المحتوى الرئيسى

دراسة نقدية لقصيدة -قدْ ذبتُ وجداً للشاعرة بلقيس الجنابي -بقلم الناقد الدكتور عبدالله حسين كراز

07/15 12:56

كتب الناقد الكبير والشاعر المتمكن من مكنون حرفه ...

د. عبدالله حسين كراز .... نقدا بناءا لقصيدة الشاعرة الرائعة ..أديبتنا أُمنا ..بلقيس الجنابي

سلطة الروح والجسد وقوة الإرادة في "قد ذُبتُ وجداً"

"قد ذبتُ وجدًا بهذا العمرِ تحرقُني" وفعل الذوبان هنا دال على عبقرية المشاعر وديمومة الزمن/العمر، والصورة تنطوي على تحول نفسي ووجداني بفعل العمر وأحداث الحياة، بقفزاتها وهفواتها، و بتجاور لفظتي "ذبتُ" و "تحرقني" يبحث النص عن خلاص بين حروف البوح بطريقة مونولوجية واعية ومدهشة. ونرى في تلافيف النص تسيد الأنا التي امتشقت سنابل حروفها تهادن "الشقاء" و الوحدة وتبحث عن "خلان" يبادولنها الوجدان ذاته وطقوس العيش الكريم والهادئ، والتوحد وأعادة اللحمة الحميمية بين الأنا الإنسانة - ربما الأنثى/المرأة (ودلالاتها) - والآخر الإنسان - ربما الذكر/الرجل (وددلالاته).

ثم الرحلة الشاعرية النفسية تنطلق من رماد الشقاء والوحدة والاغتراب والشجون نحو تبني الصبر والالتحام به حد التماثل فكرةً وقيمةً ومعادلة في الممارسة اليومية برسم لوحة تقول الكثير كما أتها تخبئ الكثير بين السطور وخلف ظلال المعنى والالفاظ وصورها.

تمارس الأنا شخصية حيوية في النص ديناميكية تبحث عن عينين تلهمانها مزيد صبر وأمل وتفاؤل في حتمية اللقاء والاستئناس بالآخر الذي غاب طويلاً - هكذا يبدو -عن العينين اللتين تناجيان الغائب بكليته أن يعود لتعود مياه الشوق والحب والحياة لمجاريها الطبيعية الجميلة - ولو بنبرة تنطوي على عتاب قاسٍ ولوم أشد قسوة - :

عُدْ بعينيكَ كي تدنو فترعاني

ورغم كل الجفاء والغياب والاغتراب والتشظي - بشقيه النفسي والجسدي - إلا أن الأمل يحدو الذات الشاعرة في حياة جديدة وبعث الروح في الأحلام التي لا بد وأن تتحقق ولو بعد حين، لذلك تصرح وتصرخ:

حتّامَ تبقَى بأحلامي وتنساني

والذات على مدى الشوق وطول الغياب تعبر عن حاجة ماسة ليس في اللقاءات وتبادل البسمات، بل تتعداها لتعبر مرحلة التماهي والتوحد الجسدي، وإن جاءت بفعل "القبل" التي تدل على حميمية الحلم وضرورة الرجوع من مكان قصي تغيب فيه - معه - كرامات المحبين والعشاق/العاشقين، حتى وإن كان الفعل يثير ردة فعل استيعابية لدى القراءـ لكنه الفعل الذي لا بد منه في التعبير عن واحدة من أهم مكونات الحياة الحرة الكريمة والمتفاعلة والمتواصلة، خاصة قبلة ترسمها قوة العلاقة بين الأنا والآخر:

إني وربِّكَ بي شوقٌ الى قـُبَلِ *

يحيا بهنّ فؤادي بعدَ حرمانيِ

لكن الأمر يتعدى القُبلَ العبثية إلى مرحلة تناجي فيها الأنا الشاعرة الغائب الحاضر أن يمنحها "معسول" البوح من الغناء الحميمي والشافي لمظاهر التشظي وإرهاصات الغياب:

فهاتِ من ثغرِكَ المعسولِ أغنيةً *

من الرّضابِ وأنتَ الشهدُ والجاني

ويختتم النص لوحة بوحه في قوة اللجوء إلى الصبر كأحد أهم الدفاعات الفعلية والميكانيزمية التي تتقنها الأنا الشاعرة في مواجهة الحالة - حالة البعاد والهجران والاغتراب - بكل تداعياتها، ورغم التصريح بمحدودية القدرة على الاستمرار في الصبر ذلك "أن للصبر حدود":

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل