المحتوى الرئيسى

ملائكة وشياطين

07/09 08:14

يقول المثل الإنجليزى «متأخرا أفضل من ألا تأتى أبدا».. هكذا جاءت حملة تطهير وزارة الداخلية متأخرة، بعد تفاقم أزمة الثقة بين المواطنين والشرطة لتصل إلى مرحلة رفع فيها البعض شعار «لا تصالح»، تغنيا برائعة أمل دنقل التى سطرها ضد إسرائيل.

لهذه الدرجة أدى تلكؤ النظامين، السابق والحالى، فى تطهير أجهزة الأمن من الفاسدين ومحاسبة القتلة منهم إلى رفع درجة احتقان الشارع ضد رجال الشرطة. احتقانٌ بالغ البعض فى التعبير عنه، واستغله آخرون، ليدفع الثمن بالنهاية، لا المدنيون فقط، بل أيضا الشرفاء، الذين لا تخلو منهم يقينا أروقة الداخلية، رغم كل ما يعتمل بها من غبن وفساد.

لذا لم يعد النقاش مجديا حول أيهما الجانى، سواء فى موقعة «البالون» أو معارك السويس، الشرطة أم المتظاهرون أم البلطجية المندسون بينهما. الأزمة تتجاوز كونها وقائع عنف متكررة، وتسلط الضوء على حتمية حل المشكلة جذريا لدى الشرطة ورجل الشارع، فكلاهما يحتاج إعادة ضبط وهيكلة.

أولا، على النظام إثبات جديته فى الإصلاح بتجفيف منابع الفساد، عبر شن حملة تطهير عنيفة، مصحوبة بجراحة عاجلة للمؤسسة الأمنية، يلزم معها بتر الأعضاء الموبوءة نهائيا، والإبقاء على السليمة، مع عمل جلسات إعادة تأهيل نفسى، ووضع مناهج جديدة لخلق جيل شُرطى جديد على أرضية بكر.

أما الناس، فصحيح أن لهم ألف مبرر للتحامل على جهاز أساء لتاريخه «أفراد» منحلون، لكن واحدا من أكبر الأخطاء التى نرتكبها بحق أنفسنا هو الحكم المسبق ضد كل ضابط فى كل واقعة احتكاك مع مواطنين، قبل الإلمام بملابسات ما حدث تفصيلا، استنادا للمحصلة التراكمية السيئة عنهم.

فعلا، لولا خلل الجهاز الأمنى والقائمين عليه، لما آلت الأحداث لما هى عليه، لكن لو لم ننتبه نحن لأنفسنا ونروض تلك النظرة السلبية الشامتة لرجل الشرطة، فسيكون علينا انتظار ما هو أسوأ. أعلم ضباطاً تعرضوا لأذى بدنى ولفظى وتنكيل، وإهانة، ونزع ملابس، ومطاردة، لمجرد أنهم شوهدوا بالبدل الميرى أو بـ «كارنيه» الشرطة. ومع ذلك، يبقى الويل، كل الويل، لمن يتجرأ ويبرر موقفهم، حتى إذا كان الطرف الآخر أمامهم «بلطجية مأجورين» يزايدون على الثوار تارة، ويتاجرون باسم «الشهداء» تارة أخرى، فسرعان ما يصنف المدافعون عن الشرطة هنا باعتبارهم «فلول».

وبما أن الشعب واع بمخططات «الفلول»، وذهنه متقد لاستحضارهم فى كل أزمة، علينا ألا نسمح لهم بصب الزيت على النار، ويكفينا ما يفعله الفاسدون من رجال الأمن أنفسهم. لا أخالف دنقل وأمد يدى بـ«الصلح» لمنطق نفعى أو لمجرد أننا نعانى الأمرين من غياب الشرطة، بل لأنهم- شئنا أم أبينا- مكون أساسى من مكونات الدولة، والمفترض أن تكون هيبة الدولة من هيبتهم، وكرامة المواطن من كرامتهم.

واجب النظام تطهير وزارة الداخلية، وواجب الشرطة الحفاظ على الأمن، وواجبنا قبول تعاملهم بـ«حزم» مع الخارجين عن القانون، ثم واجب السلطة محاسبتهم إذا ما أفرطوا فى استخدام القوة. لكن ما من عاقل يقبل أن تتحول الثورة إلى غضب انتقامى أعمى يطول عاطلا على باطل، فهل كل رجال الشرطة ساديون كأولئك الذين أدمنوا التعذيب فى المعتقلات. وهل كلهم رضخوا لأوامر قتل المتظاهرين. وهل كلهم يستحقون مثلهم الإعدام فى ميدان عام؟ قطعا لا، فلا كل رجال الشرطة شياطين، ولا كل المواطنين- بالضرورة- ملائكة.

amira_rahman@hotmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل