المحتوى الرئيسى

المهاجرون والهامش الثقافي في فرنسا

07/07 19:39

بوعلام رمضاني- باريس

أثبتت حالات كثيرة أن معظم المهاجرين المقيمين في باريس وضواحيها لا يولون اهتماما بالثقافة ويعيشون على هامش تظاهراتها الهامة والنوعية رغم أن باريس إحدى أشهر العواصم العالمية بروزا في المجال الثقافي والفني والفكري بوجه عام.

وعدم إقبال المهاجرين على الثقافة لم يقتصر على عامة الناس الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من منظور سوسيولوجي، بل طال حتى الطلبة والمثقفين الذين لا نجد لهم أثرا في تظاهرات دورية يفترض أن "تجبرهم" على الحضور مثل صالون باريس للكتاب ونشاطات المراكز الثقافية والمؤسسات الفرنسية الشهيرة مثل مكتبة فرنسوا ميتران ومجمع بوبور الذي أسسه الرئيس الراحل جورج بومبيدو واليونسكو ودار ثقافات العالم والمتاحف والمسارح.

ولفهم الظاهرة التي تحتاج إلى أكثر من تحقيق ودراسة لتشعب وتداخل حيثياتها، حملت الجزيرة نت حزمة من الأسئلة وتحدثت مع مجموعة من المثقفين والمسؤولين والمهاجرين القلائل المهتمين بالشأن الثقافي.

ويعبر مدير المركز الثقافي الجزائري محمد مولسهول -المعروف روائيا باسم ياسمينة خضراء- عن سخطه حيال الظاهرة التي يحاول الحد من انعكاساتها بكل السبل منذ توليه مسؤولية إدارة أحد أنشط المراكز الثقافية العربية في العاصمة الفرنسية على حد تعبيره.

ياسمينة خضراء قي شرقة مكتبه بباريس(الجزيرة نت)

عزوف المهاجرين
وهذا الروائي -الذي وجد نفسه وسط حوالي عشرين شخصا بمناسبة ندوة نظمها تكريما للروائي الكبير الراحل محمد ديب- لا يفهم عزوف المهاجرين عن الثقافة ويعجز عن فهم تصرفهم.

ويقول "اعتقدت في البداية أن مبرر انخراطهم في المجتمع الفرنسي جعلهم يحيدون عن ثقافتهم الأصلية، وللأسف لا تعثر عليهم في التظاهرات الثقافية الفرنسية الشهيرة مثل صالون الكتاب ولا تشاهدهم في المسارح والمتاحف والمكتبات والمعارض التي تعج بها العاصمة الفرنسية خلافا للفرنسيين والأجانب الذين يقفون في طوابير لساعات قبل دخولهم معارض بيكاسو أو مانيه أو حضور مسرحية أو مشاهدة فيلم".

وإذا كان العمال أو "الزوفريا" -كما يسمون شعبيا في ديار المنفى- والذين يسكنون إقامات "سوناكوترا" البائسة الأشبه بمحتشدات جماعية غير قادرين على كتابة رسالة لذويهم وبالتالي غير معنيين بالثقافة كما، فإن الفاجعة تكبر أكثر "حينما يتعلق الأمر بالطلبة الذين تحولوا إلى عمال كادحين مثل المهاجرين القدامى المسنين " وفق ما يرى المتخصص في الإعلام الطالب لطفي.

ويوضح لطفي أن معظم الطلبة العرب يضطرون للعمل بهدف تحسين ظروف معيشتهم، وهم لا يختلفون في الكثير من الأحيان عن " الزوفريا" مشددا على أنه يجب تفهم هذه الفئة التي كثيرا ما تفكر في لقمة العيش "فهم مهاجرون أتوا من أجل البقاء باسم الدراسة هروبا من قسوة الحياة في البلدان الأصلية".

ويستدرك المتخصص الإعلامي بالقول "لا يجب تفسير غياب الطلبة في التظاهرات الفكرية والأدبية بالظروف الاجتماعية الصعبة فقط، والكثير منهم تمكنوا من تحسين أحوالهم المادية لكنهم بقوا يسخرون من أمثاله الذين يلاحقون جديد المبدعين في شتى المجالات".

وإذا كان الروائي خضراء لا يفهم لماذا لا يحضر الطلبة ملتقيات ينظمها بالتعاون مع الجامعات في الأدب المقارن مثلا، فإن نفس الطلبة والشبان يأتون لحضور حفلات غنائية ولا يقفون عند معارض الفنون التشكيلية ولا يدخلون المكتبة بالعدد الكافي وفق طالب فضل عدم ذكر اسمه مشيرا إلى أن الإقبال على الثقافة أمر معقد.

مسجد باريس
من جهته يؤكد الدكتور حسين رايس -المسؤول السابق عن المصلحة الثقافية في معهد مسجد باريس لمدة 25 عاما- عمق الشرخ الذي يفصل بين فئات كثيرة من المهاجرين والحياة الثقافية الغنية والملبية لأصحاب كل التوجهات والأذواق في فرنسا.

وقال رايس للجزيرة نت إنه كان قد تحدث مرارا عن هذه الحقيقة، مذكرا بالمحاضرات الفكرية التي كان ينظمها في التسعينيات باستضافته كبار المفكرين العرب والأجانب من أمثال محمد أركون وموريس بوكاي وفانسان مونتاي وروجيه كاراتينيه وروجيه أرلنديز ومفكرين آخرين.

وحدث أن وجد نفسه مثل الروائي ياسمينة خضراء أمام حضور لا يتجاوز أصابع اليد، فقليلة هي الحالات التي جاء فيها الجمهور بالعدد الذي يرقى إلى مستوى السمعة التي يحظى بها ضيوف الأنشطة الثقافية بمسجد باريس.

وتحدث رايس عن حالة أركون، فقال إن محاضرة هذا الأخير حول الفكر الإسلامي لم تلق صدى فكريا يستحق بل قوبلت بهجوم شخص كال السباب للقائمين على النشاط في مسجد باريس والذين -وفق رأيه- فتحوا "باب التعبير لمفكر كافر لا يخدم الإسلام".

ولأن استهلاك الثقافة يتطلب إمكانات مالية ووضعية اجتماعية مريحة تسمح لصاحبها بتصنيف الثقافة ضمن حاجاته الأساسية، فإن الدكتور رايس يعتقد أن الأغلبية الساحقة من المهاجرين يجرون وراء لقمة العيش، ولا تشكل الثقافة حاجة ملحة في حياتهم الصعبة، وحتى الفئة المتعلمة لا تقبل على الثقافة بالقدر الكافي لأنها تعاني من تصور ضيق للثقافة ومنغلقة هي الأخرى على نفسها، وترى أن صعوبة الحياة تفرض عليها العمل وضمان الاستقرار الاجتماعي قبل التفكير في الحاجة الثقافية.

الكاتب الصحفي الطيب ولد عروسي (يمين)

والدكتور حسين رايس (الجزيرة نت)

هزيل وتقليدي
وإذا كان رايس قد أعطى فكرة عن ظاهرة "إضراب المهاجرين الثقافي" من موقع مؤسسة دينية، فإن الكاتب الصحفي الطيب ولد عروسي لم يتردد في توجيه اللوم إلى معاهد إسلامية تقوم بنشاطات ثقافية في حاجة إلى غربلة وإعادة صياغة كاملة بسبب عدم استجابة مسؤوليها لمعايير التنشيط الثقافي المطلوب الأمر الذي لا يشجع على إقبال المهاجرين،على حد تعبيره.

الأمور البسيطة التي تقوم بها هذه المعاهد -كما قال- لا تواكب الحياة اليومية للجالية المهاجرة في ظل تطورات حديثة ومستجدة عربيا وإسلاميا وعالميا، والشيء نفسه ينسحب على المراكز الثقافية العربية التي لا تقوم بأي جهد يستحق الذكر، وفق تعبيره.

ويضيف "والكثير من المهاجرين لا يعرفون أو لا يدرون بوجود هذه المراكز الجامدة والبيروقراطية والتي لا تتصل بهم إلا حينما تقترب تواريخ انتخابات أو أمور دعائية لا ترقى إلى تطلعاتهم".

ويؤكد ولد عروسي أن سبب عدم اهتمام الدول الأصلية بالمهاجرين على الصعيد الثقافي زاد من وقع عيشهم على هامش الثقافة بحكم مستواهم التاريخي المتدني وأمية الكثير منهم ، ناهيك عن لامبالاة السلطات الفرنسية المعنية الأمر الذي لا يمكنهم من الاندماج في المجتمع كما تردد النخب السياسية المختلفة دون البحث عن الأسباب التي تفسر التهميش المتعمد الذي تتعرض له الجالية المهاجرة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل