المحتوى الرئيسى

الإخوان وما صلح به الأولون

07/07 21:08

بقلم: عزة مختار

يعجب الناظر لحال الأمم كيف يمكن لأمة جاهلية متخلفة عن كلِّ مظاهر الحضارة الموجودة في عصرها، وكان أهلها من أقسى النفوس البشرية وقتها، يعجب كيف تتحول تلك الأمة من ذلك الحال الذي هي عليه إلى أمة قائدة رائدة، بل وتقدم أعظم حضارة عرفتها البشرية على الإطلاق.

 

كيف يتأتى لنفس بشرية أن تكون بتلك الغلظة التي تدفع إنسان لأن يذهب بابنته يجرها بيديه ليحفر قبرها وهي حية ثم هي تمسح العرق عن جبينه ليقوم بدفنها بعد لحظات؟ كيف يتحول ذات الشخص إلى أعدل حاكم عرفته البشرية، ثم كيف تتحول أمة تتفاخر بشرب الخمر وتملك النساء إلى أمة حاملة بين يديها الخير للعالم أجمع، فيقول جندي من جنودهم بين يدي أعظم حكام الأرض وقتها: "جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".

 

كيف تتحول النساء من مجرد متاع يورث للابن بعد الأب إلى أن يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فيهن: "النساء شقائق الرجال"، "واتقوا الله في النساء"، وإلى أن تكون السيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هي معلمة الرجال والنساء، وهي التي يوزن علمها بعلم نساء الأمة بما فيهن أمهات المؤمنين.

 

كيف تتحول أمة من مجرد مجموعة لرعاة الأغنام إلى قادة فاتحين ثم يأتي جندي صغير من جنود جيشها حاملاً معه ذهب كسري فيحمله على فرسه ليسلمه إلى أمير المؤمنين ويسلمه له دون أن تحدثه نفسه أن يقترب من تلك الأمانة أو يمد نظره إليها، فيتعجب أمير المؤمنين من أمانة الرجل فيقول آخر: عففت يا أمير المؤمنين فعفوا ولو رتعت لرتعوا.

 

ما الذي حدث وما الذي حول تلك الأمة وتلك الشعوب العربية الجامدة إلى تلك الرقة الإنسانية والنفوس المرهفة تبكي لمجرد سماع آية من كتاب الله تتلى عليهم؟.

 

إنه الإسلام.. وفي ذلك يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، وإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله"، ولقد عاشت الأمة الإسلامية على مدى حقب طويلة بين المد والجزر وبين الصعود والهبوط وبين التقدم والتأخر، وما وجدنا سببًا للازدهار والتقدم والرفعة والسمو إلا في فترات التطبيق الحقيقي لروح المنهج الرباني المنزل من السماء، وإنه لا يكون هناك انحطاط وتخلف وهزيمة إلا بالبعد عن روح ذلك المنهج، واستقاء التشريع من مناهج وضعية من الشرق أو الغرب.

 

إن لكل أمة هوية التي لا تصلح إلا بها، وقد قال الله عزَّ وجلَّ في محكم كتابه ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126)﴾(طه).

 

وقد مرت الأمة المسلمة بظروف قاسية على مدى العصور نتيجة ذلك البعد والإعراض عن شريعة الله ومنهجه الذي ارتضاه للبشرية سبيلاً فاستباحها كل مغتصب ومحتل، ولم تقم لها قائمة إلا حين عادت للصراط المستقيم مرة أخرى، وقد شاءت إرادة الله عزَّ وجلَّ أن يقيض لذلك الدين من يحفظه ومن يقوم على أمره إلى قيام الساعة، يذودون عنه ويتحملون في سبيله المشاق والآلام، بل ويبذلون فيه الدماء والأرواح، وقد شاءت إرادة المولى أن يكون الإخوان المسلمون هم من تقدموا وحملوا الأمانة وكانوا أصحاب مشروع إسلامي متكامل وشامل يبدأ بتكوين الفرد المسلم وينتهي بأستاذية العالم، وها هم منذ حوالي ثمانين عامًا يدفعون الثمن، وما زالوا يدفعون في سبيل الرجوع بتلك الأمة إلى سالف عهدها في الريادة والتقدم وهداية العالم إلى نور شريعة الله عزَّ وجلَّ وهم في هذا يعلمون علم اليقين أنه لا سبيل لإصلاح ما نحن فيه إلا ما أصلح أول هذه الأمة.

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل