المحتوى الرئيسى

الفساد كأسلوب للحياة

07/12 01:07

أغلب الظن أنه لم يكن يخطر ببال معظم المصريين أن الفساد قد استشرى فى المجتمع المصرى إلى الحد الذى كشفت عنه الأحداث الأخيرة والتحقيقات الدائرة حولها.

وأنه قد طال المستويات العليا والصفوة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية على حد سواء مما دفع إلى تفجر الأمور التى تعبر فى آخر الأمر عن الضيق والتذمر والتمرد والرغبة فى التغيير الشامل فى مجتمع اشتهر خلال تاريخه الطويل بالصبر والقدرة على التحمل الذى كثيرا ماكان يساء فهمه وتأويله بأنه مؤشر ودليل على الخنوع والاستسلام المطلق لواقع الحال مهما كانت عيوبه وقسوته .

والواقع أن ظاهرة الفساد لم تعد مقصورة على دول العالم الثالث كما كان الادعاء حتى وقت غير بعيد. وكانت أفريقيا وبخاصة نيجيريا تعتبر أكثرمناطق العالم انتشارا وتقبلا للفساد الذى مارسه معظم الرؤساء الأفارقة بمن فيهم بعض رموز الحركات الوطنية وزعماء الاستقلال الذين وجهت لهم كثير من الاتهامات بتهريب مقادير هائلة من الثروات مما أدى إلى التخلف الحالى الذى تعانى منه القارة وانتشارالفقرالشديد وفشل كل مشروعات التنمية . ولكن مهما كانت فداحة وضخامة الفساد فى تلك الدول الإفريقية فإنه لايقاس بما حدث فى دولة مثل نيكاراجوا حيث تمكن أحد حكامها من أن يتملك لنفسه نصف مساحة أراضى الدولة بل ونصف صناعاتها ووسائل الإعلام فيها . ولعل الأخطرمن هذا كله أن الهند التى تعتبر أكبر الدول الديمقراطية الآن يسيطر عليها الفساد لدرجة أن كثيرا من الكتابات حول الموضوع تعترف بأن الفساد هو الأسلوب المتبع بحيث تكاد الثقافة الهندية توصف بأنها ثقافة الفساد .

بيد أن التغيرات الاقتصادية والأزمات المالية الأخيرة غيرت من الأحكام التى كانت تطلق على دول العالم الثالث نظرا لانتشار الفساد والتسليم بوجوده فى دول متقدمة إلى حد كبير كما هو الشأن بالنسبة لليونان حيث يعترف الناس صراحة ودون مواربة بانتشار الرشوة فى تعاملهم اليومى بعضهم مع بعض وفى التعامل مع الهيئات الرسمية بل وأن الفساد هو الوضع الطبيعى العادى إن كان البعض يحاول التملص منه دون التخلص منه تماما لأن ذلك يتعارض مع طبيعة الحياة ومتطلباتها. وكثير من الشركات الكبرى فى الخارج بل وبعض الدول الغربية نفسها تلجأ إلى الرشوة لإنجاز أعمالها ومشروعاتها فى كثير من بلدان العالم الثالث. وليست مشكلة مؤسسة مرسيدس فى مصر بعيدة عن الأذهان. والطريف فى الأمر هنا أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت حتى 1977 لاتعتبر تقديم الرشاوى فى الخارج ـ لتسهيل العمليات التجارية والاقتصادية ـ يتعارض مع القانون على اعتبار أنه مجرد سلوك لاأخلاقى . ويبدو أن هذا لايزال هو السائد فى تعامل الغرب مع دول العالم الثالث مما يعنى أن الغرب نفسه مسئول ولو جزئيا عن تفشى الفساد مستغلا الأوضاع الاقتصادية القاسية لبعض الدول ولذا هناك متابعة منظمة ودائمة لهذه الأوضاع على مستوى العالم الثالث على وجه الخصوص لاكنشاف العناصر الضعيفة أخلاقيا أو التى تعانى من بعض المتاعب المالية والمهيأة نفسيا للانحراف كى تصلح من وضعها الاقتصادى . فالإفساد عملية مخططة ومدروسة إلى حد كبيرعلى المستويين الفردى والمجتمعى بل والعالمى تمهيدا لايجاد مناخ عام يرتكز على ترسيخ أسلوب معين للحياة يسمح بالتغاضى عن القيم الأخلاقية وتغليب المصلحة الشخصية على الصالح العام ويستند إلى قوة المال من ناحية والرغبة فى تحقيق مستوى أفضل من الحياة واحتلال مكانة أعلى فى المجتمع.

والفساد ليس قاصرا على انتشارالرشوة وإنما يمتد إلى كل مايحقق قدرا أكبر من النفوذ والمكانة العالية فى المجتمع حتى ولو كانت مكانة زائفة تحيط بها الشكوك ولا تتلاءم مع القيم وتتعارض مع القانون . وكثيرا مايتطلب ذلك تضافر جهود متباينة ليس بينها فى عالم الواقع علاقة منطقية واضحة كما هو الشأن فى تضافر جهود رجال السياسة ورجال الأعمال أو رجال الحكم وزعماء المافيا كما يحدث فى أمريكا اللاتينية، وهذه العلاقات غير المنطقية وأشباهها هى التى أدت إلى معظم المشكلات التى تعانى منها كل الشعوب المتخلفة فى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية مثل تهريب الأموال إلى خارج البلاد وترحيب البنوك والمصارف الكبرى فى الخارج بتلك الأموال والمحافظة على سريتها ثم هناك الاتجار فى المخدرات وأخيرا فى البشر والتعاون مع رجال العصابات الدولية والجريمة المنظمة للمشاركة فى كثير من العمليات القذرة التى ترتكب باسم المحافظة على سلامة الوطن والتحالف مع رجال (المقاولات) لتنفيذ مشروعات تنموية لاوجود لها فى الواقع وإنما للتستر على جرائم غسل الأموال وإضفاء نوع من الشرعية على تداولها.. وهناك بغير شك حالات كثيرة مماثلة فى دول العالم المتقدم ذاتها فى أوروبا وفى أمريكا تكشف عن عمق وانتشار الفساد القائم على استغلال النفوذ وتبادل الخدمات بين رجال السياسة والمال ولكن هناك فارقا هائلا فى أسلوب التعامل مع تلك الانحرافات . فالقانون والرأى العام وأجهزة الإعلام المختلفة وبخاصة الصحافة تقف كلها بالمرصاد لمثل هذه الانحرافات بينما تكاد تكون هناك مؤامرة بين هذه الأجهزة للتستر على الفساد بين الصفوة السياسية والصفوة الاقتصادية فى كثير من المجتمعات فى العالم الثالث حتى لاتهتز (صورة الحكم) أمام الرأى العام العالمى الذى يعرف كل شئ على أية حال . فالعلاقة بين القوتين السياسية والاقتصادية فى بعض دول العالم الثالث وعلى ماتكشفت عنه الأمور بعد أحداث 25 يناير فى مصر علاقة قوية تقوم على الاعتماد المتبادل والتساند والتكافل بمعنى أن يتيح رجال الاقتصاد والمال مجالات للكسب المشروع وغير المشروع أمام رجال السياسة والحكم مقابل التسهيلات التى يحصلون عليها والتى تتعارض فى العادة مع أحكام القانون . والأساس فى هذا كله هو الخلط المتعمد بين ماهو عام والتضحية به وبين ماهو خاص والتعامل معه كما لو كان ملكية خاصة .

وعلى الرغم من ضخامة الخسائر المالية الناجمة عن ذلك السلوك وتوقف عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية واضطراب الأوضاع الاقتصادية فى الدول التى يعم فيها الفساد من بطالة وفقروجريمة واتساع الفوارق بين طبقات المجتمع فالخسارة الحقيقية التى تفوق فى نتائجها السلبية كل الخسائر المادية هى الضرر الأدبى والمعنوى والأخلاقى الذى يلحق بالمجتمع نتيجة انهيار بعض الشخصيات التى كانت تعتبر رموزا للطهارة والعفة والشرف بعد الكشف عن حقيقة المبادئ اللاأخلاقية التى تؤمن بها تلك الشخصيات وما يترتب على ذلك من اهتزاز قيم المجتمع التى تحض على الولاء والتضحية والتكافل والتعاون ونكران الذات وكل ماهو جميل ورفيع واعتبار الفساد بدلا من هذا كله هو القيمة العليا التى يجب أن يتمسك بها الناس لأنه هو الوسيلة السهلة إن لم تكن الوحيدة - لتحقيق الأهداف وتحقيق الذات .أيضا. .وتغيير هذا الفهم الخاطئ يحتاج إلى تضافر كثير من جهود المهتمين بالتنمية الاجتماعية .وقد تقع بعض المسئولية فى ذلك على الصحافة التى كشفت عن الفساد حصوصا بعد تراجع التليفزيون عن دوره الثقافى واهتمامه ببرامج التسلية التافهة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل