. وكم كنا ساذجين في مناظراتنا وندواتنا وملتقياتنا حول المراهنة على تلفزة عمومية مواطنة وإعلام سمعي بصري عمومي ديمقراطي، ونحن نطرح دائما ذلك السؤال البليد: من يتحكم في الإعلام العمومي ببلادنا؟ ومن هي الجهة التي توجهه وتتحكم في دواليبه؟ لأن الإعلام العمومي المغربي وبكل بساطة إعلام مغلق وسيادي بامتياز.

طبيعي ومفهوم أن يتبنى الإعلام المسمى إعلاما عموميا ممارسات الماضي لأن الإعلام المخزني هو السائد وأن المخزن في كل مرحلة من المراحل التي يستشعر أنها ستكون حاسمة، يوظف الإعلام العمومي في تمرير الطرح الرسمي والتصور المخزني الأحادي.

وطبيعي ومفهوم كذلك، أن يتم تجييش وحشد الإعلام الحزبي المكتوب، الجرائد والصحف الحزبية الناطقة بلسان أحزاب اليمين واليسار التقليدي الممثلة في البرلمان وداخل الحكومة للدفاع عن الموقف الرسمي ، وللتعتيم على طرح التيارات والقوى الأخرى المعارضة، وخلط الأوراق. لأن الجرائد الحزبية هي من يستفيد من الدعم المالي للدولة ومن الإشهار والإعلانات ومآرب أخرى.

نفس النهج والأسلوب سارت على خطه التحريري جرائد ويوميات تسمي نفسها صحافة مستقلة، إذا فهمنا أن الأسماء المكتتبة في هذه الجرائد أو التي تمتلك أسهما في الشركات التي تصدر هذه الجرائد (المستقلة) هي شخصيات وأسماء مقربة من دوائر السلطة والقرار ولها علاقات خاصة ومصالح متبادلة مع المخزن.

والصحافي هنا يكون فقط يكتب ما يملى عليه وينفد التعليمات لا أقل ولا أكثر.

إعلامنا العمومي يخدم النظام القائم وكائنات حزبية حتى من اليسار التقليدي الممثل في البرلمان والذي يحمل حقائب وزارية وإن كانت حتى حقائب فارغة، وهيئات نقابية وجمعوية تدور في فلك الدولة ومقربة من محيط السلطة لا يهمها سوى ما يخدم النظام. وهو ما ظهر جليا خلال الحملة الممهدة للاستفتاء عل الدستور إلى غاية يوم الاستفتاء وإعلان النتائج ومواكبة ما بعد الاستفتاء على الدستور ب"نعم"

حيث تم التحكم في الإعلام العمومي وتوجيهه لخدمة التصويت ب"نعم" واعتمد إعلامنا العمومي الرسمي على نفس الأساليب القديمة والممارسات التقليدية التي قلنا أنها قد انتهت وتم القطع معها إلى غير رجعة، وعادت حليمة إلى عادتها القديمة، وإن بطرق مبتكرة وتخريجات جديدة هذه المرة، توحي بانفتاح وسائل الإعلام العمومية ظاهريا على كل التيارات والتعبيرات السياسية والنقابية والمدنية.

لكنها في العمق مارست ولا زالت تعتيما ممنهجا على القوى المخالفة للرأي والتي تحمل تصورات وقناعات تؤمن بها ومن حقها ديمقراطيا أن تدافع عنها وتشرحها للجماهير عبر هذا الإعلام العمومي، ما دمنا في بلد يؤسس لإرساء ديمقراطية حقيقية، وحتى في الدستور الجديد هناك تأكيد في ديباجته على الالتزام والتقيد بالمبادئ الأربعة للدستور ومنها مبدأ الديمقراطية والملكية والدين الإسلامي والوحدة التربية.

لقد انبرى الإعلام العمومي في مفارقة صارخة وعجيبة، لأن الذي نعرفه عن الإعلام العمومي هو الإعلام الممول من طرف العموم، و يؤدي خدمة إعلامية عمومية، ويمكن أن يكون مراقبا من طرف العموم، انبرى هذا الإعلام المسمى عموميا إلى التعتيم على الحركات الاحتجاجية لحركة 20 فبراير على امتداد مدن وجهات التراب الوطني، حركة 20 فبراير التي تخرج أسبوعيا في مسيرات احتجاجية حاشدة بالآلاف، في وقت يكرس الإعلام العمومي في القناتين الأولى والثانية ووكالة الأخبار الرسمية حيزا كبيرا للمسيرات المضادة الداعمة للدستور، وإن كان يقودها العشرات من الأنفار. ولعله أصبح من وظائف الإعلام العمومي من خلال التعتيم الذي ينهجه هو احتواء حركية المجتمع ومطالبه المشروعة في الديمقراطية والاختلاف والتغيير المنشود، وقلب الحقائق أو طمسها.

حتى أصبح الإعلام العمومي غير ذي مصداقية وحول الشعب المغربي "التيليكوموند" إلى وجهة الإعلام الأجنبي. ففقد الثقة في الإعلام العمومي كما في العمل السياسي.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل