المحتوى الرئيسى

لسعد مطوي .. حروف لأبجدية جديدة

07/15 15:59

أنطوان جوكي-باريس

من الصعب إحصاء الدواوين الشعرية والكتب التي زيّن الفنان التونسي المقيم في باريس لسعد مطوي أغلفتها أو صفحاتها، وقد أمن له نشاطه هذا شهرةً واسعة في الساحة الباريسية، لكن مطوي ليس مجرد رسام مزيّن للكتب، بل هو فنانٌ كامل ينشط في ميادين فنية مختلفة، وإنْ كانت مهارته الكبيرة في فن الخط هي التي لفتت انتباه النقاد إليه.

هذه المهارة تتجلّى بقوة في معرضه الحالي في غاليري "ليباو هوانغ" الباريسي الذي أراده الفنان أن يكون تحية إكبار للشاعرة والروائية المصرية من أصل لبناني أندريه شديد وللشاعر الفرنسي من أصل صيني فرنسوا شينغ.

ولأن مطوي، مثل شديد وشينغ، يغمس قلمه في مياه الحب والحياة فيُعيد ابتكار العالم بألف خط وخط، يمكن وصفه بالخطاط، ولكن أيضاً بالراقص والمهندس والشاعر، فالفن الذي يمارسه عمره أربعة عشر قرناً في شرقنا العربي وأربعون قرنا في الصين، ويُشكّل بالتالي حصيلةً لجميع الفنون الأخرى كما يقف على مفترق جميع الأشكال التعبيرية التي ابتكرها الإنسان حتى الآن.

ولع مطوي بفن الرسم، وافتُتن بالأشكال والأحجام والألوان منذ طفولته، لكن يجب انتظار مجيئه إلى فرنسا في سن السادسة عشرة، كي يكتشف فن الخط من خلال أعمال فنانين كبار أعادوا النظر في هذا الفن وحدّثوه، مثل الإيراني حسين زندرودي والتونسي نجا المهداوي.

غلاف كتاب "حين يومئ الحب لكم "
من تصميم لسعد مطوي (الجزيرة نت)

المادة والفكرة
وأكثر ما أعجب مطوي في هذا الفن هو روحانيته، فمن خلال الحركة والمادة واللون وعملية التشكيل، يبلغ الخطاط قمّة الجمال، ولكن أيضاً الاكتمال في الحب، نظراً إلى كونه بطريقةٍ ما أيضاً عاشقاً يصرّف حساسيّته وشغفه على شكل حروفٍ لأبجدية مستحيلة، باختصار الجسد يُسقط العلامة، والعلامة تبتهج.

أما حركة الحروف داخل الفضاء فتُجسّد نفَس الحياة بالذات، أليست بهذه الطريقة وُلدت الكتابة، أي كحاجة لإقامة اتصال بين الجسد والكون، بين المادة والفكرة؟

والمتأمّل في أعمال مطوي الحديثة يستشفّ بسرعة تأثير مرحلة التدريب التقليدية التي عبرها ولا يحاول إخفاءها، بقدر ما يسعى إلى تحديث أمثولاتها ضمن حركةٍ تتمتّع بحريةٍ كبيرة، وتنفصل عن الحرف بشكله التقليدي، كما يتجلى ذلك خصوصاً في رسومه الأكثر تخطيطاً وتزويقا، فداخلها ينتشر الخط تارةً بأشكال رقيقة وملوّنة، وتارةً على شكل ضربة ريشة وحيدة عريضة وسوداء تعلوها ألوانٌ صافية.

وفي ظاهره، يبدو كل واحد من هذه الرسوم نصّا ينتشر على شكل شرائط متوازية انطلاقاً من حرفٍ أسوَد ضخم، لكن تتعذّر قراءته. ولتبرير ذلك، يُذكّر مطوي بأن فن الخط الصيني هو مدرسة تجريدية، قبل أن يشير إلى أن الكتابة الصينية، بخلاف الكتابة العربية التي أتقنها منذ نعومة أظافره، تبقى غامضة بالنسبة إليه وكناية عن ترتيب خطوطٍ لا تحمل أي دلالة، بل طاقة صافية. وهذا ما قاده في عمله إلى فصل الرسم عن الحرف، والحركة عن النص، للتركيز على البُعد الشكلي للعلامة وعلى حيوية الخط.

وبينما يميل خطه الأسود إلى الانطواء لاحتلال أقل فضاءٍ ممكن، موحياً بقوةٍ مجنحة لا كابح لها، يتركّز لونه لكشف حدّةٍ كامنة. ويتجلّى هذا التضارب في اللوحات التي يظهر فيها اللون على شكل أقراصٍ أو عجلات فيكتسب الرسم عند ذلك القيمة المجازية لقطعة فضاءٍ كوني، خصوصاً في اللوحات التي تتمتّع بخلفيةٍ زرقاء وتستحضر عمداً سرّيالية خوان ميرو الميتافيزيقية.

تيار التجريد

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل