المحتوى الرئيسى

أين نحن من الأعـمـال الموسوعـيـة الكبرى؟! بقلم:الدكتور عبد القادرحسين ياسين*

07/14 00:00

أين نحن من الأعـمـال الموسوعـيـة الكبرى؟!

الدكتور عبد القادرحسين ياسين*


خـلفيـة تاريخيـة

يقصد بكلمة "موسوعة" أو "دائرة معارف" كل مؤلف يجمع بين دفتيه مقالات في مختلف العلوم والفنون مرتبة على حروف المعجم في معظم الأحيان ، أو وفقـا للموضوعات في بعض الأحيان . وهي إما أن تكون معلومات عامة مختصرة في جميع ميادين المعرفة مثل "دائرة المعارف البريطانية"Encyclopedia Britannica ، أو موسوعات متخصصة وهي التي تغطي حقلاً واحداً من حقول المعرفة الإنسانية بكل فروعه وأجزائه مثل "موسوعة التربية"، Encyclopedia of Education أو "دائرة المعارف الاسـلاميـة" Encyclopedia of Islam أو موسوعات تقتصر على جزء معين من أحد حقول المعرفة مثل "موسوعة المضادات الحيوية" Encyclopedia of Antibiotics في حقل الطب.

وتختلف الموسوعة عن القاموس من حيث أنها لا تقتصر على تقديم التعريف فقط بل تقدم تأريخاً للموضوع (قد يكون موجزا) وتوضيحياً لعلـله وتبياناً لعلاقاته بالموضوعات المشابهة. وتختلف كثيراً عن التقويم Almanac أو الكتاب السنوي Year Bookلأن هذا لا يشمل إلاّ الأحداث التي وقعت حديثاً، كما أنه يصدر على فـترات بخلاف الموسوعة التي تشتمل على أحداث وقعـت في أزمنة بعـيدة، بالإضافة إلى أنها تصدر كوحدة متكاملة.

عرفت الموسوعات منـذ عـهـد الاغريق ، وأول موسوعاتهم تلك التي وضعها في القرن الرابع قبل الميلاد تلميـذ من تلامـذة أفـلاطون يـدعى سبوسيبوسSpeusippus . وعـني الرومان بالموسوعات أيضـاً ، وأقدم موسوعة رومانية هي تلك التي وضعهـا بيلينيوس Pliny عام 30 قبل الميلاد، ودعـاهـا "موسوعـة التاريخ الطبيعي" Historia Naturalis ، واشتملت على العلوم والفنون. وفي القرن العاشر وضع أبو النصر الفارابي كتاباً اسماه "إحصاء العـلوم" كان آية في عمق البحث. وفي العصور الوسطى بذلت محاولات متعـددة، فقد وضع العلامة النويري (1278-1333) موسوعـته الكبرى "نهاية الأرب في فنون الأدب" في ثلاثين مجلداً.

وكان تطور التأليف الموسوعي الذي يعتمد على الترتيب الأبجدي بطيئاً. فلم تصل الموسوعات إلى مثال يحتذى إلاَّ عندما نشر جون هاريس (1662-1719) "القاموس الإنجليزي العالمي للفنون والعلوم" عام 1704. وفي عام 1728 نشرإفريم تشامبرزEphraim Chambers موسوعـته The Cyclopedia التي كانت مرتبة ترتيباً أبجدياً، وتتميز بأنها عمل اشترك فيه كثيرون ، وبأنها تستخدم العلامات المرقومة أو الدالة على إلاحالة، وقد استخدمت أساساً لكثير من الموسوعات التي ظهرت بعدها.

دائـرة المعارف البريطانية

وفي عام 1771 ظهرت في أدنبرة الطبعة الأولى من "دائـرة المعارف البريطانية" في ثلاثة مجلدات، وكانت تجمع بين ترتيب المواد ترتيباً أبجدياً وبين ترتيبها حسب النظام العلمي. وقد تضمنت الطبعة الثانية (التي ظهرت بعد ذلك بخمسة أعوام) الكثير من التراجم والمقالات التاريخية. و ما زالت طبعاتها تتوالى ومجلداتها تزيد في كل طبعة إلى أن بلغت 32 مجلداً في طبعتها الأخيرة.

وفي عام 1772 ظهرت "دائرة المعارف الفرنسية" في 28 مجلداً، واشترك في تأليفها مع دنيس ديدرو Denis Diderot عـدد كبير من العلماء والفلاسفة والمؤلفين الفرنسيين. ثم نشرت الموسوعة الألمانية "بروكهاوس" Brockhaus (1808) وبعدها نشرت "الموسوعة الأمريكية"، Encyclopedia Americana (1833) تحت إشراف فرانسيس ليبر في 13 مجلداً، وقد حدث فيها تغيير شامل في الطبعات الأخيرة حتى لم يبق منها سوى اسمها.

لقد طرق من سبقونا في مجال الموسوعات (بمفهومها العلمي الحديث) كل الميادين تقريباً، وتفننوا في ذلك، فأصبح لبعض الأمم أكثر من موسوعة عامة. وظهرت هناك موسوعات تتماشى مع مراحل عمر الإنسان. فمن موسوعة عامة للأطفال، إلى موسوعة للناشئين، إلى موسوعة للبالغين.. وصدرت موسوعات مطولة وأخرى مختصرة، وموسوعات أعـدت للمتخصصين وأخرى لغيرهم، وموسوعات لإرضاء أذواق وشرائح معينة من المجتمع مثل "موسوعة الطبخ الصيني"، "موسوعة الريجيم"، "موسوعة كرة القدم"، "موسوعة الكلاب"… ألخ.

موسوعـة الجهـل

وتجاوز اهتمام الباحثين والعلمـاء ، ودور النشـر الكبرى ، تدوين ما يعرفه الإنسان عن هذا الكون في موسوعات إلى تدوين ما يجهله أيضاً ، وفي موسوعات... وأطرف الأمثلة على ذلك "موسوعة الجهل"Encyclopedia of Ignorance ، ( وتقع في عشـرة مجـلدات!!) حيث دونـت ما ظل إلى تاريخ إصدار الموسوعة ألغازاً وطلاسم في هذا الكون الفسيح، لم يستطع عقل الإنسان أن يهتدي إلى حل معمياتها.

أضحى وجود موسوعة عامة لأي أمة من الأمم ضرورة ثقافية وعلمية لا غنى عنها. وبواسطة الموسوعة تستطيع الأمة أن تدون معظم معارفها وتاريخها وموروثاتها ، وكذلك المعارف الإنسانية ، في خلاصة مركزة يحويها عـدد من المجلدات، وذلك لحفظها وتسهيل الوصول إليها دونما حاجة إلى تقـلـيب آلاف الكتب. وغنى عن البيان أن وجود الموسوعة العامة لا يعني عدم الحاجة إلى تلك الكتب والدوريات، ولكنها تعني وجود محطة أولية للتخصص، وزاداً للمثقف أو القارئ العادي الذي يريد مقالة مختصرة ومركزة حول موضوع ما. ولذا فإن الموسوعات العامة في المكتبات من أكثر الكتب استعمالاً.

وإذا عرجـنا على الدول المتقدمة وجدنا لكل أمة موسوعة عامة أو عدة موسوعات. فالولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، لديها عدد كبير من الموسوعات أهمها "الموسوعة البريطانية" و"الموسوعة الأمريكية" وتعتبران أهم وأشهر موسوعتين باللغة الإنجليزية، وبينهما تنافس شديد. وخلافاً للاعتقاد السائد فإن "الموسوعة البريطانية" ليست بريطانية، إذ أنها كانت كذلك . وقد صدرت في أدنبرة ـ كما أسلفنا ـ عام 1771، إلاَّ أنها اشتريت من قبل ناشرين أمريكيين في مطلع القرن العشرين، وانتقلت من أدنبرة إلى شيكاغ تو، ولم يبق للبريطانيين منها إلا الاسم، وكذلك جزء من الإهداء حيث رأى القائمون على أمر الموسوعة أن يضموا أسم الملكة اليزابيث الثانية، ملكة بريطانيا، إلى رئيس الولايات المتحدة في كلمة الإهداء، ربما من باب "ارحموا عزيز قول ذل…!"، وربما أيضاً لتسهيل تسويقها في بريطانيا ودول الكومنولث البريطاني…

ولهذا كله، وبسبب وجود عامل مشترك بين الأمريكيين والإنجليز (وهو عامل اللغة والثقافة) ترك الإنجليز مجال الموسوعة العامة للأمريكيين ولم تصدر عنهم موسوعات عامة ذات شأن.

أما بالنسبة لفرنسا فلديها ثلاث موسـوعات رئيسـية شـاملة أهمها "موسوعة لاروس الكبرى" Grand Encyclopédie Larousse وهي أشهر موسوعة باللغة الفرنسية. وللألمان موسوعـتان أهمها "معجم ماير الموسوعي" Meyer Enzyklopädisches Lexikon ، وللروس عـدة موسوعات أهمها "الموسوعة السوفياتية الكبرى" و "موسوعة الثقافة الروسية".

دائرة معـارف البستاني

وإذا عـدنا أدراجنا إلى المكتبة العربية وفـتـشنا فيها عن موسوعة عامة فلن نجد فيها ما يتوافر فيه شروط الموسوعة العامة على الرغم من وجود أربع تحمل مسمى "موسوعة" هي:

1 ـ "دائرة معارف البستاني" ؛ في عام 1876 أصدر بطرس البستاني المجلدات الستة الأولى من هذه الموسوعة، ثم أخرج سليم البستاني المجلدين 7و8 (1884) وأنجز نسيب ونجيب (ابنا بطرس) المجلدات 9 ، 10 ، و 11بالاشتراك مع سليمان البستاني. وفي عام 1954 أخذ فؤاد افرام البستاني يعيد النظر في المجلدات التي نشرت تمهيداً لإتمام العمل، و ذلك بالاشتراك مع لجنة من الأساتذة والعلماء في لبنان… ولكنها ظلت ناقصة إلى الآن..

2 ـ "دائرة معارف القرن العشرين"، لمحمد فريد وجدي وصدرت عام 1938.

3 ـ "الموسوعة العربية الميسرة " التي قام بإنجازها لجنة من العلماء والباحثين العرب وصدرت عام 1965.

4 ـ "موسوعة المورد" لمنير بعلبكي ، وصـدرت في بيروت عام 1978 .

لكن أيا من الموسوعات الأربع لا يمكن الركون إليها، ولا يمكن أن تلغي المطلب الملح بضرورة إصدار موسوعة عربية وذلك للأسباب التالية :

بالنسبة لموسوعة البستاني وموسوعة محمد فريد وجدي فقد صدرتا بجهود فردية. وغـني عن البيان أن أي فرد، مهما اتسعت مداركه الذهنية ومهما نبغ، لا يمكن أن يتصدى لإعداد موسوعة عامة، وأن يكتب في كافة مجالات المعرفة الإنسانية. ويكفي أن نشير هنا إلى أن عدد الأساتذة والعلماء والباحثين الذين اسهموا في الطبعة الأخيرة من "دائرة المعارف البريطانية" وصل إلى 5480 باحثاً، وبلغت نفقات طباعتها 42 مليون دولار.

فإذا كانت مؤسسات عملاقة مدعومة بالمال وجيش من الباحثين لا تخرج الموسوعة إلاَّ بعد جهد جهيـد، وتتولى تنقيحها بصفة دائمة، فما بالنا بالأفراد؟ ولهذا لا يمكن الوثوق تماماً من الناحية العلمية بالمقالات التي تحويها هاتان الموسوعـتان لأنها لم تكتب من قبل متخصصين، بالإضافة إلى أن الموسوعتين لم تنقحا ولم تظهر لهما طبعات جديدة تواكب كل جديد في عالم المعرفة ، وأصبحت مقالاتهما الآن (وبخاصة فيما يتعلق بالعلوم البحتة والتطبيقية) من النوع الذي لا يستفاد منه إلا من ناحية "تاريخية" ليس إلا.

ومهما كان النقد الموجه للموسوعـتين إلاَّ أن للرجلين حق الريادة فيما يتعلق بالموسوعة العامة وتقديم جهد لا ينكر للمكتبة العربية. ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن الموسوعات العامة في الغرب كانت تقوم على كاهل شخص واحد في القرون الوسطى. كما أن أشهر موسوعتين في فرنسا وفي ألمانيا ما تزالان تحملان أسماء المؤسسين الأوائل لهما كما هو حاصل في "موسوعة لاروس الكبرى" التي ارتبطت باسم بيير لاروس (والمذكورة آنفاً) وموسوعة بروكهاوس التي ارتبطت باسم فريدريش بروكهاوس. غير أن قيام شخص (أو حتى أشخاص قلائل) بعبء إعـداد موسوعة أصبح في حكم المستحيل منذ أواخر القرن التاسع عشر بسبب التقدم المذهل في كافة مجالات المعرفة الإنسانية، وبخاصة في العلوم البحتة والتطبيقية.

تـرجـمـات

صـدرت "الموسوعة العربية الميسرة" بمجهود جماعي من قبل علماء وباحثين من الدول العربية. وهي ترجمة ، بتصرف ، لموسوعة أمريكية صغيرة الحجم من الموسوعات التي يطلق عليها "موسوعة المجلد الواحد" وهي "موسوعة كولومبيا"The Columbia Encyclopedia . وقد سمح لهم المسؤولون عن الموسوعة بحذف وإضافة ما يريدون "لإعطائها وجهاً عربياً"، فكانت النتيجة عند الفراغ منها أن 60% من موادها من الموسوعة الأم و40% مما أضيف إليها يتعلق بالعرب والإسلام والحضارة العربية.

أما بالنسبة لـ "موسوعة المورد" فهي لا تعـدو كونها ترجمـة بتصرف لمواد مأخوذة من "دائرة المعارف البريطانية" ، "موسوعة تشـامبرز" ، و "موسوعة لاروس الكبرى" . وقـد أضـاف اليها المرحوم منير البعلبكي بعض الماد المتعلقـة بالعرب والاسـلام . وممـا يؤخـذ على هـذه "الموسـوعـة" أنها مرتبة ترتيبا أبـجـديا حسب تسلسل حروف الهجـاء الانجليزية .

ويمكن القول أن "الموسوعة العربية الميسرة" و "موسوعة المورد" قد سدَّتا، إلى حد ما، بعض الفراغ في المكتبة العربية. ولا يمكن مقارنتهما من ناحية علمية بموسوعتي البستاني ومحمد فريد وجدي، إلاَّ أنهما تظلان قاصرتين، ولا تلبيان المواصفات العلميـة المطلوبة لموسوعة عربية شـاملة كبرى، وذلك لعدة أسباب أهمها :

1 ـ صغر حجم الموسوعتين، إذ لا يمكن أن يغطي مجلد واحد (تحتل الصـور ما يقارب ثلث صفحات موسوعة "المورد") ، مهما كان ضخماً، جميع الأمور المتعلقة بالعرب والإسلام بالإضافة إلى المعارف الإنسانية الأخرى. وتجدر الإشارة إلى أن معظم الموسوعات العالمية تقع فيما بين 20 إلى 30 مجلداً، وبعضها (الموسوعة الإسبانية الكبرى) يصل إلى ثمانين مجلداً.

2 ـ جميع الموسوعات العالمية لها هيئات دائمة لإعدادها وتنقيحها وتجديدها ، وإصدار طبعات جديدة لها حتى تساير ركب العلم والتقدم. ولكن ذلك غير متوفر لأي من الموسوعتين اللتين لم يـجـدد فيهمـا شيئ منـذ صـدورهمـا . ويعتبر توقف موسوعة ما على طبعتها الأولى دونما تجديد أو تنقيح أو اضـافـة ... تجمداً يقدح في مصداقيتها والوثوق بها.

منذ كتابة "الفهرست" لابن النديم و"كشف الظنون" لحاجي خليفة و"تاريخ الأمم والملوك" للطبري و"لسان العرب" لابن منظور، و ما تبعها من جهد موسوعي عربي، سواء في الجانب المعجمي أو الموسوعي ، والثقافة العربية الجديـدة أكثر احتياجاً لعمل موسوعي ضخم يضم بين طياته مفردات الإنسان العربي الجديد الذي لم تعد الجهود الموسوعية العربية السالفة الذكر تلبي حاجاته المعرفية. ومن هنا تتحدد حاجة المكتبة العربية إلى موسوعة عربية صرفة تعني بالتاريخ والأدب والعلوم ، وكل ما يقع تحت باب المعرفة الواسع من أبواب الفهرسة والتصنيف المعروفة.


تـقـصـير أصحاب الملايين العـرب

في حديث طويل بيني وبين الصديق البروفيسور فيلهلم فون راشيناو أحد أشهر المستشرقين الألمان وأول من نقل معاني القرآن إلى اللغة الألمانية، قال لي:"رغم حبي للعرب وحضارتهم وثقافتهم التي استهوتني فأفنيت عمري في التعمق في أسرارها، فأنني لازلت أتساءل مع نفسي، ومع كثيرين غيري، كيف أن هؤلاء العرب رغم ثرواتهم الخرافية، لم ينفقوا ولو جزءاً يسيراً من هذه الثروة في خدمة ثقافتهم ونشرها. ألا يوجد بين أصحاب الملايين العرب (وما أكثرهم) روتشيلد واحد ينفق شيئاً من ثروته لخدمة الثقافة العربية؟ أليس غريباً أن يبقى العرب وهم أكثر من300 مليونا بلا موسوعة عربية؟ إن الأمر لا يتطلب أكثر من واحد بالمئة مما ينفقه بعضهم على موائد القمارفي ملاهي أوروبا ومواخيرهـا!!.

قبل 33 عـاما ، وبعد مداولات عديدة حول مشروع الموسوعة العربية ، عقد اجتماع في بغـداد لدراسة اللبنات الأولى ووضع المخطط العام للمباشرة في العمل على انجازها، والبدء بتوفير كافة المستلزمات الواجبة لإنجاح هذا المشروع الحضاري العربي الذي سيشكل إضافة هامة ومتميزة للمكتبة العربية. وخلال الاجتماع قدمت ورقة عمل الموسوعة التي تركزت حول النقاط الرئيسية التالية:

ان هدف إعـداد الموسوعة العربية هو هدف ازدواجي ما بين الموسوعة العامة والموسوعة الخاصة لكي تتمكن من أن تقدم للمثقف العربي خلاصة معلومات العصر، فضلاً عن معرفة الذات العربية في ماضيها وحاضرها.

كان هـذا المشروع واحـدا من المشاريع التي كان العرب يعـَوِّلون عليها كثيراً، ويطمحون أن يكون له فعله وحضوره المميز في الساحة الثقافية والفكرية العربية ... ولكن هـذا الحلم العربي الكبير تبخر ، شـانه في ذلك شـأن الكثير من الأحـلام العربية الكبرى ، مثل "اتفاقية الـدفـاع العربي المشـترك" و"السوق العربية المشـتركة" وغيرهـا...

وإلى أن يحين موعد البدء الفعلي بالعمل، سيكون أمام الجهات التي ستشرف عليه مجموعة كبيرة من المهام والمسؤوليات التي ستتطلب الكثير من الجهد، خاصة وأنه علاقة حضارية مميزة تقف إلى جانب العلامات الموسوعية المعروفة لدى الشعوب الأخرى.

الموسـوعـة العـربية العـالمية

وعلى الرغم من هـذه المحاولات الخجولـة التي قـام بها أفراد بمبادرات خاصـة لا تشـفي غليـلا ، فـقـد ظلت المحاولات العربية قاصرة عن مواكبـة هـذا العلـم الذي يحتاج لجهـود جيش من الباحثين والعـلمـاء المتخصصين، اذ من المخجل أن نرى محمـد فريد وجـدي ، وبطرس البسـتاني ، ومنير البعلبكي يقومون بنشـاطهم في هـذا المجـال أمام أعمال موسوعية كبرى مثل "دائرة المعارف البريطانيـة" و "الفرنسية" وغيرهـا الكثير.

وهـكـذا عـقـمت "جامعـة الدول العربيـة" (أطـال الله بقـاءهـا!!) ، ومؤسسـاتها الثقافية ، وعقمـت الجامعات العربية بكل أسـاتذتها وباحثيهـا ، وعقـمت الدول العربية بكل امكانياتهـا ، أن تأخـذ على عـاتقـهـا التصـدي لعمل كهـذا...وهم مـعـذورون في ذلك... فـ "تحرير فلسـطين" و"إنـقـاذ المقـدسـات" شغلهم عن ذلك!!

راوح العالم العربي بين دهشـته وانشـغاله ولامبالاتـه ، حتى خرجت علينـا "الموسـوعة العربية العـالميـة" ، بتشـجيع من الأمير سـلطان بن عبدالعزيز ، وزير الـدفـاع السـعودي .

صدرت هـذه الموسوعة بجـهـد حوالي ألف مؤلف في ثلاثين مجلـداً تحتوي على 16500 صـفحـة . تتضمن الموسوعـة 20800 مدخل وما يقارب 12000 موضوع ومصطلح وشخصية ومكان ، مرتبة هجائيـا مع ايضـاحـات زادت عن 18000 خارطة وصورة ورسم بياني .

تمثلت أهـداف الموسوعـة بتقـديم مواد شـاملة غبر متعمقـة في شتى المجالات الانسانية ، وبلغـة دقيقـة وسـهلـة الفهم والاستيعاب ، مع محاولة مخاطبتهـا لقـطاع واسع من القراء على تنوع مستوياتهم الثقافيـة ، مع الحرص على الدقـة الموضوعيـة والشـمول .

لم تكن "الموسوعة العربية العالمية" نتاج تأليف خالص، وإنما قامت على أنموذج أجنبي ترجم الكثير منه وقـُدِّم معدلا. فقد استمدت هذه الموسوعة موادها من "موسوعـة الكتـاب العالمي" World Book Encyclopedia حيث تُرجم الكثير من مواد تلك الموسوعة ، مع تنقيح تلك المواد ومواءمتها عربياً وإسلامياً .

وقامت هيئـة الموسوعة بإضافة الكثير من المواد في فروع المعرفة المختلفة بعد مواءمتها، ساعية في ذلك إلى الحفاظ على معيارين أساسيين: أن تكون المعرفة علمية ودقيقة من ناحية، ومنسجمة مع الشخصية الحضارية للأمة العربية من ناحية أخرى.

وقد اقتضى هذا التأليف مقالات تتضمن التعريف بأمهات كتب التراث العربي الإسلامي، ومقالات مطولة عن الحضارة الإسلامية في الأندلس، والمواقع الجغرافية والتاريخية والأثرية في الجزيرة العربية، والأدب الفارسي، والاتحادات العربية والإسلامية، ومقالات عن بعض المفاهيم المستجدة كالعولمة والتعدد الثقافي .

أما المقالات المترجمة فـتضمنت مقالات في مختلف فروع المعرفة... وكان الهدف من تعديل تلك المقالات هو الوصول بها، إلى قدر أكبر من الشمول والتوازن المعرفي في سياق خصوصية الثقافة العربية واحتياجاتها.

ويحتوي الجزء الأول من الكشاف (المجلد رقم 29) على معلومات إرشادية تهدف إلى تحسين مهارات الكتابة والحديث والبحث. وقد تمّ إعداد هذه المعلومات الإرشادية لمساعدة الطلاب والباحثين والمثقفين ورجال الأعمال في إعداد مقالات أو بحوث، أو لمساعدتهم في التحدث إلى عدد من المستمعين بصورة موفقة ومؤثرة.

ومع تقـديري لهـذا الانجـاز العربي الذي جـاء متـأخراً جـداً ، وكان من المفروض أن تنهض به جامعة الدول العربيـة منـذ زمن بعيـد ، الا أن هـذه الموسوعـة سـدت نقـصـاً في المكتبـة العربية يسـتحق الاشـادة بـه. وفي الوقت نفسـه أرجو أن يتسـع صـدر ناشري الموسوعـة للملاحظـات التاليـة :

1 ـ طبعت الموسوعـة في الولايات المتحـدة الأمريكية... وهـذا يعني ، ببسـطة شـديدة ، أن العالم العربي ما زال مقـصـراً ـ رغم امكانياتـه الماليـة ـ في مجاراة التـقـدم التقني... فاذا لم نستطع مجاراة الغرب في صناعـة المعـدات العسكرية، وتحقيق الحـد الأدنى من التقـدم التقني ، فـلا أقـل من مجـاراتـه بوسـائل الطباعـة على أضعف الايمـان . أين الجامعـات العربية ؟ أين المعـاهـد العلمية العربية ؟ أين وزارات التخطيط العربيـة ؟

2 ـ أمـا كان الأولى بـهـذا الجيش الجرار من الدكاترة والباحثين المختصين أن يعكفـوا على تأليف مواد الوسـوعة بأنفسـهم (وهم أهـل الاختصـاص) بـدلا من أن ينقضـوا على موسوعات الغير ويترجموا منهـا ؟! ألم نثق ، حتى الآن ، بجامعاتنـا وأسـاتذتنـا وباحثينـا ؟! اذا كان الأمر كذلك ، فلـماذا نبني جامعات بـعـدد المرضى ، ومعـاهـد بعـدد العاطلين عن العمل ، حتى اذا جـدَّ الجـد ، هرولنا الى مصـادر الغير نخطف منهـا ونغـير عليهـا مترجمين ؟!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل