المحتوى الرئيسى

"تجذر القبلية في دولة جنوب السودان الخطر الأكبر على مستقبلها"

07/09 23:38

أصبح جنوب السودان دولة مستقلة ابتداءً من السبت، التاسع من شهر يوليو/تموز 2011، ليصبح أحدث دولة في العالم زمنياً حتى هذا التاريخ. وأدى سِلفا كير اليمين الدستورية كأول رئيس لجمهورية جنوب السودان، في حين جدد رئيس شمال السودان عمر البشير الاعتراف بالدولة الجديدة وأعلن عدد من الدول الغربية اعترافها بدولة جنوب السودان. ولمعرفة ملامح دولة جنوب السودان حاورَت دويتشه فيله المحلل السياسي السوداني عثمان المرغني، رئيس تحرير صحيفة "التيار" الصادرة في العاصمة السودانية الخرطوم.

 

دويتشه فيله: ما هي أهم التحديات التي تواجه دولة جنوب السودان الجديدة في رأيك؟

عثمان المرغني: أول التحديات التي ستواجه حكومة جنوب السودان الوليدة، والتي قد تبطئ تقدمها السياسي، هي التحديات الأمنية. فالجنوب مسكون بمليشيات قبلية، وهي حتى الآن متمكنة وقوية ومسلحة جيداً. والحكومة تحتاج إلى فرض قبضة أمنية قوية، تؤكد مركزية السلطة من خلال إخضاع جميع المناطق في الجنوب السوداني لسيطرتها.

التحدي الآخر هو ممارسة عمل الحكومة السياسي والمدني في ظل تشرذم حزبي واضح، كان موجوداً منذ فترة طويلة وزاد في الفترة الأخيرة مع انشقاق بعض الأحزاب عن بعضها وخروج بعض الأحزاب من جلباب الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان. وأتوقع أن ميزة السنة الأولى هي محاولة بعض الفصائل التعبير عن نفسها خارج مظلة الحركة الشعبية.

 

بالإضافة إلى ذلك فإن شعب الجنوب يعاني من قلة الخدمات، وليست هناك أي تنمية أو خدمات، وهو يحتاج إلى طرق وإلى تعليم وصحة. وكثير من هذه القضايا ستصبح على المحك أمام الحكومة، خاصة مع وجود عائدات بترولية. وبسبب وجود مقدرات النفط في البلاد سينشأ بين كثير من مكونات المجتمع الجنوبي نوع من التسابق في اتجاه المطالبة بهذه الخدمات وربما التنافس عليها وربما التنازع حول هذه الخدمات. وفي تقديري أن التصدي لقضايا توفير الخدمات سيشكل في المقام الأول بؤرة الأزمات التي ستواجه الحكومة في جنوب السودان.

جانب من الاحتفالات باستقلال دولة جنوب السودان Bildunterschrift: جانب من الاحتفالات باستقلال دولة جنوب السودان

دولة الجنوب السوداني هي دولة ذات أغلبية مسيحية. لكن هل من المحتمل أن تحدث فيها نزاعات قبلية، أم أن الطابع العلماني سيحميها من ذلك؟

هناك تنافس بين بعض القبائل الرئيسية وهي قبائل الدينكا والشلك والنوير والتي تشوبها في بعض الأماكن توترات كبيرة. ومنشأ هذه التوترات الرئيسي هو التنافس على الموارد الاقتصادية خاصة في بعض المناطق التي يسكن فيها خليط من السكان ينتمي إلى عدة قبائل. ولكن قد ينشأ معظم التوتر في البلاد من بقايا حركات التمرد السابقة، والتي تتمثل في بعض الضباط المنتمين إلى القبائل في جنوب السودان الذين انشقوا عن الحركة الشعبية لتحرير السودان، وأصبحوا في وضع مواجه ومتمرد على الحركة الشعبية، وتمردهم مستمر حتى هذه اللحظة، لحظة استقلال جنوب السودان. أغلب الظن أن هؤلاء القادة لن يخضعوا بصورة سريعة لسلطة الحركة الشعبية خاصة مع ضعف الدولة المركزية في جنوب السودان.

وقد ينشأ عن ذلك صدامات عسكرية لكنها مستندة إلى خلفيات قبلية، بمعنى أن هؤلاء الضباط سيستندون إلى مرجعياتهم القبلية، وسيحاولون الاستقواء بسلطة القبيلة وإثارة القبيلة في مواجهة السلطة المركزية. وستجد مثل هذه الدعوات نوعاً من الحماس في مختلف مناطق المجتمع الجنوبي، لأن القبلية متجذرة جداً في جنوب السودان. والمناصب الحكومية تشكل الآن بؤرة الصراع بين الضباط العسكريين وبعض أفراد النخبة الجنوبية.

ما هو نوع الاتجاه السياسي الخارجي الذي يلوح في أفق هذه الدولة الوليدة؟ هل ستنضم في رأيك إلى جامعة الدول العربية؟

للجنوب علاقات متميزة مع الغرب عموماً ومع الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص. فمعظم أفراد النخب الجنوبية تعلموا في الغرب وأصبح ارتباطهم بها قوياً جداً، وخاصة الدكتور الراحل جون غرنغ مؤسس الحركة الشعبية لتحرير السودان، والذي كان خريجاً لإحدى الكليات في الولايات المتحدة الأمريكية.

 لكن أتوقع أن تنظر حكومة جنوب السودان إلى محيطها من الدول العربية بمنتهى العقلانية. إلا أن حساسيات الصلة مع الشمال السوداني والحرب المريرة التي دارت أحياناً بسبب خلافات، أخذت طابعاً ثقافياً بين الطبيعة العربية في شمال السودان والأفريقية في جنوب السودان، ربما تعطل قليلاً توجه الجنوب السوداني إلى محيطه العربي.

لكني لاحظتُ أن اللغة العربية في احتفالات الاستقلال التي أقيمت في جنوب السودان كانت هي العنصر المشترك في الأحاديث التي دارت بين أفراد المجتمع الجنوبي. وحتى هذه اللحظة لا تستطيع حكومة السودان مخاطبة شعبها إلا باللغة العربية لأنها اللغة السائدة والعامل المشترك بين مكونات القبائل في جنوب السودان.

قال زعيما دولتي جنوب السودان وشماله إن الدولتين ستعيشان في سلام معاً؟ إلى أي مدى في رأيك سيكون هناك انسجام بين الدولتين؟

كلمة "الانسجام" تستخدم كثيراً من قِبَل الجانبين قـَبْل الاستقلال وحالياً من جانب الدولتين، لكن هذه الكلمة بكل أسف هي بعيدة تماماً عن الواقع. فهناك الكثير من الخلافات بين الطرفين والأحقاد، التي ما زالت في النفوس، نتيجة التجارب المريرة التي عاشها الطرفان خلال السنوات الماضية. التعاون شحيح جداً وهو مفروض فرضاً على الطرفين. فالسمة العامة بينهما هي التوتر وسمة المواجهة السياسية في أغلب الأحيان. لذلك لا أعتقد أن الحكومتين ستنسجمان بهذه السرعة. هناك الكثير من القضايا المختلف عليها لا تزال على طاولة المفاوضات.

لنأخذ مثالاً منطقة أبيي الغنية بالنفط والتي تمتزج فيها قبائل عربية بأخرى أفريقية، ما تزال منطقة متنازع عليها بين الدولتين. كيف سيؤثر هذا على مستقبل العلاقة جنوب وشمال السودان في رأيك؟

النزاع الرئيسي بين الشمال والجنوب هو منطقة أبيي الحدودية وهي المنطقة الأغنى بالبترول حالياً. وهي المنطقة الواقعة على حدود ولاية جنوب كردفان التابعة للشمال السوداني، وفيها تداخل سكاني قديم بين القبائل العربية والقبائل الأفريقية. وفشل الطرفان في إيجاد تسوية سياسية لهذه القضية حتى الآن. وإذا استمرّ هذا الصراع قد يكون بداية لحرب جديدة. وقد يعود الطرفان إلى مربع الحرب الذي كانا تجاوزاهُ باتفاقية السلام الشامل.

لكن الأمل يحدو الطرفين على إيجاد تسوية تقوم على مبدأ اقتسام الأرض في تلك المنطقة. اقتسام الأرض هو الحل الذي يمكن له أن يطوي صفحة هذه الإشكالية بصورة كاملة. وقد تم بالفعل تسوية مشكلة معظم الخمسة وعشرين ألف كيلومتر مربع التي يختلف عليها الطرفان في أبيي ولم يتبقَّ إلا آخر ثلاثة آلاف كيلومتر مربع هي المتنازع عليها الآن وهي التي يختلف عليها الطرفان حالياً.

epa02756393 A photograph released by the United Nations Mission in Sudan (UNMIS) on 28 May 2011 shows a machinegun-mounted truck manned by members of the Sudan Armed Forces (SAF) driving past burning businesses and homesteads known as 'tukuls' in the centre of Abyei, central Sudan. A recent military offensive by the northern Sudan Armed Forces (SAF) on Abyei town saw the north seize and since occupy the town which remains contested by both north and south Sudan ahead of the South's 9 July independence. Widespread looting and the burning of tukuls and businesses in Abyei has ebbed and flowed since the 21/22 May offensive which forced tens of thousands of people to flee south from Abyei and the surrounding area with few or no possessions into Southern Sudan, triggering a humanitarian crisis. EPA/UNMIS PHOTO / STUART PRICE HANDOUT EDITORIAL USE ONLY +++(c) dpa - Bildfunk+++
</p><p>Bildunterschrift: منطقة أبيي الحدودية النفطية شابتها نزاعات مسلحة قبل أشهر ، تاريخ الصورة 28 مايو /أيار 2011

دعا الرئيس السوداني عمر البشير الولايات المتحدة إلى رفع العقوبات المفروضة على بلاده وفتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين بعد اعتراف الشمال السوداني الرسمي بدولة جنوب السودان. فهل رفع العقوبات مجرد طلب أم أنه شرط لعلاقات سلمية مع الجنوب؟ وماذا إذا لم تـُرفع العقوبات هل ستتأزم العلاقات بين الشمال والجنوب؟

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل