المحتوى الرئيسى

كيف يرى مبارك ثورة 25 يناير؟

07/12 23:17

تعالوا نتصور ما يدور فى رأس الرئيس السابق حسنى مبارك الآن بعد خمسة أشهر من تخليه مرغما عن السطلة فى 11 فبراير الماضي. هل استطاع أن يفيق من الصدمة التى كان لها وقع الزلزال على نفسه ويعيد ترتيب أفكاره؟ وما هو تحليله لما جرى من أحداث لم يكن يتخيل فى أسوأ الكوابيس أنه من المكن أن تحل به، وأن ينقضى عهده الطويل بهذه النهاية المأساوية؟

بداية سنتفق جميعا على أنه يشعر بالندم الشديد، وأنه يعض على أصابعه لضياع السلطة وانهيار سيناريو التوريث الذى كان يخطط له بروية ويأخذ وقته فى تنفيذه وكأنه يمتلك رفاهية الأبدية السياسية.

لكنه يخطيء من يتصور أن مبارك قرأ ثورة 25 يناير قراءة صحيحة واستوعب معانيها ومغزاها الحقيقي. يخطيء من يتصور أنه نادم على أنه أتاح الفرصة لأعوانه أن يبطشوا بالشعب، وأنه لم يفتح أبواب حرية الرأى والتعبير، أو أن جهاز مباحث أمن الدولة الذى اعتمد عليه للبقاء فى قمة السلطة قد قمع الشعب وكمم أفواه الأحرار.

يخطيء من يتصور أنه واع لحقائق تبدو لنا بديهية من أنه انحاز لطبقة الأغنياء وأصحاب الجاه وترك الشعب فريسة لحفنة من المستفيدين الذين قاموا باستغلال نفوذهم وقربهم من الأسرة الحاكمة للحصول على الثروات. يخطيء من يتصور أنه يدرك فى قرارة نفسه أنه ظلم الكثير من الكفاءات ووأد جيلين أو ثلاثة من شباب مصر اللامعين الذين حرموا من المشاركة فى بناء بلادهم لأنهم لم يكونوا من أرباب الحظوة ولا من شلة المقربين إلى السلطة.

يخطيء من يتصور أنه يساوره أقل شك من أنه ترك غالبية أبناء شعبه الكريم يعيشون حياة من البؤس والضنك، ويعانون الأمرين من صعوبة الحياة، وأنه فتح الباب على مصراعيه لكل من سعى للإثراء غير المشروع، وتجميع الثروات عن طريق السطو والبلطجة والتدليس.

يخطيء من يتصور أنه نادم من حيث المبدأ على فكرة إسناد الحكم لابنه من بعده لاقتناعه بأن جمال مبارك كان خير من يستطيع تولى حكم مصر بعد أن يغيب هو عن الحياة كما فعل حافظ الأسد الذى أسند الحكم لابنه بشار، وكما فعل الزعيم الكورى الدكتاتور كيم إيل سونج الذى مازال ابنه يحكم الآن بالحديد والنار، وكما كان ينوى أن يفعل معمر القذافى مع ابنه سيف الإسلام فى ليبيا وعلى عبد الله الصالح مع ابنه فى اليمن لولا الصحوة التى سرت بين أوصال المجتمعات العربية.

فأجواء العالم العربى كانت ملوثة بفكرة التوريث، وبفكرة الحاكم الفرد مع أن العالم كله يسير منذ سنوات طويلة بخطى حثيثة فى اتجاه الديمقراطية.

ويخطيء من يتصور أن مبارك يعى الآن ما كان غافلا عنه وهو فى السلطة. ربما يشعر الآن أنه وقع فى بعض الأخطاء البسيطة وخانه التوفيق فى بعض الحسابات، لكنى على يقين من أنه مقتنع قناعة راسخة أنه كان ضحية مؤامرة كبرى حيكت ضده من الداخل والخارج، وأن الولايات المتحدة لعبت دورا حاسما فى خلعه من منصبه.

فشل مبارك خلال السنوات الأخيرة فى أن يقرأ حركة التاريخ التى لا ترحم أحدا ففرمته الأقدار التى تسير فى اتجاه حكم الشعوب، وانتهاء حكم الفرد، وعصر الطغاة فى كل مكان. رفض مبارك بتشجيع ممن حوله أن يرى النذر التى لا تخطئها عين عاقل وهى أن الشعوب قد فاض بها الكيل من الاستبداد والظلم وتحكم حفنة من أصحاب السلطان فى مصائرها.

وظل العالم العربى حتى بداية 2011 وكأنه استثناء أو كأنه جزيرة معزولة يحكمها الفكر الدكتاتورى ونظرية تأليه الحاكم، وقد كتبتُ مقالا منذ نحو عامين قلت فيه إن العالم العربى لديه حصانة خاصة ضد الديمقراطية.

وأشاع المستفيدون من هذه الأوضاع بأن ثقافة المصريين والعرب بعيدة كل البعد بالغريزة عن الديمقراطية وأن شعوبنا فطرت على أن ترضى بحكامها وتخضع لإرادتهم وكأنها إرادة السماء حتى إن البعض أفتى بأن الديمقراطية بدعة غربية وأنها ضد الإسلام.

أكاد أجزم أن مبارك مقتنع الآن قناعة راسخة بأن الشعب المصرى لم يثر ضده ولم يكن راغبا فى الإطاحة به، لكن الذين نزلوا إلى الشارع فى يناير الماضى كانوا يعبرون عن استيائهم وغضبهم إزاء بعض المظالم وبعض الأوضاع الخاطئة التى يمتلك هو، أى حسنى مبارك، حلها بين يديه، وكان يمكنه أن يصنع ما يرضى الشعب إرضاء تاما لولا المؤامرة الكبرى التى حيكت ضد شخصه، وهى مؤامرة لا وجود لها إلا فى رأسه ورأس المحيطين به.

وقد يسألنى أحد وهل دخلت فى رأس مبارك لتعرف كيف يفكر الآن وما استخلصه من الثورة التى قامت ضد نظام حكمه؟

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل