المحتوى الرئيسى

من الأكثر إبداعا ؟ بقلم : وضحى الجهوري

07/15 19:06

بقلم : وضحى الجهوري

من الأكثر إبداعا .. الرجل أم المرأة ؟ ولماذا ؟

كثيرا عندما كنت في سنوات الدراسة ندخل في سجال حول الفرق بين المرأة والرجل وأيهما أفضل من الآخر ، وهذه السجالات معروفة لدى الشبان والشابات الصغار ، والحقيقة أنني لا أجد مخرجا في تلك الأيام أمام العبارة التي درج الشباب إلى التمسك بها : إن عدد المبدعين أكثر عن عدد المبدعات .. أي أن الرجال أكثر ذكاء من النساء .

فهل هذا الكلام صحيحا وهل هو منطقي ؟

وإذا كان صحيحا ما أسبابه ؟ لماذا الرجال المبدعين أكثر من النساء المبدعات ؟

وحتى نعطي إجابة لهذا السؤال نحتاج لتقديم تعريف للإبداع ، ما هو الإبداع؟ ما سماته ؟ وهل هو سمة بيولوجية فنقول أن الذكر البيولوجي أكثر إبداعا من المرأة البيولوجية ؟

نحتاج هنا لرؤية شاملة وإجابات وافية حول هذه القضية دعونا نكون علميين وواقعيين في دراستنا ، هذا الشيء الذي وردت فيه تعريفات كثيرة تتمحور حول التفكير المغامر الذي يتميز بترك الطريق المرسوم و القوالب المصاغة مسبقاً ، والإقبال على التجربة وهو أيضا التفكير الغير مألوف والغير تقليدي ، لأنه لا يتبع الطرق المعتادة المعروفة في حل المشكلات، و يحمل بين ثناياه بعض عناصر التغيير والتحوير.

ويرى الباحثين أن تجاوز الذكاء حداً معيناً ليس من الضروري أن يؤدي إلى نمو الإبداع ، وبالتالي ليس من الغريب وجود أشخاص غير مبدعين ذوي نسب ذكاء عالية ، ولكن عموما فالمبدعين حتى لو لم يكونوا عاليي الذكاء إلا أنه لا يكون دون المتوسط ، أي يشترط في الإبداع الذكاء ولكن ليس بنسبة معينة ، فما يساعدهم على الإبداع خصائص معينة واهتمامات عالية في بعض الجوانب.

والإبداع يتطلب سعة التخيل و الاستقلالية في التفكير ، وقد توصلت الدراسات التي أجريت على عينات من الذكور والإناث لمعرفة أثر التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها الجنسين في تطوير مثل هذه القدرات إلى أن الإناث يفتقدن إلى استقلالية التفكير ، فالذكور يتدربون على الاستقلال منذ الصغر كما أن الآباء يشجعون السلوك الاستقلالي لديهم فينجزون ويتفوقون في المجال العقلي بشكل أكبر من الإناث اللواتي تترسخ لديهن الحاجة إلى الإنتماء بدل من الحاجة إلى الاستقلال، كما أن الوالدان لا يشجعون السلوك الاستقلالي للفتاة لأنه يتطلب منها صفات مرفوضة بالنسبة لدورها الاجتماعي والجنسي كأنثى، وهذا ما ينعكس على قدراتها العقلية ويحول دون تنمية الصفات اللازمة للإبداع.

كما أن خوف الأنثى من أن تخسر الإحساس بالأمان الذي يقدمه لها المجتمع إذا ما خرجت عن النمط الجنسي والاجتماعي المرسوم لها يُضعف السلوك الإنجازي لديها، فالإنجاز يتطلب شيئاً من المنافسة، والمنافسة بها شيء من العدوانية والتي لا تتناسب مع الدور المطلوب والمتوقع من الأنثى، ولهذا قد تشعر الأنثى بالرفض الاجتماعي لها بسبب خروجها عن الدور الأنثوي التقليدي الذي تنتمي إليه ، وبالتالي تفضل أن تبعد نفسها عن هذه المغامرة مما يظهر في صورة الاستسلام وعدم المبادرة بالتغيير في الظروف المحيطة بها أو النظر إليها بطريقة غير تقليدية .

أن تشجيع الطفل على الاستقلال والمبادأة يرتبط ايجابياً بالقدرة على التفكير التحليلي المرتبط بالإبداع وبينما يدفع الذكر إلى الاستقلالية والتحرر وما يتضمن ذلك من ميل للمخاطرة في التفكير وانفتاح على الخبرات المختلفة، وارتباط ذلك كله بالخروج عن القيم والثوابت الاجتماعية المتعارف عليها والذي قد يصل به إلى تقديم أعمال إبداعية يتقبلها المجتمع،تعاني الأنثى من التقييد وعدم تشجيع الوالدين على الاستقلال منذ المراحل الأولى من العمر، وهو ما يبرر ما نراه من السلوك الإتكالي والاعتماد على الآخرين لدى الفتاة خلال مراحل حياتها.

أما السمات الشخصية التي تعيق وتكبح الإبداع فمنها: الخجل وعدم القدرة على اتخاذ القرار، والتردد، والخوف ونقد الذات وعدم الثقة بالنفس ، وهي صفات قد زرعت أكثر في الإناث منذ الصغر مقارنة بالذكور الذين تتاح لهم أكثر فرص الانخراط في اهتمامات متنوعة ومساحات حرية واسعة ، مما ساعد على تكوين شخصية أكثر قدرة على اتخاذ القرار والاستقلالية ، والرغبة في المجازفة والثقة بالنفس، وهي الصفات التي تساعد على تنمية الشخصية الإبداعية .

من هنا لا نستطيع الإدعاء أن للإبداع هوية جنسية أي إبداع ذكري وإبداع أنثوي من ناحية بيولوجية كالقول بأن الذكر "البيولوجي" أكثر إبداعا من الأنثى "البيولوجية" فالأمر يعود للمنشأ والتربية والإعداد المجتمعي لما يراه مناسبا لكلا الجنسين فيتقبله ويدخل ضمن نطاق المقبول في المجتمع .

ترى نوال السعداوي وهي من أشهر من انشغل بقضايا المرأة في الوطن العربي صفات الأنوثة ترتبط منذ نشوء العبودية بالخضوع والطاعة والاستسلام للمصير الأنثوي الذي فرضه المجتمع ، منذ الولادة تدرك الطفلة بالوعي الطبيعي الفطري أنها لا تقبل الخضوع ولن تستسلم للظلم ، منذ الطفولة الأولى تدرك البنت القيود التي تفرض عليها وهي تقاومها على نحو طبيعي ، إنها تتمرد على القيود بالوعي الذي ولدت به ، ولكن هذا التمرد سرعان ما يتوقف حين يختفي الوعي الطبيعي تحت طبقات الوعي المزيف ، مع نمو الأنا العليا الاجتماعية المزيفة ، المضللة بالقيم الأنثوية السائدة ، والقيم الأخلاقية التي يؤمن بها المجتمع ، تتحول الطفلة إلى زوجة خاضعة يحكمها قانون الطاعة ، وأم مثالية مضحية من أجل أطفالها وأسرتها تملأ الرفوف في بيتها بالمساحيق والكتب التي تشيد بالأنوثة الكاملة والأمومة العظيمة ، تردد ما تقوله أمها والنساء من حولها ، قد تفوز بجائزة الأم المثالية ، أو الطبيبة المثالية أو الأديبة المثالية وكلها جوائز تؤكد بها أنوثتها وأمومتها وقدرتها على الخضوع للقيم التي يحترمها الناس في المجتمع .

وترى أنه تحت اسم المحرمات يتوقف عقل الطفل عن طرح الأسئلة الطبيعية ، وإن كان الطفل أنثى فإن المحرمات تكون مضاعفة ، لأن القيم الأخلاقية والدينية التي تحكم الذكور ليست هي القيم التي تحكم الإناث ، مثل القوة والشجاعة والإقدام والتمرد والثورة ، فقد يصبح الرجل المتمرد أو الثائر بطلا شعبيا يحترمه الناس ، لكن المرأة الثائرة المتمردة تبدو شاذة غير طبيعية أو ناقصة الأنوثة . وهذه إشكالية لا يفطن إليها الرجال الثوار والأحزاب السياسية التقدمية التي تحارب الظلم أو العبودية أو الاستعمار القديم أو الجديد ، وكذلك أطباء النفس ونقاد الأدب .

وترى أيضا أنه على كل إنسان امرأة أو رجل أن يحطم الأنا الأعلى المزيفة من أجل أن يكون مبدعا ، وهي عملية صعبة ، قد تبدو مستحيلة في حياة النساء ، لهذا تعيش وتموت أغلب النساء دون أن يسهمن في الأعمال الإبداعية ، ويتساءل نقاد الأدب : لماذا يزيد عدد الأدباء المبدعين عن عدد النساء المبدعات ؟ لماذا يزيد عدد العباقرة من الرجال عن عدد النساء ؟

إن أفلتت امرأة من القيود وحطمت الأنا الأعلى المزيفة ومعها القيم الطبقية الأبوية السائدة وأبدعت شيئا في مجال العلم والأدب فإنهم لا يفهمون ، يبدو لهم إبداعها نوعا من الخروج عن القيم ، يحكمون عليه حكما أخلاقيا أو سياسيا دون أن يفهموه ، وكم تدفن الأعمال الإبداعية للنساء لهذا السبب ، يتم تجاهلها باعتبارها غير أخلاقية أو غير وطنية أو غير مؤمنة بالدين ، وقد يشخصها أطباء علم النفس بأنها غير معقولة أو غير عاقلة ومكانها الصحيح هو المستشفى النفسي .

وتعود أشهر من طرح قضايا المرأة في الوطن العربي لتؤكد أن الإبداع الحقيقي يأتي من خلال الحرية الحقيقية، ولم تعد الحرية تعطى بل تمارس، وهنا نسأل متى قُدِّر للمرأة أن تأخذ قسطا من حريتها، فلكي تبدع المرأة، أي لكي تعبر عن رأيها سواء كانت شاعرة أو روائية أو موسيقية .. الخ، لابد من الحرية، وعندما تكتب أو ترسم أو تغني فإن هذا يعطينا جوهرا إنسانيا، ولكن إذا كانت التقاليد تجبرها ألا تتعلم أو تتكلم فكيف ستعبر وتبدع؟

ويضرب فاروق شوشة مثلا بقيس وليلي، فقيس أتيح له أن يملأ الدنيا شعرا في حب ليلى، والغريب أن ليلى كانت شاعرة ولكن أين شعرها؟ وباحت لمن؟ ومن حفظ شعرها من الرواة؟ ومن اهتم بتسجيله ، وهي في ذلك تقول:

باح مجنون عـامر بــهواه

وكتمت الهوى فمت بوجدي

وتقول :

لم يكن المجنون في حالة إلا وكنت كما كان

لكنه باح بسر الهوى ، أما أنا فمت كتمانا

ويتساءل شوشة: المرأة المقهورة المحبوسة سجينة العادات والتقاليد وتحكم الأسرة كيف يمكن أن تكون مبدعة؟ ويوضح أنها إذا أبدعت فهو إبداع حبيس، وليس الإبداع الطليق الحر الذي لا حدود له ولا آفاق.

ويقول إن أحمد شوقي عندما عرف أن ليلى لها شعر، وضع على لسانها في مسرحيته الشعرية "مجنون ليلى" ما يعبر عن فقدان هذا الشعر، وجاء ذلك عندما أراد قيس أن تترك ليلى بيت الزوجية وتلحق به، فقالت:

لو فعلت هذا لقتلت أبي خجلا

ولسار فوق الناس والخزي فوق رأسه

وقالت:

كلانا قيس مذبوح قتيل الأبِ والأمِّ

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل