المحتوى الرئيسى

د. حسين شحاتة يكتب: ران الذنوب على القلوب

07/14 21:40

للذنوب أضرار جسيمة على القلوب، منها القسوة، والخشونة، والوحشة، والظلمة، والوهن، والشؤم، والغفلة، وتتفاقم هذه الأضرار حتى تميت القلب.

 

ولقد ورد بالقرآن الكريم آيات عديدة منها قوله تبارك وتعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾ (محمد) وقوله عز وجل: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ (88)﴾ (البقرة).

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المسلم إذا أذنب ذنبًا نكت في قلبه نكتة سوداء، فذلك الران الذي ذكره الله عز وجل: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾ (المطففين)" (رواه الإمام أحمد والترمذي).

 

ولا يجوز الاستهانة بصغائر الذنوب، لأنها تتكاثر كما يتكاثر مرض السرطان وتهلك القلب، ويحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من محقرات الذنوب والاستهانة بها فقال صلى الله عليه وسلم : "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه".

 

وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهن (للذنوب) مثلاً: "كمثل القوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق يجيء بالعود، والرجل يجيء بالبعرة، حتى صنعوا سوادًا عظيمًا، وأججوا نارًا، وأنضجوا ما قذفوا فيها" (رواه الإمام أحمد).

 

وقال ابن قيم الجوزية: "إن الذنوب والمعاصي تضر، وضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي؟ وقال: إن الذنب إما أن يميت القلب أو يمرضه مرضًا مخوفـًًا أو يضعفه قوته، ولا بد حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ منها النبي صلى الله عليه وسلم وهي: (الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال).

 

للمعاصي والذنوب آثار قبيحة ومضار جسيمة على القلوب والأبدان، عددها العلماء منهم ابن قيم الجوزية وغيره، ويجب على المسلم أن يعيها تمامًا حتى يتجنبها، من أهمها ما يلي:
1- كلما زادت الذنوب كلما استفحلت أمراض القلوب وشربت من سموم المعاصي وتصاب بالإعياء والوهن.. ويستسلم العبد لهذا المرض... إن لم ينقذ بتوبة نصوحة واستغفار صادق، وعمل صالح، وفي وصف المنافقين يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)﴾ (البقرة)، وقوله جل شأنه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)﴾ (المائدة).

 

ويجب على الأخ المسلم إذا أصيب بإرهاصات المرض في قلبه أن يسرع إلى العلاج قبل أن يدخل في الحالات الحرجة التي لا يرجى الشفاء منها.

 

 الصورة غير متاحة

 د. حسين شحاتة

2- تحول الذنوب بين العبد وربه، وتدنس النفوس في وحل الخيبة، والوهن، وكراهية لقاء الله، أي يصبح بين قلب العبد وربه غشاوة فلا يرى نور الله عز وجل، وفي هذا المقام يقول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: من الآية 46)، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)﴾ (البقرة:7)، وعندما يعمى القلب يكون صاحبه بعيدًا عن الله عزَّ وجلَّ يصيب الإنسان الوهن وخشية الناس، وهذا ما حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها"، قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: "لا إنكم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة منكم من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن" قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت" (رواه أحمد).

 

تراكم الذنوب يقود في النهاية إلى موت القلب، ويدعو صاحبه فلا يستجاب له؛ لأن الله لا يقبل دعاء قلب غافل لاهٍٍ عن ذكر الله، قيل لإبراهيم بن أدهم: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا، وقد قال الله تبارك وتعالى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: من الآية 60)، قال ابن أدهم: لأن قلوبكم ميتة، قيل: وما الذي أماتها؟ قال ثماني خصال:

- عرفتم حق الله ولم تقوموا بحقه.

- وقرأتم القرآن ولم تعملوا بحدوده.

- وقلتم نحن نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تعملوا بسنته.

- وقلتم نخشى الموت ولم تستعدوا له.

- وقال الله: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًّا، فواطأتموه على المعاصي.

- وقلتم نخاف النار، وأرهقتم أبدانكم فيها.

- وقلتم نحب الجنة ولم تعملوا لها.

- وإذا قمتم من فراشكم رميتم عيوبكم وراء ظهوركم، وافترشتم عيوب الناس أمامكم فأسخطتم ربكم.

فكيف يستجيب لكم؟

 

3- من آثار الذنوب الحرمان من قيام الليل، فقد روى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والمعصية، فإن العبد ليذنب الذنب الواحد فينسى به الباب من العلم، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقًا كان هيئ له، ثم تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19)﴾ (القلم:19)، قد حرموا خير جنتهم بذنبهم" (أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه).

 

وقال رجل للحسن البصري: يا أبا الحسن: إني أبيت معافى، وأحب قيام الليل، وأعد طهوري، فما بالي لا أقوم؟ فقال الحسن: ذنوبك قيدتك.

 

وقال الإمام الثوري رضي الله عنه: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته قيل: وما ذاك الذنب؟ قال: "رأيت رجلاً يبكي، فقلت في نفسي هذا مراءٍ".

 

4- الذنوب تورث قسوة القلب، ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في صفات اليهود مع سيدنا موسى، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)﴾ (البقرة).

 

كما أشار الله إلى الذين لا تتأثر قلوبهم لذكر الله، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)﴾ (الحديد).

 

ويقول الإمام أبو حامد الغزالي: الذنوب تورث قسوة القلب، وتمنع قيام الليل، وكما أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فكذلك الفحشاء تنهى عن الصلاة وسائر الخيرات".

 

5- الذنوب تورث الظلمة والخشونة والوحشة في القلوب فتغلف بغلف أسود، فلا تفقه ولا تخشع ولا تلين، ويتجبر ويطغى صاحبها، وأصل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (59)﴾ (الروم) وقوله عز وجل ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)﴾ (غافر). وقوله سبحانه وتعالى ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100)﴾ (الأعراف) قال ابن عباس رضي الله عنهما: "إن للحسنة ضياء في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القلوب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق".

 

وجوب التوبة لجلاء القلوب

* باب التوبة مفتوح:

تحتاج القلوب المريضة بالقسوة والخشونة والوهن إلى العلاج، وبدايته الشعور بالندم والحسرة واللوم الشديد والتوبة الصادقة النصوح، وباب التوبة مفتوح حتى من كبائر الذنوب، يقول الله تبارك وتعالى في معرض وصفه لعبد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)﴾ (الفرقان).

 

ويجب على الأخ المسلم عدم مفارقة التوبة والشعور بالندم والرجوع إلى الله عزَّ وجلَّ، وهذا هو طريق الفلاح، مصداقًا لقول الله عز وجل: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)﴾ (النور)، ومن لا يتب فهو ظالم لنفسه وجاهل بمرض قلبه ومستعلٍ على الله، يقول الله عزَّ وجلَّ في هؤلاء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (11)﴾ (الحجرات).

 

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الناس توبة، فيقول صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس توبوا إلى الله، فوالله إني لأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" (رواه البخاري ومسلم) وقوله صلى الله عليه سلم: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (الطبراني).

 

* شروط التوبة النصوحة:

للتوبة النصوح الصادقة شروط أوردها ابن قيم الجوزية في كتابه "مدارج السالكين" هي:

- الندم على ما سلف من المعاصي والذنوب الماضية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل